Menu

شهداء الروح الأكاديمية في حرب الإبادة

د. ثائر يوسف عودة

نشر في مجلة الهدف العدد (79) (1553)

في حرب الإبادة الصهيونية الأخيرة على قطاع غزة، طال الاستهداف عقولاً نيّرة وأقلاماً حرة، من أساتذة جامعيين، وأكاديميين، ومفكرين، فكان استشهاد هؤلاء خسارة شخصية لذويهم، وخسارة مؤسسية لجامعاتهم ومراكزهم العلمية والبحثية على حدّ سواء، وفاجعة وطنية وثقافية تنزف منها الذاكرة الجماعية الفلسطينية، بالإضافة إلى استهداف البنى التحتية والمباني والأحلام، وحتى الكلمات وكلّ أشكال التعبير.

ومنذ السابع من أكتوبر، ارتكب الاحتلال الصهيوني عدواناً شاملاً على الحقل الأكاديمي الفلسطيني، ويشير تقرير الحملة الأكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال حول التدمير والقتل تجاه الحقل الأكاديمي الفلسطيني إلى ارتفاع عدد الشهداء الأكاديميين من باحثين ورؤساء جامعات ومحاضرين وعلماء إلى أكثر من (120) شهيداً وشهيدة. وضمن حرب الإبادة الممنهجة هذه على الثقافة الفلسطينية والمؤسسات الثقافية استهدف الاحتلال مقرات الجامعات الفلسطينية إذ تضررت (19) جامعة وكلية في كافة مناطق قطاع غزة بشكل جزئي وكامل، واستُهدفت الجامعات بشكل مباشر ودُمّرَ الكثير من مرافقها من قاعات الدروس والمكتبات والمختبرات خاصة في الجامعات الكبرى مثل: جامعة الأزهر والجامعة الإسلامية وجامعة الأقصى وجامعة القدس المفتوحة. ودُمّرَت تدميراً كاملاً عشرات المباني لهذه الجامعات (أكثر من 80% منها)، ومنها مبانٍ حديثة جداً مزوّدة بأحدث التجهيزات والأنظمة التكنولوجية والإلكترونية، وتعذَّر على أكثر من (550) طالباً وطالبة الالتحاق بالمنح الدراسية في الخارج.

وهنالك أسباب عديدة تقف وراء استهداف قوات الاحتلال الصهيوني للحقل الأكاديمي الفلسطيني بشكل مقصود وممنهج، منها: تعطيل وإيقاف عملية إنتاج المعرفة الضرورية للتنمية المستدامة والتطوير، وتعطيل وإيقاف عملية إعادة إعمار قطاع غزة، حيث تناط عمليات إعادة الإعمار عادة بالباحثين والخبراء في الجامعات، بالإضافة إلى توسيع دائرة التهجير القسري للخبراء والباحثين من أجل تسهيل استقبال الدول الغربية لهؤلاء كمهاجرين خبراء تستفيد منهم تلك الدول؛ وبالتالي القضاء على نظرية التعلم كأداة للتحرر وإيقاف الجهود الوطنية الرامية إلى تطوير التعليم الأساسي والعالي في سبيل الوصول إلى كيانية مستقلة.

وفي محاولة التقصي عن بعض الأكاديميين الذين استُشهدوا على يد المجرم الصهيوني، قد يكون من الصعب الإحاطة بكل هؤلاء المنارات/ الخسارات في صفحات قليلة، إلا أنّ ما نقوم به هنا هو إعلان دعوة للأفراد والمؤسسات للحديث عنهم وتوثيق تداعيات فقدهم؛ كيلا يكونوا مجرد أرقام؛ فغزة بشهدائها، على اختلاف مواقعهم، ليست مجرد أرقام، وفي حكاية كلّ شهيد حكاية شعب وقصة مقاومة لا تموت ولن تتحول إلى إحصاء وذكرى.

منذ أن بدأت حرب الإبادة، تحوّلت غزة إلى ساحة رماد، لكن تحت الركام، بقيت الأفكار تردّد أصداءها، لتخبر العالم أن الاحتلال يقتل الإنسان الفلسطيني ويستهدف سرديّته وفكره وهويته الثقافية. وقبل أن نبدأ في سرد بعض الأسماء والرموز الأكاديمية، لا بد من التوقف عند تساؤل جوهري: لماذا يُقتل العلماء والأكاديميون؟ لماذا يُستهدف الكُتّاب والمفكرون والأدباء في كلّ حرب على غزة؟ ويمكن الإقرار بكل ثبات لأنهم حَمَلة الذاكرة والرواية، ولأن الاحتلال يعرف أن البندقية قد تسكت، لكن القصيدة تبقى. والصورة، والمقالة، والقصة، والبحث العلمي أخطر من قذيفة حين تُحفظ في ضمير العالم؛ لذلك، فإن قتل القلم الفلسطيني هو محاولة ممنهجة لاغتيال المستقبل، وقتل الفكرة قبل أن تولد؛ وبالتالي استهدف الاحتلال قادة المؤسسات العلمية الذين لم يكونوا مجرد إداريين وموظفين، وسنحاول أن نتوقف هنا عند أبرز هؤلاء القادة، على سبيل التمثيل لا الحصر:

 

 د. سفيان تايه:

رئيس الجامعة الإسلامية، يحمل درجة الأستاذية في تخصص الفيزياء النظرية والرياضيات التطبيقية، شارك في تطوير بيئة التعليم العالي في غزة، ودافع عن استقلالية الفكر الأكاديمي رغم الحصار والحروب المتكررة، وحاصل على جائزة عبد الحميد شومان للعلماء العرب الشبان والعديد من الجوائز العلمية الأخرى، وله إسهامات كبيرة في مجال الدراسات والأبحاث العلمية التي يتم نشرها سنوياً في مجلات علمية مرموقة. عُيّن خلال العام 2023 حاملاً لكرسي اليونسكو لعلوم الفيزياء الفلكية وعلوم الفضاء في فلسطين. اُستشهد د.سفيان (52) عاماً، هو وعائلته في مجزرة (الفالوجا) في جباليا في ديسمبر/ كانون الأول 2023، بعد أن اُستهدف مسكنه بضربة جوية مباشرة من الصهاينة.

 

د. سعيد الزبدة:

رئيس الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية في غزة، وُلد في حي الزيتون ودرس هندسة الاتصالات، ثم حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في هندسة الاتصالات الإلكترونية وهندسة الحاسوب من جامعة نوتنجهام بالمملكة المتحدة. عُيّن عقب تخرجه بالكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، وتدرّج في المناصب بالكلية فتولى إدارة البرامج التنموية، ثم عُيّن رئيساً لحاضنة (يوكاس) التكنولوجية، قبل أن يُعلن مجلس أمناء الكلية تعيينه رئيساً جديداً للكلية الجامعية للعلوم التطبيقية. في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2023 شنت القوات الصهيونية هجوماً جوياً على حي الزيتون وقصفت خلال الهجوم عدداً من المباني والمنازل، وكان من بينها منزل د. سعيد الذي قُتل مع عدد من أفراد أسرته.

 

 د. جهاد سليمان المصري

مؤرخ فلسطيني ولد في رفح، حاصل على بكالوريوس التاريخ من جامعة اليرموك في الأردن عام 1987، وعلى درجة الماجستير والدكتوراه في تخصص التاريخ الإسلامي من جامعة آل البيت عام 1999. عمل مديراً في مركز التاريخ الشفوي بجامعة القدس المفتوحة في خان يونس والمساعد الأكاديمي والإداري لمدير جامعة القدس المفتوحة في رفح من عام 2003 حتى عام 2022، ثم نال منصب مدير الجامعة فرع خانيونس حتى استشهاده. ويُعدّ المصري مؤرخاً وأستاذاً جامعياً كان له أثر في الكثير من الأجيال، وله العديد من الأبحاث في التاريخ الإسلامي والشفوي الفلسطيني في مجلات عربية ودولية. استشهد د. جهاد (60) عاماً، في أكتوبر 2023، متأثراً بإصابته خلال قصف جوي للاحتلال الصهيوني على مدينة خانيونس ليلتحق بزوجته وابنته وحفيده.

 

د. تيسير إبراهيم

عميد كلية الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية منذ عام 2021 حتى تاريخ استشهاده 2023، وهو أحد أبرز الباحثين في الفقه والسياسة الشرعية، أسهم في تأهيل جيل واعٍ ومقاوم بالفكر، وكان من الركائز العلمية في الجامعة، نال درجة البكالوريوس في الشريعة الإسلامية من الجامعة الإسلامية في غزة عام 1995، ودرجة الماجستير في الفقه وأصوله من الجامعة نفسها، ودرجة الدكتوراه في الفقه وأصوله من الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا عام 2012، كما حصل على دبلوم التربية العام من الجامعة الإسلامية في غزة ودبلوم التربية الخاص من جامعة الأقصى. ونشر العديد من الأبحاث المحكمة، وقدم العديد من الأوراق العلمية في مؤتمرات علمية، بالإضافة إلى الإشراف على الرسائل الجامعية والمشاركة في الندوات العلمية، والمحاضرات واللقاءات المصورة التي تتناول الأحكام الشرعية في المسائل الفقهية المختلفة. استُشهد د. تيسير مع عدد من أفراد أسرته في غارة جوية صهيونية في أكتوبر/ تشرين الأول 2023

.

 د. محمود خليل أبو دف:

عميد كلية التربية في الجامعة الإسلامية، وأستاذ دكتور في أصول التربية، شغل منصب رئيس هيئة تحرير مجلة الجامعة للدراسات التربوية والنفسية، وصدر له العديد من المؤلفات الأكاديمية والأبحاث في المجال التربوي والنفسي منها: مقدمة في التربية الإسلامية. وأسهم في تأسيس فلسفة تربوية غزية متكاملة. قام طيران الاحتـلال الصهيوني بقصف منزله في حي الزيتون في مدينة غزة دون سابق إنذار أو تحذير، ما أدى إلى استشهاده في الأول من ديسمبر/ كانون الأول 2023

.

 د. ختام يوسف الوصيفي:

عالمة فيزياء وباحثة، عملت أستاذاً لفيزياء الإلكترونيَّات البصريَّة في الجامعة الإسلامية بغزة، ونائباً لعميد كليَّة العلوم في الجامعة نفسها، وتُشير لها بعض المصادر بلقب «شيخة علماء الفيزياء»، كانت تمثّل روح البحث العلمي والتعليم في غزة، وكان لها دور محوري في تعليم آلاف الطلبة رغم الفقر والدمار. قصف طيران الإجرام الصهيوني منزل زوجها د. محمود أبو دف في حي الزيتون في مدينة غزة ما أدى إلى استشهاده واستشهادها في ديسمبر 2023.

 

د. إبراهيم الأسطل

باحث وأُستاذ في مناهج وطرائق تدريس الرياضيات، تدرج بالمناصب في كلية التربية التابعة للجامعة الإسلاميَّة في غزة، فكان رئيساً لقسم المناهج وطرق التدريس، ثم نائباً للعميد، ثم عميداً لفرع الجنوب، وأخيراً عميداً للكلية منذ سبتمبر 2019. وشغل منصب رئيس تحرير «مجلة الجامعة الإسلامية للدراسات التربوية والنفسية»، كما نشر عدداً من الأبحاث باللغتين العربية والإنجليزية في مجلاتٍ محلية وعالمية. اغتيل هو وزوجته وبناته وعدد من أقاربه في أكتوبر/ تشرين الأول 2023 خلال ضربةٍ جوية نفذتها قوات الإجرام الصهيونية.

 

 د. محمد شبير:

عالم أحياء دقيقة وسياسي فلسطيني، حاصل على درجة الدكتوراه في علم الأحياء الدقيقة من جامعة (وست فرجينيا) الأمريكية، عمل مُحاضراً بالجامعة الإسلاميَّة وتَدَرَّج في مناصبه فيها حتى عُيّن في منصب أستاذ مساعد ومشارك في كليَّة العلوم/ قسم التحاليل الطبية بالجامعة، ثمَّ رئيساً لقسم التحاليل الطبية وبعدها عميداً لكلية العلوم حتَّى تولَّى منصب رئاسة الجامعة في العام 1993. كان طبيباً ومفكراً بالإضافة إلى كونه من القامات الوطنية التي أسهمت في ترسيخ التعليم الجامعي في فلسطين، وقد أنجز خلال فترة رئاسته للجامعة أكثر من (15) بحثاً في مجال التَّحاليل الطبيَّة. ويُعدّ من أبرز الشخصيات الأكاديمية في فلسطين. نجا من محاولات الاغتيال الصهيوني في سنوات سابقة، لكنه استُشهد في حرب الإبادة الأخيرة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023 بضربة جوية على منزله في غزة.

 

 د. أسامة نوفل:

مدير عام السياسات الاقتصادية والتخطيط في وزارة الاقتصاد، كان من أبرز الاقتصاديين في غزة، ركّزت أبحاثه على آثار الحصار والسياسات الاقتصادية للمقاومة، يُعدّ رحيله خسارة للوعي الاقتصادي الفلسطيني. استُشهد د. أسامة بمجزرة مواصي خانيونس التي استهدفتها الطائرات الصهيونية.

 

 غيض من فيض:

إنّ فقدان كلّ اسم من تلك الأسماء الزاهرة لا يمثّل غياباً فردياً بقدر ما هو انهيار جزئي لمنظومة كاملة من الثقافة والمعرفة كانت تبني فلسطين الحلم وسط العتمة، ومعظم هؤلاء الشهداء درّسوا آلاف الطلبة، وأشرفوا على رسائل جامعية وأبحاث علمية، وكتبوا في المجلات الثقافية، وكانوا شهوداً على حروب متتالية حاولوا أن يكتبوا لها تأريخاً نزيهاً ومقاوماً. وفي مجتمع محاصر كغزة، يكون الأكاديمي والمثقف أكثر من مجرد أستاذ أو كاتب، إنه قائد رأي، ومرشد روحي، ومقاوم بالكلمة، وما استهدافهم إلا محاولة لإطفاء النور، وإسكات الصوت، وتعطيل الذاكرة. لكن ما لا يفهمه الاحتلال المجرم هو أن الكلمة، حين تُروى بالدم، تُزهر أكثر، وما كتبه هؤلاء المنارات سيظلّ في ذاكرة فلسطين، وسيبقى طلبتهم يحكون عنهم، وسيكتب جيل آخر عن جيل الأكاديميين الشهداء الذين لم تقتلهم الحرب بل خلّدهم التاريخ.