حتى كتابة هذه السطور، تواصل الولايات المتحدة الامريكية نقل عتادها العسكري البحري والجوي إلى منطقة الخليج العربي والقواعد العسكرية في بعض البلدان العربية، في توجه محموم لشن الحرب على إيران، بتحريض مستمر وتنسيق مع الكيان الصهيوني لم يخفه قائد القوات المركزية الامريكية، فقد أصبح اللعب على المكشوف بعد فشل حملة إسقاط النظام من الداخل التي أستخدمت فيها وسائل المخابرات الامريكية المعروفة في مختلف دول العالم ومنها ما يذكر بالإطاحة برئيس الوزراء الأسبق محمد مصدق في العام 1953، وإعادة شاه إيران للسلطة ليواصل دوره المرسوم له في الدوائر الغربية شرطيا على الخليج.
جاء تزاحم القطع البحرية في مياه الخليج العربي والمياه القريبة منه بالتوازي مع تهديدات واشنطن لشن عدوان جديد بعد شهور من عدوان يونيو/حزيران، لم تتمكن خلاله طهران من ترميم كل ما دمره العدوان الأول، سواء من ناحية إعادة بناء المفاعلات النووية، وخصوصا مفاعل "نطنز"، أو معالجة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية التي تعصر المواطن الإيراني وتدهور حياته المعيشية في مختلف المحافظات بفعل الحصار الذي دام قرابة نصف قرن. تل أبيب وواشنطن تجدان في التوقيت فرصة كبرى لتحقيق مكاسب على الأرض على حساب طهران المثخنة بجراح الحصار الغائرة، حتى فقدت العملة الوطنية (الريال) أكثر من 40 بالمئة من قيمة سعر صرفها منذ عدوان يونيو 2025 وحتى الان، فضلا عن الحصار الخانق على تصدير النفط والغاز بحجة منع إيران من الوصول لصناعة القنبلة النووية. هذا الحصار قاد لزيادة التضخم وارتفاع الأسعار، وتسبب في اندلاع احتجاجات شعبية بدأت عفوية وردة فعل على الغلاء وتدهور الطبقة الوسطى ما جعلها تتوسع شعبيا، لكن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني استثمرتا الوضع المرتبك داخليا وحركت الطابور الخامس ومارستا ضغوطا أكبر على القيادة الايرانية وهددتها بالتدخل العسكري وبتصفية رؤوس النظام بمن فيهم المرشد الأعلى السيد علي خامنئي لقصم ظهره وإنهاكه أكثر، فتم إحراق الكثير من المؤسسات الحكومية ومواقع العبادة لتوتير الأجواء واشعال فتيل الانقسام الداخلي واشعال حرب أهلية تضعف النظام داخليا وتشغله عن دوره الإقليمي، خصوصا تجاه فلسطين ومحور المقاومة.
بالنسبة للإدارة الامريكية والكيان الصهيوني، فأن آخر همهما الوضع المعيشي للإيرانيين وحقوقهم الأصيلة في حياة حرة كريمة، فما يجري في أمريكا هذه الأيام ضد المهاجرين والمواطنين الأصليين يكذبون هذا الادعاء (الترامبي)، وما يتعرض له الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية من حرب إبادة وتطهير عرقي يؤكد طبيعة الكيان التطهيرية وأنه نظام فصل عنصري بامتياز. بيد أن الهدف الأساسي من كل هذا الحصار تركيع إيران وتحويلها إلى دولة تابعة تدور في فلك الولايات المتحدة والدول الغربية. يمكن لواشنطن التغاضي عن سعي طهران لتنفيذ برنامجها النووي السلمي إذا غيرت موقفها من الكيان الصهيوني وعبدت الطريق للتطبيع معه. لكن هذا يمس صلب العقيدة الإيرانية التي ترى في الكيان عدوا لا يمكن التعايش معه، إذ ترجمت هذا المبدأ منذ اليوم الأول لانتصار الثورة عام 1979، عندما أغلقت السفارة الصهيونية في طهران وطردت البعثة الديبلوماسية وقطعت العلاقات وسلمت مبنى السفارة لمنظمة التحرير الفلسطينية، كما اعتبرت أمريكا هي "الشيطان الأكبر" عدوا للشعوب الحرة ومدمنة الهيمنة على العالم. ولم تكن الحرب العراقية الإيرانية قرارا خالصا صادرا عن النظام العراقي السابق، بل كانت أصابع الولايات المتحدة والدول الغربية حاضرة وتعبث في تفاصيل إشعال الحرب واستمرارها ثمان سنوات عجاف دمرت الاقتصادين العراقي والإيراني معا وراح ضحيتها مئات الآلاف من الطرفين. وعندما جاء اجتياح الجيش العراقي للكويت في صيف 1990، كانت المعلومات تفيد بدور امريكي لعبته سفيرة واشنطن في بغداد، جلاسبي، إذ قامت بخديعة كبرى لرأس النظام العراقي ليتجاوز "الخطوط الحمر" ولتجد الولايات المتحدة ذريعة للإطباق على منطقة الخليج العربي عبر ارسال مئات آلاف الجنود والعتاد وإقامة المزيد من القواعد العسكرية وتعزيز وجودها العسكرية والأمني في المنطقة لتضمن السيطرة على منابع النفط والتحكم في سلاسل إمداده للدول الغربية وبقية دول العالم.
لم تعش إيران حالة استقرار منذ بداية الثورة، أللهم إلا بعض الوقت إثر توقيع الاتفاق النووي مع مجموعة خمسة زائد واحد، وحين انقلبت إدارة ترامب على الاتفاق والغته عاد التوتر من جديد وسارت الدول الغربية المشاركة في الاتفاق في دبر القرار الأمريكي رغم تسويفاتها واطلاق مسؤوليها التصريحات المُطمئنة من الظاهر فيما هي تضرب جوهر الاتفاق حتى وأن كان ذلك على حساب اقتصاداتها ومصداقيتها، فدخلت إيران في أتون ما بعد الغاء الاتفاق وعاد الحصار أكثر قسوة على اقتصادها وعلى شعبها الذي يدفع الثمن غاليا من جراء منع تصدير النفط وعدم السماح لإيران من استيراد وتصدير السلع الضرورية لحياة معيشية كريمة كما تفعل كل دول العالم، وكأن الأمر هو معاقبة الشعب وعدم الاقتصار على معاقبة النظام، وهو حصار غير عادل ولا يستند لأي قانون دولي يدعمه، بل هو رغبة الإدارات الامريكية المتعاقبة ومن ورائها الحكومات الغربية التي تأكد أنها دول هشة وتابعة حتى في المفاصل المتعلقة بمصالح القارة الأوروبية واقتصاداتها وحتى أراضيها، فقضية جزيرة غرينلاند الدانماركية التي يريد ترامب التهامها لا تزال شاخصة وتتداعى فصولها وسط دهشة الأوروبيين من التصرف الأمريكي، لكنها دول تقف مكتوفة الأيدي دون فعل مؤثر.
اقتصاد منهك
في ظل هذه الحصارات المتعددة الأوجه، يعاني الاقتصاد الإيراني من إنهاك كبير. فدولة بحجم إيران التي تعتبر ثاني أكبر دول الشرق الأوسط من حيث عدد السكان بعد مصر، ويبلغ أكثر من 90 مليون نسمة، وثاني أكبر دول المنطقة ساحة بعد السعودية بمساحة تبلغ 1.65كم²، وتتميز بموقع جيوسياسي تشكل نقطة التقاء لثلاث مجالات آسيوية (غرب آسيا ووسطها وجنوبها)، وتأتي إيران في المرتبة الرابعة في العالم من حيث حجم الاحتياطي من النفط والغاز، وكانت تعد ثاني أكبر مصدر للنفط في العالم، لكن الحصار الخانق أفقدها هذا الترتيب للدرجة التي اضطرت لإنفاق مليارات الدولارات على شراء الوقود خصوصا في الالفية الثالثة، رغم ان متوسط إنتاج النفط اليومي يصل إلى أربعة ملايين برميل يوميا، بل أنها وفي ذروة القرار الجريء الذي اتخذه المرحوم الملك فيصل بن عبدالعزيز بوقف تصدير النفط للدول الغربية في اعقاب حرب أكتوبر 1973 انتجت إيران الشاه ستة ملايين برميل في اليوم عام 1974 لضرب القرار العربي الشجاع. إن دولة بهذا الحجم تتمتع بثروات طبيعية هائلة ومياه واراضي خصبة، ينبغي أن يكون ناتجها المحلي أكبر بكثير مما هو عليه في الوقت الراهن والمتراجع إلى أقل من 400 مليار دولار.
تعاني إيران من تراجع مضطرد في مستوى المعيشة وترتفع فيها نسب البطالة الى مستويات خطيرة، يزيد طينها بلة تصاعد مستويات التضخم وتآكل قيمة العملة الوطنية وحرمان إيران من نظام (سويفت) الذي يسيطر على التعاملات المالية في العالم وتقوده الولايات المتحدة الامريكية. كل ذلك لأن إيران اتخذت مواقف عكس التيار السائد في المنطقة واعتبرت الكيان الصهيوني عدوا وقدمت المساعدات للشعب الفلسطيني وفصائله المقاتلة. بل أن واشنطن لعبت على الخلافات بين إيران وبين دول مجلس التعاون الخليجي وغدتها حتى بلغت مديات حد القطيعة، رغم أن ضفتي الخليج بحاجة لبعضهما، حيث تعتبر إيران عمقا استراتيجيا تفرضه جغرافية الجوار ويؤكده التاريخ سواء في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، أو في الجوانب الثقافية والدينية. فلو كانت العلاقات بين الجانبين طبيعية فأن حجم التبادل التجاري سيكون اضعاف ما هو عليه الآن وهو لا يمكن قياسه بدقة راهنا، ذلك أن إيران ذات التسعين مليون نسمة وأكثر يمكن أن تكون سوقا للكثير من المنتجات الخليجية، والأمر نفسه بالنسبة لدول المجلس التي يقترب عدد سكانها من الستين مليون نسمة بمن فيهم العمالة الوافدة التي تشكل أغلبية في أربع دول خليجية. لعبت الإدارات الامريكية المتعاقبة والدول الغربية على مبدأ "فرق تسد الشهير" فضربت إسفين. يؤكد هذا القول وزير الدفاع الفرنسي الأسبق جان بيير شيفنمان بقوله: "في كل مرة أراد نظام عربي أو مسلم الانفتاح على الحداثة، كان "الغرب" نفسه يسد الطريق عليه أو يسحق شرايينه: فبالأمس كان ذلك مع محمد علي باشا وخديوية مصر، والسلاطين المجددين وبعد ذلك مع جمال عبد الناصر، ولن أنسى بالطبع الدكتور مصدق في إيران". هكذا يريدنا الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الامريكية، دول بمهمات وظيفية تابعة.
معركة كسر عظم
بالنسبة لإيران، تعتبر التهديد الراهن والتحشيدات العسكرية الامريكية، بأنها مسألة وجودية. هذا يفسر تصريحات مسؤوليها بأن الرد لن يقتصر على مواجهة صواريخ الطائرات التي لا تمتلك طهران وسائل متطورة لصدها، بل تمتد لقواعد أمريكا العسكرية في دول مجلس التعاون الخليجي وفي مياهها الاقليمية، حتى ذهب المسؤولون الإيرانيون بعيدا في تحذيراتهم كما هو الحال مع المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيراني إسماعيل بقائي، الذي أكد على "إننا نواجه، وما زلنا، حرباً مُركّبة، فبعد الاعتداء الذي وقع في يونيو، واجهنا خلال الأشهر الماضية تهديدات جديدة من أميركا وإسرائيل، ودول المنطقة تدرك أن أي زعزعة للأمن الإقليمي لا تستهدف إيران وحدها". مثل هذه التحذيرات فهمها أغلب مسؤولي دول المجلس فأعلنوا أنهم يرفضون استخدام أجواء واراضي بلدانهم منطلقا لأي "أعمال عدائية" ضد إيران. وهذا يعني أن منطقة الخليج تعيش على صفيح ساخن وكأن قدرها ألا تستقر وألا تتفرغ للتنمية المستدامة، انما جعلها منطقة تجارب للأسلحة الجديدة، ومستودعا لصفقات السلاح الفلكية التي تنتجها المصانع الامريكية والغربية.
وبالنسبة للولايات المتحدة والكيان الصهيوني والمتحالفين معهما فهم يرونها فرصة ذهبية سانحة لتنفيذ المخططات الكبرى التي عجزوا عنها والمتمثلة في تشييد الشرق الأوسط الجديد الذي يبنى على دماء الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين واليمنيين والعراقيين وكل من يرفض الهيمنة الامريكية التي تمتد من مناطق تصدير النفط للتحكم في إمداداتها للصين والهند ودول جنوب شرق آسيا، وصولا لدول أمريكا اللاتينية التي جسدت فيها إدارة الرئيس ترامب عقلية العصابات في فنزويلا فاختطفت رئيسها الشرعي مادورو وتهدد كولومبيا بذات المصير وتواصل حصار كوبا منذ عشرات السنين وتهددها بتغيير أنظمتها السياسية بناء على ما تتطلبه المصالح الامريكية.
إذن، هي حرب كسر عظم ستستخدم فيها أنواع الأسلحة الجديدة والقديمة وتلك المحرمة دوليا وستتوجع إيران كثيرا من هذه الحرب بتدمير بناها التحتية وقتل الكثير من أبنائها وتحطيم الاقتصاد الوطني وتهييج الشارع. لكن ذلك لن يكون بلا رد إيراني، ربما يكون حجمه وطبيعته غير واضحتين حتى الآن، وملامحه بانت في تصريحات كبار مسؤولي طهران الذين أكدوا جميعا أنه سيكون ردا يشمل المنطقة وأولها الكيان الصهيوني. إن عدم استقرار إضافي مقبل على منطقة الخليج إذا أقدمت واشنطن وتل أبيب على إطلاق الرصاصة الأولى في الحرب على إيران. حينها تشتعل المنطقة العربية وستأتي نيران الحرب على الأخضر واليابس. فالإدارة الامريكية تبحث عن صفقات ضخمة تطفي جزء من الدين الفيدرالي الذي يقترب من 40 تريليون دولار، وليس هناك أكثر غنا من دول مجلس التعاون التي تمكن ترامب بلعبة بهلوانية من تأمين نحو 4 تريليونات في أيام قليلة، وهو مطالب من شركات السلاح بالضغط لعقد صفقات جديدة كما مطالب من شركات التكنولوجيا من القيام بذات الفعل، وسيفعل ذلك إن سنحت له الفرصة دون ان يرف له جفن.

