Menu

في ذكرى الرحيل الأولى...

حَمَّه الهَمَّامي / الأمين العام لحزب العمال التونسي

نشر في مجلة الهدف العدد (79) (1553)

 

مرّ عام، بسرعة كثيفة، عن رحيل الرفيق العزيز أبو أحمد فؤاد (داود أحمد مراغة). نزل علينا الخبر يوم 17 جانفي/كانون الثاني 2025 فحرّك الذاكرة لتجول في تاريخ قائد عسكريّ وسياسيّ فلسطينيّ المنشأ والهويّة، عربيّ القوميّة، أمميّ الانتماء...لم أعرف شخصيّا أبو أحمد بشكل مباشر إلّا في بدايات هذه الألفيّة حين كان مسؤولا عن دائرة العلاقات السياسية في الجبهة الشعبية قبل أن يصبح لاحقا نائب الأمين العام الرفيق أحمد سعدات الأسير في سجون الاحتلال. التقينا في المغرب وكنّا في ضيافة رفاقنا المغاربة، في "النهج الديمقراطي"، (حزب النهج الديمقراطي العمّالي حاليّا) بمناسبة انعقاد مؤتمر تنظيمهم. وكانت لنا بالمناسبة نقاشات ثريّة حول الوضع في فلسطين والمنطقة والعالم. وقتها عرفت تاريخ الرجل العسكري، دوره في الجبهة الشعبيّة وفي المقاومة الوطنية الفلسطينيّة عامّة في فترات حسّاسة وهامّة مثل حرب لبنان سنة 1982... لو لم يحدّثني هو وبعض الأصدقاء الحاضرين عن ذلك الدور، ما كنت لأكتشف وحدي الجانب العسكري الهام، بل الأساسي في حياة أبو أحمد، فقد كانت أريحيّته في النقاشات وفي المعاملات اليوميّة وما تشي به من ثقافة واسعة واطّلاع عن "خفايا الأمور" وصبر على الخلاف ورغبة جامحة في التجميع، تنمّ، وفقا لـ"لمقاييس المتداولة"، عن طباع رجل فكر وسياسة ، لا عن طباع قائد عسكري "حازم"، "متجهّم"، "صارم" ، "قطعي" الخ...ولكن كان من الواضح أنّ طباع أبو أحمد الشخصيّة لم تكن بمعزل عن طباع الفدائيّ الذي تعلّم الصبر من خلال التعامل اليومي مع الضغوط والتحديّات، كما أنّها لم تكن غريبة عن طباع المناضل الثوري، اليساري، المتواضع، الذي يبحث عن الإقناع، لا عن إشباع "الأنا" الزائفة. وفوق ذلك كلّه كان أبو أحمد "شهلول"، بالعامية التونسيّة، يحبّ الضحك والمزاح، يكره النكد والتزمّت الفارغ، وهي ميزة من ميزانات الذين ناضلوا وكابدوا وعرّضوا حياتهم مرّات ومرات للخطر ممّا يجعلهم أقدر على "تبسيط" الحياة وتنسيب مشاكلها لمواجهتها بروح انتصاريّة

بعد لقائنا الأوّل في المغرب، التقيت أبو أحمد عدّة مرّات في نفس البلد وفي تونس ولبنان وإسطنبول. كانت كلّها فرص لتعميق النقاشات حول وحدة الصفّ الوطني الفلسطيني على أسس ثابتة ومتينة، وحول دور اليسار الفلسطيني وتحديدا الجبهة الشعبيّة في ذلك، وحول واقع اليسار في الوطن العربي والعالم...فلئن كان الرجل يدرك عميق الإدراك أزمة الحركة اليسارية العربيّة والعالمية، وخاصّة فصيلها الماركسي ال لينين ي، فإنّه كان شديد الاقتناع بالطابع الظرفي لهذه الأزمة وكان يواجه ادعاءات القوى الرجعية بأنّ اليسار انتهى ولم يعد له مكان منذ انهيار التجارب الاشتراكية للقرن العشرين وعلى رأسها التجربة السوفياتيّة، بسخرية لاذعة...فمروّجو هذه الادعاءات لا يفهمون شيئا من جدليّة التاريخ...من سيره إلى الأمام رغم ما يشهده من مدّ وجزر، من تقلّبات وتغيّرات قد توحي إلى البورجوازية العالمية وأذنابها من صهاينة ومن قوى رجعيّة محلية بأنّهم "المنتصر والقائم الأزليّ" وبأنّ الطبقة العاملة والشعوب المضطهدة هما "المهزوم الأبدي"...ولكن ذلك ليس إلّا وهما فلو دامت لأنظمة الطغيان الاستعباديّة السابقة لما وصلت إلى الوحوش الحاليّين، الامبرياليين والصهاينة والرجعيين بمختلف ألوانهم. ويبقى من أوكد مهام الحركة الواعية للطبقة العاملة والشعوب أن تقوم بدورها في مواجهة أولئك الوحوش الذين كلّما تفاقمت أزمتهم إلّا وازدادوا عربدة ودمويّة للحفاظ على مصالحهم وهيمنتهم...ولا يمكن لتلك الحركة أن تقوم بدورها إلّا إذا تسلّحت بالوعي والتنظيم والتصميم وواجهت "الإرهاب بالإرهاب" (لا عدل إلّا إذا تعادلت القوى::وتصادم الإرهاب بالإرهاب، حسب قول شاعر تونس أبو القاسم الشابي). هذه النظرة التاريخيّة العميقة التي تسكن الثوار الحقيقيّين هي التي كانت تغذّي تفاؤل فقيدنا العزيز، أبو أحمد فؤاد، وترسّخ يقينه بأنّ فلسطين ستنتصر وتتحرّر من النهر إلى البحر شاء غلاة الامبريالية والاستعمار أم أبوا، وبأنّ الرأسمالية إلى زوال مهما تجبّرت ومهما طغت ومهما ارتكبت من حروب إبادة، لأنّ المستقبل للتقدم والحرية والمساواة والعدالة.

لا مستقبل ولا بقاء إلّا لمن آمن بهذا القانون التاريخي. الحركة قانون دائم، مطلق، حتّى لو تباطأت في بعض المنعرجات وأعطت الانطباع بأنّها توقّفت والاستقرار حالة مؤقّتة وسطحيّة لا غير حتّى لو بدا طاغيا ومهيمنا. إنّ همجية الرأسمالي-الامبريالي والصهيوني والرجعي هي عنوان انهيار لا عنوان صعود وقّوة، حتى لو بدت كذلك في لحظة من اللحظات التي تكون فيها حركة العمّال والشعوب ضعيفة. ومن هنا يأتي دور طلائع الإنسانيّة، طلائع الطبقة العاملة والشعوب...وفي هذا السياق تأتي الحاجة إلى الكادر المتشبّع بالمعرفة الثوريّة مرشدا للعمل، للحركة والتغيير. الكادر المقتنع عقلا وروحا بألّا تغيير دون وعي وتنظيم ونشاط وبأنّ الحاجة إلى هذا الثالوث تزداد أهمية في مثل ظروف التراجع الحاليّة التي تنتعش فيها كلّ ضروب الانتهازية التي تستند إلى النفعيّة (البراغماتيّة) غطاء لأشنع أشكال الخنوع والخيانة والمذلّة فليس من الغريب أن نسمع بعد رحيل العزيز علينا أبو أحمد فؤاد: “فقدناه...ترك فراغا" ولسان الحال يقول: “من سيعوّضه؟" وهو ما يعكس حقيقة تتمثّل في قلّة المناضلات/المناضلين الجيّدين الذين يجعلون من القضيّة عقيدة ومن نكران الذات طريقة في الحياة ومن التضحية سبيلا لتحقيق الكرامة. وهذه المسألة تعيد إلى الواجهة معركة الوعي وتكسبها أهميّة قصوى. فمن أجل أن يكون لنا أمثال أبو أحمد فؤاد علينا أن نخوض هذه المعركة بجرأة وشجاعة كبيرتين بل بإرادة فولاذيّة حتّى تنتشر الأفكار الثوريّة في صفوف العمال والشعوب المضطهدة ومن بينها شعوبنا وفي مقدّمتها الشعب الفلسطيني العنيد، ومن ثمّة تتحوّل تلك الأفكار إلى قوّة ماديّة تفتح الطريق لهزم الوحش الامبريالي الصهيوني الرجعي بزعامة العصابة الفاشية الترامبيّة، المستعدّة اليوم للمقامرة بمصير البشرية والطبيعة معًا من أجل الحفاظ على مصالحه الأنانيّة.

إن التثقيف الثوري المرتبط بالممارسة العمليّة أمر فوق ضروري اليوم لخلق أجيال من المناضلات/المناضلين القادرين على منازلة ذلك الوحش. وإن لم تتولّ القوى الثوريّة وفي مقدمتها الماركسيون اللينينيّون، هذه المهمّة فلن يقوم بها أحد وسيصيب هذه القوى التهرّم والانحلال ويفتح الباب لانتشار كافة أنواع الأفكار والأيديلوجيات الرجعيّة والانتهازيّة التي تسهم في تأبيد وحشيّة النظام الرّأسمالي الذي لم يعد له ما يقدّم للإنسانيّة عدا الدمار والموت وسيظلّ الأمر كذلك إلى أن توفّر هذه الإنسانيّة كافة الوسائل التي تمكّنها من قبر هذا النظام وكلّما أسرعت بذلك،كلّما جنّبت نفسها مزيدا من الآلام والمتاعب بل جنّبت نفسها فرضيّة تدمير هذا الكون وهي فرضيّة ينبغي أن تؤخذ بجدّ في هذه الأوقات الصعبة التي ينتصب فيها على رأس العام "بلطجيّ"، فاشي وعنصري وعدواني، مستعدّ لارتكاب أبشع الجرائم لحماية مصالح العصابة التي يقودها. وما من شكّ في أنّ المهمة التي تواجهها القوى الثورية على درجة كبيرة من الصعوبة والتعقيد، خاصة في منطقتنا، لكن منذ متى عجز الثوريّن عن تحدّي الصعاب؟ ألم يوجدوا أصلا من أجل هذه المهمّة، من أجل تحقيق ما يبدو في لحظة ما مستحيلا بحكم موازين القوى؟ إنّ أبو أحمد فؤاد، القائد الفلسطسني العظيم، لم ينزل من السماء ولا هو بطل معزول وخارق، ولكنّه انبثق من معاناة الشعب الفلسطيني وعذاباته وعرف هو ورفاقه في الكفاح كيف يلتقطون تلك المعاناة والعذابات ويعبّرون عنها بإخلاص وبعبّدون الطريق الطويل والعسير للخروج منها. وهذه الفرصة التي أتيحت لأبو أحمد ورفاقه متاحة لكل توّاق إلى الحرية والعدالة والكرامة في أي بقعة من بقاع الأرض.

فلنمض إلى الأمام وفاء لعزيزنا أبو أحمد فؤاد ولكل من سبقوه ممّن وضعوا لبنة مساهمةً منهم في تعبيد الطريق نحو تحرير فلسطين وتحرير كافة شعوبنا وشعوب العالم وهم يطمحون إلى بناء حضارة إنسانية جديدة على أنقاض النظام الرأسمالي المتوحّش، حضارة ينتفي فيها استغلال الإنسان للإنسان ويعيش فيها البشر إخوة دون تمييز بأي عنوان كان

غادرتنا جسدا يا أبوأحمد، يا شقيق جورج حبش ووديع حدّاد وماهر اليماني وبقيت بيننا فكرا وأخلاقا وموقفا وممارسة...لا ولن نخذلك...لسنا أهلا لحليب أمّهاتنا إذا هادنّا أو تراجعنا أو خنّا الأمانة.

ثوّارا كنّا وثوّارا لا زلنا وثوّارا ستبقى إلى أبد الآبدين