قطاع غزة وأرض فلسطين
بين فكي الاستثمار الأمريكي والتوحش الصهيوني
على مدى عامين ونصف العام تعرض الفلسطينيون إلى حرب إبادة جماعية ومحاولات اقتلاع وتهجير عرقي عبر آلاف المجازر وكل أشكال القتل والتدمير اليومي، والحصار المحكم الذي وصل إلى حد التجويع، ترافق ذلك مع النزوح المتكرر، وبات الفلسطينيون محرومين من كل مقومات الحياة "قتل ونزوح ومجاعة" وبلا ماء أو دواء أو مأوى، إنها الفاشية الصهيونية وإيديولوجيا العنصرية والتطرف الديني التوراتي التي تستبيح كل القيم وكل الأبرياء وكل الأرض وكل شيء حي.
مما اضطرهم للقبول بما جاء في خطة الرئيس الأمريكي ترامب الرامية إلى وقف إطلاق النار، رغم ما فيها من ألغام ومحاذير وأخطار فقط لأنها تقدم متنفساً ومجالاً محدوداً لالتقاط الأنفاس، وتضع حداً للموت جوعاً أو برداً أو قصفاً وقتلاً، وربما تُبعد خطر التهجير، وذلك بعد موافقة الوسطاء وضمانة الدول العربية والإسلامية الثمانية.
إذ لم يكن أمام الفلسطيني خيارات واسعة فكلفة إطالة أمدّ المقاومة والقتال باتت عالية جداً يقدمها أهل غزة ضحايا وشهداء، عذاب ونزوح، ألماً ودماء بلغت مئات الألوف من الأرواح والجراح.
حيث التزم الفلسطينيون بوقف إطلاق النار وبتسليم الأسرى الصهاينة أحياءً وجثثاً، ولم يتوقف الكيان عن القصف والقتل والاغتيالات، ولم يلتزم بإدخال المساعدات بالكميات والنوعيات المتفق عليها، وتعدّت الخروقات العشرة آلاف خرقاً.
فقد انتهت المرحلة الأولى من الاتفاق وصبر الفلسطينيون على أوجاعهم ومعاناتهم متأملين ما هو أفضل مع الشروع بتنفيذ المرحلة الثانية التي تنص على الانسحاب الإسرائيلي شبه الكامل من قطاع غزة ورفع الحصار وفتح المعابر وإدخال المساعدات بكل أنواعها بما فيها مقومات الإيواء التي تحمي الناس من البرد والعواصف (كرفانات، أو مساكن مسبقة الصنع)، وتوفير مقومات تأهيل البنية التحتية وإعادة الإعمار.
وبدأت أمريكا بتشكيل الهياكل المشرفة على المرحلة الثانية "مجلس السلام العالمي" واللجنة التنفيذية، وما يسمى بلجنة التكنوقراط الفلسطينية لإدارة غزة التي تم تشكيلها بالتشاور مع الوسطاء. بدعوة من جمهورية مصر العربية اجتمعت الفصائل الفلسطينية الثمانية بعد تشاور الشقيقة مصر مع القيادة الرسمية الفلسطينية، وعرضت الأسماء "المقترحة" للجنة التكنو قراط على اجتماع الفصائل مع شرح مفصل لذاتية أو (c.v) لكل واحد منهم، وتم الاتفاق على القائمة بتحفظ الجميع على اسمين فقط لأسباب مختلفة قد تتعلق بالنزاهة أو السوابق، ولاحقاً تم إبعاد أحدهم.
• الأسئلة والمخاوف والمستقبل المجهول:
- ماهي وظائف الهياكل مجلس السلام واللجنة التنفيذية والمندوب السامي ملادينوف وقوة الاستقرار، هل هذا انتداب أو وصاية؟
- هل ستتحول غزة إلى محمية أمريكية استجابة للشروط الإسرائيلية؟
- أي قوانين ستسري في غزة، هل القانون الفلسطيني أم قوانين مختلفة، وعلى أي قوانين ستسير لجنة التكنوقراط بإدارة غزة؟
- من هي مرجعية لجنة التكنوقراط، هل السلطة الفلسطينية، أم الفصائل الفلسطينية الفاعلة في غزة، أم لا يوجد مرجعية فلسطينية لها، أم هي تلك الهياكل المشار لها أعلاه؟
- كيف سيتم التعامل مع غزة؟ هل كجزء من الكيانية الفلسطينية؟ أم ستكون منفصلة عن الضفة الغربية، أو عن الكيانية الفلسطينية الموحدة؟
- ما علاقة الإدارات الفلسطينية المختصة مع الوزارات الفلسطينية المناظرة في الحكومة الفلسطينية؟
- الموازنات، وتأمين الأموال، اتجاهات الصرف والإنفاق، ومن سيعمل على توفيرها؟ ومن صاحب القرار فيها؟
- ما دور الأمم المتحدة والأونروا والمؤسسات الدولية؟
- الأمن الداخلي في غزة، هل هو مسؤولية فلسطينية أم سيخضع لقوة الاستقرار المتعددة الجنسية؟
- ما هو مصير الموظفين الحاليين القائمين في الوزارات وأجهزة الشرطة والأمن؟
- ما يزيد المخاوف هو غياب الأفق السياسي للتعامل مع القضية الفلسطينية، وتجاهل كل القرارات الدولية التي تنصف الفلسطينيين بالحد الأدنى من الحقوق الوطنية والكيانية، وتجاهل ما يجري من سياسات عنصرية اقتلاعية في الضفة العربية، وتغيير في بنى المخيمات الفلسطينية وتهجير ما يزيد عن سبعين ألف فلسطيني، واستقطاع أكثر من 60% من مساحة الضفة وضمها إلى الكيان الصهيوني، وبناء المستوطنات فيها، وتقطيع أوصالها بما يقارب 950 حاجزا عسكريا، ومشروع (E1) الذي يفصلها عن القدس التي تتهددها الهجمات والاعتداءات العنصرية وعمليات التهويد المتواصلة.
- وما يؤكد هذه المخاوف ما ورد في تقرير الأمن القومي الاستراتيجي الأمريكي الذي يتجاهل الأمم المتحدة والقانون الدولي وأي ذكر لكلمة فلسطين أو الدولة الفلسطينية أو حتى "حل الدولتين"، ويعني صراحة أن أمن "إسرائيل" فوق كل شيء ومصالح أمريكا الحيوية في المنطقة والعالم هي كل شيء، ومنع أي تدخل دولي أو إقليمي يسعى لبسط نفوذه فيها.. وها هي الأساطيل البوارج والمدمرات الأمريكية تجوب محيطات وبحار المنطقة، والهدف هيكلة الجغرافيا بما يلبي الهيمنة الأمريكية والأمن الإسرائيلي.
- لن يقبل الفلسطينيون أن تُبتلع قضيتهم الوطنية من بوابة وقف إطلاق النار، وأن تتحول إلى كيانات محلية منفصلة ومناطق اقتصادية للاستثمار.
- المرحلة خطيرة وخطيرة جداً وما على الفلسطينيين إلا أن يثبتوا في أوطانهم، وأن يتحدوا على أرضية مواجهة الأخطار والتحديات، وعلى المتوهمين بخيارات السلام والتسوية أن يتنبهوا ويستفيقوا ويعودوا إلى رشدهم ووعيهم وإلى الرهان الرابح "الشعب وخياره في الوحدة والصمود والمقاومة".

