في المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، لا تدخل غزة مساحة تهدئة بقدر ما تدخل ساحة اختبار سياسي وأمني جديد. فالإعمار، الذي يُفترض أن يكون حقًا إنسانيًا بديهيًا لشعب خرج من حرب تدميرية طويلة، يُعاد طرحه بوصفه أداة ضغط، لا مسار إنقاذ. هنا تحديدًا يتشكّل مأزق المقاومة: إعمار مشروط بنزع جوهر القوة، وهدوء طويل مقابل تفكيك عناصر الصمود.
لم يعد الإعمار مسألة تقنية تتعلق بإدخال مواد البناء أو إعادة تأهيل البنية التحتية. ما يُطرح اليوم يتجاوز شكل الحكم في غزة أو تسليم الإدارة للجنة تكنوقراط. المطلوب، بصراحة أقل مواربة، هو إجبار المقاومة على التخلي عن سلاحها، أو تحييده، باعتباره “العقبة” أمام إعادة الإعمار.
بهذا المعنى، يتحول الإعمار إلى امتداد للحرب بوسائل أخرى. ما عجزت إسرائيل عن فرضه بالقوة العسكرية، تحاول فرضه عبر الضغط الإنساني والاقتصادي، مستخدمة معاناة السكان كورقة تفاوض مفتوحة، وكأن الدمار الذي خلّفته حربها الطويلة يمنحها حق تقرير شروط إعادة الحياة.
في هذه المرحلة، لا يبدو الكيان الصهيوني معنيًا بإعادة احتلال غزة أو الغوص في إدارتها اليومية. كلفة الاحتلال المباشر باتت معروفة، عسكريًا وسياسيًا. البديل المطروح هو صيغة أكثر خطورة: لا وجود عسكري دائم داخل القطاع، ولا إدارة مدنية مباشرة، مقابل هيمنة أمنية وعسكرية كاملة من الخارج، تتحكم بالحدود والمعابر والبحر والجو، وتحتفظ بحق إعادة إشعال النار متى شاءت.
غزة، وفق هذا التصور، تُترك مدمَّرة لكن منزوعة القدرة على الفعل، خاضعة لمنطق “الهدوء مقابل الفتات”، وتُدار كمساحة مراقَبة لا كأرض لها حق الحياة والسيادة.
هنا تُدفع المقاومة إلى معادلة زائفة: إمّا السلاح وإمّا الإعمار. معادلة تتجاهل حقيقة أن هذا السلاح لم يكن عبئًا على غزة، بل خط الدفاع الأخير في وجه مشروع الإلغاء الكامل. فالتخلي عنه لا يعني فقط فقدان قدرة الردع، بل فتح الطريق أمام إعادة إنتاج السيطرة الصهيونية بأدوات أقل صخبًا وأكثر ديمومة.
في المقابل، فإن إدارة هذا المأزق دون أفق سياسي وطني جامع قد تضع المجتمع الغزّي تحت ضغط إنساني قاسٍ، يُستثمر داخليًا وخارجيًا لتقويض الحاضنة الشعبية للمقاومة، وتحويل الألم إلى سلاح سياسي مضاد.
ضمن هذا السياق، يمكن رسم عدة سيناريوهات للمرحلة المقبلة. أولها، فتح باب إعمار محدود وتحت رقابة صارمة، مقابل خطوات متدرجة لتحييد سلاح المقاومة. في هذا السيناريو، تحقق إسرائيل مكسبًا استراتيجيًا بلا حرب، فيما يُنتج الواقع الجديد انفجارًا مؤجلًا، لأن جذور الصراع تبقى قائمة.
السيناريو الثاني يقوم على إدارة الابتزاز المفتوح: لا إعمار حقيقي ولا نزع سلاح كامل. مساعدات محسوبة تكفي لمنع الانهيار الشامل، مع إبقاء القطاع في حالة إنهاك دائم. هذا المسار يُراكم الضغط على المجتمع والمقاومة معًا، ويحوّل غزة إلى ملف إنساني بلا أفق سياسي.
أما السيناريو الثالث، فيقوم على تسليم الإدارة المدنية للجنة تكنوقراط أو صيغة فلسطينية توافقية، مع احتفاظ المقاومة بسلاحها ضمن معادلة غير معلنة. الإعمار يتم ببطء وتحت رقابة مشددة، والتوتر يبقى قائمًا. نجاح هذا المسار مرهون بوحدة الموقف الفلسطيني ومنع تحويل الإعمار إلى أداة تفكيك داخلي.
ويبقى السيناريو الأصعب، وهو إعادة فرض معادلة ردع سياسية وإعلامية، تُعيد تعريف الإعمار كحق غير مشروط، وتربط أي تهدئة طويلة الأمد بضمانات حقيقية. هذا السيناريو، رغم كلفته العالية، هو الوحيد القادر على منع تحويل ما بعد الحرب إلى استسلام مؤجل.
في المرحلة الثانية من الاتفاق، لا يُعاد بناء غزة بوصفها مدينة جريحة فقط، بل يُعاد اختبارها بوصفها قضية. الإعمار الذي يُربط بنزع السلاح ليس مشروع إنقاذ، بل صيغة استكمال للحرب بأدوات أقل ضجيجًا وأكثر فاعلية. هنا لا يُطلب من المقاومة تسليم الحكم فحسب، بل تسليم معنى المقاومة ذاته.
ما يُعرض على غزة هو حياة مُدارة تحت سقف الهيمنة، وهدوء قابل للانفجار عند أول اختلاف، وفتات إعمار مقابل تفكيك القدرة على الرفض. لذلك، فالسؤال ليس تقنيًا ولا إنسانيًا فقط، بل سياسي ووجودي: هل يكون الإعمار بوابة لترميم المجتمع مع الحفاظ على حقه في الدفاع عن نفسه، أم يتحول إلى أداة لإنتاج استسلام مؤجل؟
بين ركام البيوت وركام المعادلات، تتحدد المعركة القادمة. ليست معركة إسمنت وحديد، بل معركة إرادة ومعنى، ومعركة على مستقبل غزة: إما مساحة صمود قابلة للحياة، أو كيان مُعاد بناؤه على مقاس شروط الهزيمة.

