Menu

الحزبان الشيوعيان في فنزويلا وإيران: بين الرئيسي والثانوي

كاظم الموسوي

بوابة الهدف

أصدر الحزب الشيوعي في فنزويلا بيانا سياسيا موقعا باسم المكتب السياسي المنتخب، ونشر الحزب الشيوعي في إيران "توده "مقالا افتتاحيا في جريدة الحزب المركزية حول ما حصل في بلديهما وما حدث من تحولات وتداخلات لا يمكن التغاضي عنها أو الوقوف موقف الحياد منها. وأهمية موقف الحزب الشيوعي في أي من البلدين كبيرة جدا ومسؤولية مشتركة وتاريخية.

النصان مترجمان إلى اللغة العربية ويوزعان من رفاق شيوعيين من أحزاب عربية متعددة، اعتمدت عليهما في محاولة قراءة نقدية للنصين فواجهت جملة من تناقضات الأفكار المطروحة والمعبرة عن مواقف لا تعبر عن الموقف الشيوعي الذي يستند إلى التحليل الملموس للواقع الملموس ويحدد أوليات الظواهر والوقائع وتطوراتها، والتمييز بين الرئيسي والثانوي، واين تصب في نتائجها ونهاياتها وما هي مصالح الشعب فيها والطبقة العاملة أساسا. الأمر الذي يثير تساؤلات إضافية عن دور ومكانة الحزبين في الشارع في البلدين وفي هذه الظروف المحتدمة، حيث أن الوصول إلى الموقف السليم والمعبر عن الواقع وآفاق التغيير هو المطلوب الآن، بعقل منفتح ورؤية واقعية بأبعاد جديدة، وهو ما أود الإشارة له بعد تحليل النصين والخروج منهما بما يخدم الحزبين والشعبين وينتهي لمصلحتهما دون أحكام مسبقة أو اندفاعات حماسية لمصادر الحزبين الفكرية.

ماذا حصل في فنزويلا ولماذا؟ أين الأساسي أو الرئيسي والفرعي أو الثانوي فيما حصل؟ وكيف نحدده او نقيمه وما هو المهم في مجموعه وصلته بالنضال الوطني والكفاح الطبقي و أي المفاهيم الأساسية التي يجب أن تكون أو نسجلها عليها؟ لنقرأ العنوان أو الشعار للبيان، فهل هو الشعار الصائب للفترة الزمنية ولما حصل فيها وما دعا الحزب إلى إصدار هذا البيان؟، وبعد الإدانة الأشد للعدوان الإمبريالي الأمريكي خلال الساعات الأولى من فجر الثالث من كانون الثاني/ يناير، وهو عمل يشكّل عدوانًا خطيرًا على السيادة الوطنية وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، و"رفض" اعتقال "مواطنين"! يكشف الهدف من البيان الذي خلط بين هدف العدوان ومشروعه المعلن، وما أدانه الحزب، وهو واقع حال مفترض من أية جهة وطنية، فكيف الحزب الشيوعي لا يرفضه ويحدده في إطار العدو الطبقي والسياسي وما قام به هو تحقيق هدفه الذي أسهب الحزب في وصفه وتخلى عن مهمته كحزب طبقي في تلك الظروف التي حصلت والقوى التي قادتها وأدارتها، وتناقض الموقف الطبقي والفكري والسياسي في عباراته عن الأساسي في الواقع الفنزويلي، "ولا يعني هذا الموقف، تحت أي ظرف من الظروف، تقديم أي دفاع سياسي عن الإدارة السلطوية، غير الديمقراطية، المعادية للعمال والمعادية للشعب التي كان يقودها نيكولاس مادورو، والذي كان يمارس فعليًا رئاسة الجمهورية. لقد كان مادورو وقيادة الحزب الإشتراكي الموحد الفنزويلي (PSUV) مسؤولين عن انتهاكات جسيمة للدستور والقوانين، وللحقوق السياسية والعمالية والإجتماعية للشعب العامل، ما خلق ظروفًا مواتية للمخططات الإمبريالية الرامية إلى محاصرة البلاد والاعتداء عليها". فهل هذا صحيح وواقعي؟ من هو الذي طالب به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واختطفه من بيته ومن منصبه ورمزيته المعروفة وما هي مواقف الرئيس المواطن من قضايا المرحلة الأساسية ومهماتها الوطنية التحررية؟. لاسيما في قضايا التحالفات السياسية والقضايا الطبقية والعلاقات الوطنية والدولية، خاصة قضايا الحروب الإمبريالية والقضية الفلسطينية. وهل هذا زمان هذا الهجوم و"الشماتة" من نجاح العدو الامبريالي في انجاز هدفه وفرض هيمنته التي حاربها الرئيس الفنزويلي المنتخب والمحارب من الإدارة الإمبريالية، العدو الطبقي والسياسي للشعب الفنزويلي والطبقة العاملة أساسا؟.

وصف بيان الحزب الوضع العام في البلاد وختم بالدعوة إلى مخرج سياسي شعبي دستوري ديمقراطي، "ويؤكد الحزب الشيوعي الفنزويلي على الضرورة الملحّة لبناء مخرج سياسي ذي طابع شعبي ودستوري وديمقراطي وسيادي للأزمة. فلا الاحتلال ولا الوصاية الإمبريالية، ولا استمرار النظام السلطوي، تمثل حلولًا تخدم مصالح الشعب العامل." وكيف يتم ذلك في ظل الوصاية والتصعيد العسكري والإبتعاد عن التحالفات الوطنية والحزب الحاكم أبرز القوى التي يتطلب الوضع الحوار معه واستمرار الموقف من الإمبريالية وخدمها وصنائعها المشبوهة. ولا أريد السؤال عن صدور مثل هذا البيان قبل ما حدث في البلاد، لأني لم اطلع على تاريخ الحزب ومشاركته في قيادة الشارع الوطني والتظاهرات المليونية التي عمت الشارع الفنزويلي والبلدان المجاورة أيضا. وهنا أتوقف عند قدرة التعبير اللفظي والتضحيات المجانية غير المطلوبة في ظل أوضاع ملتهبة وعدو شرس متربص ومستشر ضد البلاد وشعبها وخيراتها.

إن صياغات البيان تلمح إلى إبتعاد عن مهمات الحزب النضالية ومتطلبات مرحلة التحرر الوطني التي كان من الأولى التركيز عليها والعمل المشترك للتصدي للعدوان وأدواته وخوض الصراع السياسي والطبقي معا. إذ يصب هذا المنحى الذي خطه البيان إلى فقدان البوصلة الطبقية والفكرية واستفادة العدو الإمبريالي منه بدون غطاء أو إرتداد. وتلك مصيبة الجمود العقائدي والتصلب الفكري غير المبرر في هذه الظروف وفي محاكمة رموز وقوى الوطن والتحالف الديمقراطي الذي يدعو له الحزب في بيانه.

أما المقال الإفتتاحي لصحيفة "نامه مردم" الناطقة باسم حزب توده إيران - 12 كانون الثاني/ يناير 2026 فيضع عنوانا عريضا أو شعارا رئيسيا: إيران على شفا تحولات قد تكون مدمّرة: الحاجة الملحّة إلى تحرّك عاجل لإنقاذ البلاد من الدكتاتورية. فما هو المطلوب من الحزب، وأين موقعه فيما حصل في الشارع السياسي ودوره فيه وفي التحولات المدمرة التي يتوقعها وقدراته في إدارتها شعبيا وديمقراطيا، وهذا يتطلب كما ذكر البيان في خاتمته. فهل الحزب قادر على ذلك؟

شخصت المقالة أسباب الحراك الشعبي: الفقر والحصار والعقوبات الأمريكية، وهذا أمر صحيح، واعترفت به قيادة الجمهورية، ويتطلب تفصيله في التحليل السياسي للواقع ويستكمل بمكان السلطات فيه، فمواقفها سبب آخر في عداء الإمبريالية لها وفرض الأسباب الأخرى على الشعب في البلاد، ولكن البيان يبالغ في وصف السلطة الحاكمة بالثيوقراطية والدكتاتورية وهو لا ينكر مواقفها التي لا يختلف عليها واقعيا وتتغلب الجوانب الفكرية الأيديولوجية على تحليل الواقع مما يربك الصورة وتقييمها الفكري والسياسي، فالعدوان الإمبريالي بكل أشكاله، وتوظيف كل إمكاناته لإسقاط قيادة البلاد، والإتيان بحكومة موالية للإمبريالية، فضلا عن مواقف هذه القيادة منه ومن القضايا السياسية الوطنية والأممية تجعل قيادة البلاد وفي هذه المواقف المعلنة واقعيا أقرب إلى يسار التيارات الأخرى التي تراهن على القوى الاستعمارية وتبتعد عن المواقف المطلوبة ولاسيما في دعم وإسناد قضايا التحرر الوطني وعلى رأسها قضية فلسطين وكفاح الشعوب والمستضعفين ضد الاحتلال والاستيطان والإبادة والاضطهاد.

أقر البيان أن " بعض العناصر والجماعات المنظمة تحاول، عبر أعمال تخريبية وعنف، تمهيد الطريق لتدخل مباشر من الولايات المتحدة وحلفائها في مسار الاحتجاجات الجارية". كما أدان البيان محاولات " عودة الملكية " وتوفير وسائل الإعلام والدعم اللوجستي لها، وأضاف لها "وإضافة إلى ذلك، نشهد مواقف مؤسفة لبعض الشخصيات الإيرانية المعروفة، من بينها شيرين عبادي، الحقوقية والحائزة على جائزة نوبل للسلام؛ ومحسن مخملباف، الكاتب والمخرج السينمائي؛ وعبد الله مهتدي، الأمين العام لحزب كومله لكردستان إيران. فقد كتب هؤلاء، بالتنسيق مع رضا بهلوي، رسالة إلى ترامب دعوه فيها إلى التدخل في شؤون إيران وهو تدخل قد يشمل عملًا عسكريًا. فهل تجهل شيرين عبادي الآراء الفاشية، والأيديولوجيا الرجعية المعادية للمرأة والعنصرية، والسياسات العدوانية، وسياسات الهيمنة، لشخص مثل ترامب وشريكه مجرم الحرب نتنياهو؟"، ورآى الحزب: "لقد شدّد حزب توده إيران، عبر نداءاته ووثائقه الرسمية ومقالاته في صحيفته «نامه مردم» واتصالاته المباشرة مع القوى التقدمية والوطنية الأخرى، مرارا على ضرورة الحوار البنّاء والتعاون العملي حول برنامج حدٍّ أدنى في النضال ضد النظام الاستبدادي الحاكم. فالقوى التقدمية مطالبة بصياغة برنامج مشترك يمكن تقديمه إلى الشعب، وبإعداد الحركة لمواجهة الوضع الحرج الراهن. وبهذا فقط يمكن الأمل في توجيه التطورات لخدمة المصالح الوطنية والمطالب الشعبية. وللأسف، لم تُستثمر هذه الفرصة حتى الآن لتنظيم نضال موحّد وفعّال ضد الدكتاتورية". واعترف الحزب بقسوة الظروف السائدة، وعجز القوى الوطنية عن التأثير في مسار الأحداث، وفي مقدمتها الحزب نفسه، وظل الحزب يدعو لإطار مشترك للحوار والإتفاق بين القوى الوطنية مع طرح أهداف عامة، تصلح لكل زمان، وتبتعد عن مهمات الظروف الراهنة ودور الحزب في حماية الشعب والوطن ومصالح الطبقة العاملة، والتصدي للإمبريالية والعدوان المفتوح على الشعب والوطن.

كل هذه المؤشرات التي ينبغي على الحزب التفكير بها بواقعية، ومعرفة موقعه في الشارع السياسي وقدراته العملية للحيلولة دون نجاح القوى المعادية له أساسا أن تنجح في "إسقاط النظام" وإنكار التظاهرات الشعبية الكبيرة التي انطلقت في الرد على التهديدات ومشاريع العدوان الصهيو إمبريالي، ودعم القيادة الوطنية، التي يحاربها ترامب ونتنياهو، في أبسط التوقعات، فهل هذه النظرة لشعاره وكيف تكون؟. وهل كل هذه المؤشرات التي يطرحها الحزب كفيلة بإنقاذ البلاد، ونفسه كحزب شيوعي ووقف التحولات المدمرة؟.

إن النصين للحزبين الشيوعيين يكشفان عجزا عملياتيا لقيادة المرحلة، ويدعوان من منظور آخر، إلى ضرورة المراجعة الجدية لمواقفهما الفكرية والسياسية ودروس التاريخ.