على مدار العقود الماضية، شكّل اليسار الفلسطيني أحد الفاعلين الأساسيين في إنتاج الخطاب السياسي الفلسطيني، ليس بوصفه مجرد معبر عن موقف تنظيمي، بل كقوة قادرة على صياغة "إطار معنى" للصراع.
غير أن تجربة اليسار الفلسطيني في بناء الخطاب الإعلامي لم تكن خالية من الأزمات. فمع تحول طبيعة الصراع وتداخل أبعاده العسكرية والسياسية والإعلامية، واجهت الفصائل اليسارية تحدياً مزدوجاً: أولاً، ضرورة الحفاظ على الاستمرارية التاريخية لسرديتها الثورية، وثانياً، الحاجة إلى تجديد اللغة الإعلامية لتكون قادرة على مخاطبة جمهور داخلي متعب، وجمهور عالمي متغير، وميدان إعلامي يتسم بالسرعة والتشويش. وامام هذا التحدي لا بدّ من طرح العديد من الأسئلة ولكنا ربما أهمها هو كيف يمكن لليسار الفلسطيني أن يحافظ على هويته الثورية، دون أن يتحول خطابه إلى خطاب "أرشيفي" لا يقرأ الواقع، أو إلى خطاب "براغماتي" يفرّغ الثورة من معناها؟
تأتي تجربة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في أعقاب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 كاختبار حاسم لهذا السؤال. فالجبهة، التي تمتلك تاريخاً ثورياً يمتد إلى عقود، لم تكتفِ بالتعامل مع الحدث بوصفه تطوراً ميدانياً، بل حاولت إعادة إنتاج سردية الصراع عبر خطاب إعلامي مركّب، يربط بين التفسير البنيوي للصراع، والانفتاح على جمهور عالمي عبر "التقاطعية النضالية"، وصولاً إلى تأطير هدنة 2025 ضمن منطق "البراغماتية الثورية".
هذا النجاح لا يخلو من إشكاليات فهل يمكن للخطاب أن يظل ثورياً ومرناً في آن واحد؟ وهل يمكنه أن يوازن بين الداخل الفلسطيني المتعب، والخارج الدولي الذي يفرض شروطه؟ وكيف يمكنه أن يحقق تجديداً دون أن يبتعد عن القاعدة الاجتماعية التي تشكل أساس شرعية المقاومة؟
أولاً: السردية بوصفها أداة اشتباك معرفي
في مقاربات تحليل الخطاب الإعلامي، لا يقتصر الفعل التحليلي على تفريغ المحتوى الظاهر للنصوص، أي ما يُقال حرفياً، بل ينصرف أساساً إلى تفكيك آليات القول، وبنية المفاهيم، وما يُفترض ضمنياً دون تصريح. فالخطاب، في هذا المعنى، ليس انعكاساً مباشراً للحدث، بل هو حقل اشتباك معرفي تُصاغ داخله دلالات الوقائع، وتُحدَّد من خلاله حدود الفهم والتأويل.
من هذا المنطلق، تعاملت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مع أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 بوصفها لحظة اختبار سردي بقدر ما هي لحظة صدام ميداني. لم يكن السؤال المركزي في خطابها: ماذا حدث؟ وإنما كيف ينبغي فهم ما حدث؟ وهنا تظهر نقطة الانطلاق المنهجية في خطاب الجبهة، القائمة على الفصل بين الحدث بوصفه واقعة عسكرية، والحدث بوصفه معنى سياسياً وتاريخياً.
في هذا السياق، شرعت الجبهة في إعادة تأطير الحدث بعيداً عن حمولة التسمية الدينية الرمزية، فعلى الرغم من شيوع توصيف العملية باسم "طوفان الأقصى"، بما يحمله المصطلح من دلالات دينية وتاريخية مرتبطة بالمقدّس، ذهب خطاب الجبهة إلى تحييد هذا البعد، دون إنكاره، لصالح قراءة تقوم على منطق الصراع الكولونيالي الاستيطاني وتناقضاته البنيوية.
ولم يكن هذا التحول مجرد تعديل لغوي، بل انتقالاً مفاهيمياً من تفسير الحدث بوصفه انفجاراً وجدانياً أو فعلاً دينياً، إلى تقديمه كـ"نتيجة تاريخية حتمية لتراكمات القمع والاستعمار والإقصاء السياسي".
يتجلى هذا المنحى بوضوح في البيانات الأولى للجبهة، التي استخدمت تعبيرات مثل “حتمية الصدام” و“انسداد الأفق السياسي”، وهي مفاهيم تنتمي إلى قاموس التحليل البنيوي للصراعات، لا إلى خطاب التعبئة الدينية.
ومن خلال هذه اللغة، سعت الجبهة إلى علمنة الفعل المقاوم، أي نقله من مجال التفسير الرمزي إلى مجال الصراع السياسي–الاجتماعي، دون نفي حضور الدين في الوعي الشعبي، ولكن مع إخراجه من موقع التفسير المركزي للحدث.
بهذا المعنى، جرى تفكيك الرمز الديني وإعادة تركيبه داخل سردية أوسع تتصل بتجارب حركات التحرر الوطني، ومقاومة الهيمنة، واستعادة السيادة. وقد أتاح هذا التحويل للخطاب الجبهوي أن يصبح قابلاً للتداول في سياقات معرفية متعددة، من اليسار العالمي، إلى الدوائر الأكاديمية، وصولاً إلى الحركات المناهضة للاستعمار والعنصرية.
ثانياً: من المحلية إلى العالمية: التقاطعية كاستراتيجية خطابية
ابتداءً من منتصف عام 2024، يمكن رصد تحوّل نوعي في خطاب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، تحوّل لا يتعلق فقط بتغيير النبرة أو توسيع دائرة المخاطَبين، بل بإعادة تعريف الجمهور المستهدف ذاته. فبعد أن ظل الخطاب، تاريخياً، موجهاً بالدرجة الأولى إلى البيئة الفلسطينية والعربية القريبة – المخيم، القاعدة التنظيمية، أو دائرة التضامن الإقليمي – بدأ يتجه بوضوح نحو جمهور عابر للحدود، يتشكل من فاعلين أكاديميين ونقابيين وحركات اجتماعية في مراكز الإنتاج المعرفي والسياسي في الغرب.
فلم يعد الخطاب مقتصراً على مخاطبة الفلسطيني بوصفه صاحب قضية مباشرة، بل بات يخاطب الأكاديمي في الجامعات الأميركية، والنقابي في العواصم الأوروبية، والناشط الحقوقي في الفضاءات المدنية العالمية.
هذا التحول يمثل انتقالاً من خطاب مقاومة وطني إلى خطاب مقاومة كوني، دون أن يعني ذلك التخلي عن الخصوصية الفلسطينية، بل إعادة تقديمها ضمن أطر مفهومية عالمية.
الأداة المركزية في هذا التحول كانت تبنّي ما يمكن تسميته بـ " التقاطعية النضالية"، وهو مفهوم نشأ في الأدبيات النسوية والنقدية الغربية لوصف تداخل أنماط القمع (العرقي، الطبقي، الاستعماري)، ثم جرى توظيفه سياسياً من قبل حركات العدالة الاجتماعية.
في خطاب الجبهة، لم يُستخدم هذا المفهوم بوصفه إطاراً نظرياً مجرداً، بل كآلية خطاب تربط المعاناة الفلسطينية بمنظومات القمع العالمية، وبموجب هذه المقاربة، لم تعد القضية الفلسطينية تُقدَّم فقط باعتبارها صراعاً على أرض محتلة، بل باعتبارها نقطة التقاء بين أنماط متعددة من الهيمنة: الاستعمار الاستيطاني، الرأسمالية العسكرية، والعنصرية البنيوية. وهنا حدث انتقال واضح في لغة الخطاب: فبدلاً من التركيز الحصري على أعداد الشهداء والجرحى بوصفهم أرقاماً في سردية إنسانية تقليدية، جرى الحديث عن الجسد الفلسطيني كـ"جسد سياسي"، يتعرض لعنف منظم تمارسه منظومة عالمية، لا مجرد قوة احتلال محلية.
هذا التحول في الخطاب الإعلامي سمح بخلق جسر تواصلي بين السردية الفلسطينية ومشاريع نضالية أخرى، مثل حركات مناهضة العنصرية ضد السود في الولايات المتحدة، أو الحملات المناهضة للعسكرة والخصخصة في أوروبا.
تظهر هذه المقاربة بوضوح في الحملات الإعلامية والبيانات التي ركزت على ربط القضية الفلسطينية ببنية النظام الدولي، لا فقط بسلوك الاحتلال. فبدلاً من تقديم "إسرائيل" كفاعل معزول، جرى توصيفها بوصفها "ذراعاً متقدمة لمنظومة إمبريالية"، وهو توصيف ينسجم مع الخطاب اليساري العالمي، ويجعل من فلسطين جزءاً من صراع أوسع ضد الهيمنة، لا قضية استثنائية خارج السياق.
ثالثاً: الهدنة في 2025: من شبهة الهزيمة إلى براغماتية ثورية
مع توقيع هدنة شباط/فبراير 2025، دخل خطاب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين واحدة من أكثر لحظاته حساسية منذ اندلاع المواجهة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، فلم يكن التحدي سياسياً أو تنظيمياً فحسب، بل كان تحدياً سردياً بامتياز، فكيف يمكن إعادة تفسير الانتقال من الاشتباك المفتوح إلى التهدئة دون أن يُقرأ ذلك بوصفه تراجعاً، أو تسوية مفروضة، أو هزيمة مؤجلة؟ هذا السؤال لم يكن موجهاً إلى الخصوم فقط، بل إلى القاعدة الاجتماعية والسياسية التي تستمد الجبهة جزءاً أساسياً من شرعيتها منها.
في مواجهة هذا التحدي، بلورت الجبهة استجابة خطابية متماسكة تمحورت حول مفهوم "البراغماتية الثورية"، والمقصود بهذا المفهوم، كما يبدو واضحاً في البيانات والتحليلات الصادرة في تلك المرحلة، ليس التخلي عن المبادئ أو إعادة تعريف الهدف النهائي، بل إعادة ترتيب الوسائل والأولويات وفق قراءة واقعية لموازين القوى، وبما يحافظ على جوهر المشروع الوطني واستمراريته.
يمكن رصد تحول واضح في لغة الخطاب من مفردات الاشتباك الدائم إلى مفردات "الأولوية الوطنية" و"حماية الإنسان الفلسطيني"، ولم يعد الاستمرار في المواجهة العسكرية يُقدَّم كغاية بحد ذاته، بل كأداة من أدوات متعددة، تُستخدم حين تخدم الهدف، وتُعلَّق حين يهدد استمرارها بتآكل القاعدة الاجتماعية أو استنزاف القدرة على الصمود، وضمن هذا الإطار، جرى تقديم الهدنة لا كنقطة نهاية لمسار المواجهة، بل كمرحلة انتقالية في صراع ممتد.
ولعلّ أحد العناصر المركزية في هذا الخطاب كان الإصرار على توصيف الهدنة بوصفها "إنجازاً انتزع انتزاعاً"، لا نتيجة حسن نية من طرف الاحتلال أو المجتمع الدولي.
هذا التوصيف ليس تفصيلاً لغوياً، بل أداة لإعادة توجيه المعنى: فالإنجاز هنا يُربط بالفعل السابق، أي بالصمود والمواجهة، وليس بالتهدئة ذاتها.
وبهذا، يُعاد وصل الفعل العسكري بالفعل السياسي في سلسلة واحدة، تمنع الفصل القيمي بين "القتال" و"التفاوض".
في هذا السياق، كثّف الخطاب استخدام مفاهيم مثل "حماية الحاضنة الشعبية"، وهي عبارة تحمل دلالات أعمق من بعدها التعبوي. فالحاضنة هنا لا تُفهم فقط كجمهور داعم، بل كشرط مادي وأخلاقي لاستمرار أي مشروع تحرري.
وبالتالي يمكننا القول بأنّ خطاب الجبهة في مرحلة الهدنة لم يسعَ إلى نفي التوتر أو التناقض الكامن في الانتقال من الحرب إلى التهدئة، بل إلى إدارته سردياً.
رابعاً: المآزق البنيوية في الخطاب الإعلامي لليسار الفلسطيني: مساءلة الفعالية والأثر
على الرغم من النجاح النسبي الذي حققه الخطاب الإعلامي لليسار الفلسطيني، والجبهة الشعبية نموذجاً، في إعادة إدراج القضية الفلسطينية داخل فضاءات التضامن والنقاش العالمي بين عامي 2023 و2025، إلا أن هذا النجاح لا يخلو من مآزق بنيوية تُلقي بظلالها على قدرة هذا الخطاب على التحول من سردية تحليلية مؤثرة إلى قوة تغيير جماهيرية واسعة، فبين الفعالية الرمزية والقدرة التعبوية، تظهر فجوات تستدعي قراءة نقدية متعددة المستويات.
- الاغتراب السردي وفجوة الوعي
تتمثل الإشكالية الأولى في ما يمكن تسميته بـ«الاغتراب السردي» بين الخطاب اليساري وجزء من قاعدته الاجتماعية المفترضة. فمن جهة، يميل الخطاب الإعلامي اليساري إلى استخدام لغة تحليلية عالية التجريد، قائمة على مفاهيم مثل «الاستعمار الاستيطاني» و«التناقضات البنيوية للإمبريالية» و«علمنة الصراع». ومن جهة أخرى، يتغذى الوعي الشعبي الفلسطيني، خاصة في لحظات العنف الوجودي، على منظومات رمزية وعاطفية أكثر مباشرة، تتصل بالدين والهوية والذاكرة الجمعية، مثل الشهادة، والمقدّس، والنصر.
هذا التباين لا يعكس خطأً تحليلياً بقدر ما يكشف فجوة تواصل. فبينما ينجح الخطاب اليساري في مخاطبة الدوائر الأكاديمية والنقابية في الغرب، قد يبدو أقل قدرة على ملامسة التجربة اليومية المباشرة للفلسطيني في المخيم أو تحت الحصار. وعليه، فإن الإفراط في تفريغ الحدث من رمزيته المألوفة، دون توفير بدائل سردية وجدانية، قد يُنتج خطاباً متقدماً نظرياً، لكنه محدود الأثر جماهيرياً، ما يفتح المجال أمام قوى أخرى لملء الفراغ التعبوي.
- التوحيد السردي وأزمة الشرعية النقدية
المأزق الثاني يرتبط بإدارة التعددية داخل الخطاب نفسه، ففي مرحلة ما بعد الحرب، ولا سيما مع الانتقال إلى خطاب «البراغماتية الثورية» المرتبط بالهدنة، برز ميل واضح إلى توحيد السردية الإعلامية بوصفه أداة لحماية المعنى العام ومنع اختراقه من قبل الخصوم السياسيين، غير أن هذا التوحيد قد يتحول، في بعض السياقات، إلى آلية دفاعية تُقيّد النقاش الداخلي، وتُضعف المساءلة النقدية.
أيضاً فإن تقديم الهدنة بوصفها «إنجازاً انتُزع انتزاعاً» قد ينجح في تحصين الخطاب من اتهامات الهزيمة، لكنه في الوقت ذاته قد يهمّش أسئلة مشروعة تتعلق بالكلفة الإنسانية والسياسية. وهنا يواجه اليسار تحدياً مضاعفاً في فضاء تنافسي حاد: فهو ينافس سردية دينية ذات قدرات تعبوية عالية التأثير (تمثلها حركات إسلامية)، وسردية سياسية– دبلوماسية تستند إلى منطق الدولة والشرعية الدولية (فتح). وفي حال عجز الخطاب اليساري عن إيجاد توازن بين الحفاظ على وحدة السرد، وفتح المجال للنقد الداخلي، فإنه قد يتحول إلى خطاب توصيفي متقدم، دون أن يرتقي إلى مستوى القيادة الرمزية القادرة على توحيد الفعل الفلسطيني.
- ارتهان السردية وتحولات السياق الدولي
أما المأزق الثالث فيتصل باستدامة الخطاب في ظل تحولات البيئة الدولية. فقد راهن اليسار الفلسطيني بشكل واسع على استراتيجية «التقاطعية النضالية»، وربط القضية الفلسطينية بحركات عالمية مناهضة للعنصرية والاستعمار والرأسمالية، وقد أتاح هذا الرهان توسيع دائرة التضامن وإعادة تسييس القضية في الفضاء الغربي.
غير أن هذا التوجه يحمل في طياته مخاطرة كامنة، تتمثل في ارتهان السردية الفلسطينية لموجات تضامن قد تكون ظرفية أو متقلبة، فمع تغيّر أولويات الحركات التقدمية العالمية، أو انشغالها بملفات أخرى، قد يتراجع الصدى الدولي، ما يترك الخطاب اليساري مكشوفاً إذا لم يكن متجذراً بعمق في بنيته المحلية. التحدي هنا لا يكمن في التخلي عن البعد العالمي، بل في بناء خطاب يمتلك قدرة ذاتية على الاستمرار، بحيث لا تكون شرعيته مرهونة فقط بالاعتراف الخارجي، بل مستندة إلى تفاعل حي مع المجتمع الفلسطيني نفسه.
خاتمة: في "فقه البقاء" وصراع المعنى المفتوح
لا تكمن عبقرية الخطاب الإعلامي لليسار الفلسطيني بين (2023–2025) في قدرته على تفسير الأحداث، بل في شجاعته على إعادة اختراع نفسه في قلب العاصفة.
واليسار الفلسطيني اليوم، بوقوفه في تلك المنطقة القلقة بين "تراث الثورة" و"ضرورات الواقع"، يضع حجر الأساس لسردية وطنية عابرة للحدود، سردية تدرك أن طريق القدس يمر عبر فهم عميق لمنظومة العالم، وأن الحرية ليست مجرد لحظة عسكرية، بل هي انتصار يومي للوعي على الهيمنة، وللإرادة على اليأس.
أخيراً، يبقى السؤال المفتوح أمام اليسار: هل ستتحول هذه السردية إلى أرشيف جديد نُبجّل فيه صمودنا، أم إلى رؤية إعلامية موجّهة للمستقبل، لا تكتفي بتفسير ما جرى بل تسعى إلى إعادة تشكيل ما سيأتي؟ والإجابة هنا لن تكتبها البيانات الإعلامية وحدها، بل قدرة هذا الخطاب على البقاء حيّاً، نقدياً، ومشتبكاً في وعي الأجيال القادمة، بعيداً عن صخب الميدان وصمت الهدن.

