Menu

أميركا على حافة مغامرة جديدة: لحساب من تُخاض الحروب؟

جمال كنج

بوابة الهدف

 

الضغط الاقتصادي ليس سياسةً معزولة، بل مرحلة تمهيدية للحرب. عندما تفشل العقوبات في إخضاع الدول لإملاءات وكلاء دولة الكيان في واشنطن، تصبح الحرب الخيار الأخير. هذا ليس خللًا في النظام، بل هو النظام نفسه. لقد كرّرت الولايات المتحدة هذا النمط مرارًا، متجاهلة كل درس سابق، طالما أن مصلحة دولة الكيان هي البوصلة.

تحت عناوين مُضلِّلة مثل «مكافحة الإرهاب» و«نشر الديمقراطية»، شنّت واشنطن حروبًا بالوكالة في العراق وسوريا و ليبيا واليمن وإيران. لم يكن الهدف حماية أميركا ولا استقرار المنطقة، بل ضمان التفوق العسكري لدولة الكيان، وترسيخ الاحتلال، وإدامة نظام فصلٍ عنصريّ توسّعي. وكانت الحصيلة: إرهاب متضخم، دول مدمّرة، مجتمعات ممزقة، وفوضى دائمة صُمّمت بعناية.

هذه الحروب لم تكن نتيجة فشل، بل نجحت تمامًا في تحقيق الغاية التي أُطلقت من أجلها. لقد كانت حروبًا مُصمَّمة في واشنطن لصالح تل أبيب، سُوِّقت عبر إعلامٍ مُدار صهيونيًا، ودُفعت أثمانها من دماء الأميركيين وأموالهم. عبر خديعة «أسلحة الدمار الشامل»، جرى تحويل الجيش الأميركي إلى أداة تنفيذ للمشروع الصهيوني، وزُجّ بجنوده في مستنقعاتٍ صُمّمت منذ أكثر من عشرين عامًا، ولا تزال.

في عام 2002، وقف بنيامين نتنياهو أمام الكونغرس ليبيع كذبة القرن: غزو العراق سيُحدث «ارتدادات إيجابية هائلة». وكانت النتيجة كارثة تاريخية كلّفت الولايات المتحدة 3.9 تريليونات دولار وآلاف الأرواح. ومع ذلك، خرجت دولة الكيان الرابح الوحيد: دُمّر عدوها الإقليمي من دون أن تخسر جنديًا واحدًا أو دولارًا واحدًا. هذا ليس فشلًا استخباراتيًا، بل جريمة سياسية مكتملة الأركان.

واليوم يُعاد السيناريو نفسه مع إيران. الأساطيل الأميركية تُحشَد، والخطاب يُصعَّد، والإعلام يُعبَّأ. الهدف ليس منع أسلحة الدمار الشامل، بل إعادة إنتاج «أسلحة الدمار الشامل» لجرّ أميركا إلى حرب جديدة تخدم دولة الكيان وحدها. من العراق إلى إيران، الكذبة واحدة، والمال والدم الأميركي هو الوقود.

تمرير حربٍ أجنبية جديدة يتطلّب إسكات الأصوات المعارضة داخل الولايات المتحدة، خصوصًا في اليمين، حيث بدأ الرفض الشعبي للحروب الخارجية يتبلور. كل من يعترض يُشيطَن، يُهدَّد، أو يُسحَق سياسيًا. في منظومة «دولة الكيان أولًا»، لا مكان للاعتراض، ولا مساحة للنقاش.

 

إن استراتيجية أنصار «دولة الكيان أولًا» ليست تحالفًا، بل علاقة طفيلية كاملة: تتغذّى على القوة الأميركية، وتستنزفها لتدمير الخصوم، وتفكيك الدول، ونشر الفوضى. كلما احترقت المنطقة، تعاظمت قوة دولة الكيان، بينما تنزف أميركا اقتصاديًا وأخلاقيًا. وما دُفع في العراق ليس سوى عربونٍ أولي مقارنةً بالثمن الذي قد تفرضه حرب مع إيران.

جورج واشنطن، أول رئيس لأميركا حذّر في خطاب الوداع، قبل أكثر من قرنين من «الارتباطات غير الطبيعية» مع قوى أجنبية، ومن نفوذٍ خارجي يُضلّل الرأي العام ويُخضع القرار الوطني لإرادة غير وطنية. لو كُتب لخطاب الوداع أن يُلقى اليوم، لما وجد توصيفًا أدق من واقع الولاء لدولة الكيان واللوبي الصهيوني.

اليوم، لا تُصاغ السياسة الأميركية في البيت الأبيض وحده، بل في غرف تمويل الحملات الانتخابية. مليارديرات ولوبيات ضغط يفرضون الولاء بالمال والتهديد. الانتخابات التمهيدية تُشترى وتُباع، وانتقاد دولة الكيان يُجرَّم ويُصنَّف فورًا كمعاداةٍ للسامية أو خيانة وطنية. في هذا المناخ، تتحول الرؤية المستقلة إلى تهمة، وقول الحقيقة إلى جريمة.

أميركا تقترض مليارات سنويًا لتمنحها لدولة أجنبية، فيما تنهار أنظمة الصحة والتعليم والبنية التحتية في الداخل. خلال عامين فقط، تدفّق أكثر من 25 مليار دولار إلى دولة الكيان، بينما يُطلب من المواطن الأميركي شدّ الحزام وتحمّل التضخم والضرائب.

في عام 2025، ابتلعت فوائد الدين العام وحدها نحو خُمس الإيرادات الفدرالية. ومع ذلك، يستمر الاقتراض لا لبناء الاقتصاد، بل لتمويل حروب لا علاقة لها بالأمن القومي الأميركي. هذه ليست إدارة سيئة، بل انتحار سياسي واقتصادي بطيء.

الإمبراطوريات لا تسقط فجأة، بل تنهار عندما تبيع سيادتها، وتسمح للفساد بأن يجعلها أداةً في يد قوى أخرى. فلسطين كشفت هذا العطب الجوهري: دولة تدّعي احترام القانون الدولي بينما تعاقب من يطبّقه، وتتباهى بحقوق الإنسان بينما تمكّن الإبادة والتجويع، وتسمح لولاءاتٍ أجنبية بالهيمنة على قرارها الوطني.

 

على الولايات المتحدة أن تعود لقراءة خطاب الوداع لأول رئيس للبلد الناشئ، لان خلاص أميركا الأخلاقي لا يمرّ عبر مزيد من الحروب، بل عبر كسر هيمنة «دولة الكيان أولًا»، واستعادة القرار الوطني، ورفض الانجرار إلى حرب جديدة مفصّلة بالكامل على قياس دولة اجنبية - حرب سيدفع ثمنها الأميركيون وحدهم، بينما تجني دولة الاحتلال النتائج.