Menu

حين يلتقي الجرح الفلسطيني بالتجربة البولندية

عمر فارس

بوابة الهدف

ليست فلسطين عندي قضية سياسية فحسب، ولا خبرًا عابرًا في نشرات الأخبار، بل هي حالة وجودية تسكنني وتسير معي في تفاصيل حياتي اليومية. فلسطين تسكن الوعي، والذاكرة، والوجدان، وتفرض حضورها في التفكير والقلق والأسئلة التي لا تنتهي. وحين أعيش في بولندا، لا أشعر بالغربة الكاملة، لأنني أرى في تاريخ هذا البلد مرآة قاسية لجزء كبير من التجربة الفلسطينية.

بولندا بلد جُرّب فيه الاحتلال بكل أشكاله. بلد قُسِّم بين ثلاث قوى استعمارية، ومُسح من الخارطة السياسية الأوروبية لمدة مئة وثلاثة وعشرين عامًا. شعبٌ حُرم من دولته، من لغته في المدارس، ومن حقه في تقرير مصيره. هذه التجربة، بكل ما تحمله من قهر وحرمان تجعل البولندي العادي قادرًا – لو أراد – على فهم معنى أن تُسلب الأرض والهوية معًا، كما حدث ويحدث في فلسطين.

كانت بولندا أيضًا أول دولة اجتاحها هتلر، وعلى أرضها مورست أبشع الجرائم في التاريخ الحديث. فيها قُتل الملايين، ودُمّرت المدن، وأُقيمت معسكرات الاعتقال النازية الألمانية، التي أصبحت رمزًا عالميًا للوحشية المطلقة. هنا، في هذا المكان المثقل بالذاكرة، يصبح الحديث عن الظلم ليس ترفًا فكريًا، بل واجبًا أخلاقيًا.

وفي بولندا عاش كذلك ملايين اليهود الذين قدموا من مناطق القوقاز وروسيا وأوروبا الشرقية. بعضهم كان ضحية حقيقية للاضطهاد الأوروبي، لكن المأساة الكبرى أن جزءًا من هذا الألم استُخدم لاحقًا لتبرير ظلم جديد، حين تحوّل المشروع الصهيوني إلى حركة استعمارية استيطانية أُقيمت على حساب الشعب الفلسطيني، عبر الاقتلاع والتهجير والعنف المنظّم.

لقد لعبت الصهيونية الأوروبية، بما فيها الصهيونية البولندية، دورًا محوريًا في تأسيس دولة إسرائيل، دولة قامت على الأبارتهايد والفصل العنصري، وعلى إنكار وجود شعب كامل. ومن بولندا خرج قادة التنظيمات الصهيونية الإرهابية، مثل مناحيم بيغن، الذي تحوّل لاحقًا إلى “رجل دولة”، وكذلك والد بنيامين نتنياهو، في مفارقة تاريخية فادحة تُظهر كيف يُعاد تدوير العنف حين لا يُحاسَب.

أتذكر هنا شهادة مؤلمة رواها أستاذ يهودي لطلابه، وكان من بينهم فلسطينيون. تحدث عن والدته التي فرت من الإرهاب النازي، ووصلت مع عائلتها من بولندا إلى فلسطين عام 1948. قالت: “وصلنا ونحن لا نملك شيئًا، فوجدنا بقايا طعام في بيت فلسطيني أُجبر أهله على الرحيل بسبب هجمات العصابات الصهيونية”. ثم أضافت، ببرود صادم: “نمتُ على سرير المرأة الفلسطينية، وارتديتُ ثيابها، وكان البيت جاهزًا”.

هذه الشهادة تختصر مأساة فلسطين كلها: بيت مسروق، ذاكرة مطموسة، وضحية تحوّلت – بفعل الأيديولوجيا الصهيونية – إلى جلاد. إنها لحظة سقوط أخلاقي لا يبررها تاريخ الاضطهاد، لأن الظلم لا يُغفَر حين يُمارَس على الآخرين.

ومع ذلك، فإن العدالة تفرض علينا قول الحقيقة كاملة. فليس كل اليهود صهاينة، وليس كل من عانى من النازية اختار طريق الاحتلال. هناك يهود أحرار الضمير وقفوا ضد الصهيونية وضد الاحتلال وضد حرب الإبادة. من بينهم الطبيب اليهودي البولندي مارك إدلمان، أحد رموز التمرد في غيتو وارسو، والذي رفض إسرائيل واعتبرها مشروعًا عنصريًا.

التقيت مارك إدلمان قبل وفاته، عندما نقلت له رد الرئيس ياسر عرفات على رسالة كان قد بعثها إليه، وأجرينا معًا مقابلة صحفية. كان واضحًا في موقفه: لا يمكن لضحايا الأمس أن يبنوا حريتهم على سلب حرية الآخرين. هذا الموقف الإنساني يثبت أن الصراع ليس دينيًا، ولا عرقيًا، بل سياسي وأخلاقي بالدرجة الأولى.

صراعنا ليس مع اليهود، بل مع الحركة الصهيونية الإرهابية، ومع مشروع استعماري عنصري يقوم على الإقصاء، والتطهير العرقي، ونفي الآخر. صراعنا هو من أجل العدالة، لا من أجل الانتقام، ومن أجل دولة إنسانية ديمقراطية يعيش فيها الجميع على قدم المساواة.

وسيأتي يوم، مهما طال الزمن، تسقط فيه دولة الاحتلال، كما سقطت أنظمة استعمارية وعنصرية كثيرة قبلها. وسيُقام على أنقاضها وطن ديمقراطي واحد، يتسع للمسلمين واليهود والمسيحيين والعلمانيين، دولة تقوم على المواطنة لا على العِرق، وعلى العدالة لا على القوة.

حين يلتقي الجرح الفلسطيني بالتجربة البولندية، يصبح الصمت خيانة، وتصبح الذاكرة مسؤولية، ويغدو الانحياز للحق فعلًا إنسانيًا لا يحتمل الحياد.