بات الذكاء الاصطناعي فاعلاً رئيسياً ومحركاً أساسياً للعملية الإبداعية بقدراته التوليدية الفائقة وخصائصه الفريدة، ولن يكون التعامل معه مسألة اختيارية بل أصبح أمراً واقعاً لا مفرّ منه خصوصاً وأن العالم بدأ يتجه لإدماجه في كافة الجوانب المتعلقة بالأنشطة الإنسانية بما فيها الجوانب الفكرية والثقافية والفنية، فهل سيشكل الذكاء الاصطناعي بمهاراته الذكية تهميشاً للمبدع وتهديداً للإبداع البشري؟!
الإبداع في مرحلة مختلفة
مما لا شك فيه أن عملية الإبداع انتقلت إلى مرحلة تاريخية جديدة بما وفّرته الخوارزميات من إمكانيات وقدرات إبداعية تفوق الخيال في إشارة واضحة على التوازن المرعب بين العقل الإنساني والعقل الآلي!
ومع هذه التطورات يبدو أن الذكاء الإصطناعي سيعيد تشكيل المشهد الإبداعي على مستوى العالم في غضون السنوات القليلة القادمة، فالتقنيات المعلوماتية والتطبيقات والتصميمات المحوسبة، والتصوير الرقمي والبرمجيات المستحدثة حلّقت بالخيال الإبداعي عالياً وطورته ونظّمته وفتحت أمامه آفاقاً جديدة ومسارات إضافية ومساحات واسعة غير مألوفة خلّاقة وغير تقليدية.
أسئلة مشروعة
وضمن هذا الواقع المستجد والتفاعل المتصاعد بين الإنسان والتكنولوجيا ثمة أسئلة تفرض نفسها حول ماهية المنتج الإبداعي القادم الذي ستولده أدوات الذكاء الإصطناعي من قبيل: كيف سيتشكّل هذا المنتج؟ وما هي ملامحه؟ وماذا عن معاييره النقدية والأخلاقية والمهنية؟ وعلى أي أساس سيتم تقييمه؟
وفي هذا الإطار: كيف يمكن التمييز بين المبدع الحقيقي والمبدع المزيف الذي سيستفيد حتماً من الفرص الذهبية المتاحة له بفضل التقنيات الحديثة ليقتحم عالم الأدب أوالفن؟!
وإلى أي مدى يمكن لمبدع يمتلك موهبة حقيقية لكنه لا يجيد التعامل مع العالم الرقمي أن يصمد أمام هذه الموجة ويواجه تحدياتها ويحافظ على وجوده وبصمته الإبداعية؟!
ماذا عن دور المؤسسات الثقافية في حماية المواهب الفردية وصقلها وتطويرها لمنع جمود العقل الإبداعي والتفرّد الفني؟ وماذا عن القوانين الصارمة والضوابط المهنية والاخلاقية وحماية الملكية الفكرية؟ وكيف نحترم جهود المبدع الموهوب ودعمه لتخطي العقبات والعبور نحو المستقبل بشكل آمن من دون أن يفقد أصالته وشغفه؟!
في الواقع إن البحث عن إجابات لهذه التساؤلات يبدو معقداً ومتشابكاً جداً ضمن ما تقدمه التكنولوجيا الذكية المولّدة للمبدع من إضافات وابتكارات، واحتمالات لانهائية، وخيارات جمالية مدهشة لا سقف لها ولا حدود لتسهيل عمله وإتقانه وتجويده والارتقاء بمستوياته ضمن العملية الإبداعية وشروطها.
المبدعين في موقف صعب
وفي هذا السياق لا بدّ من الاعتراف بأن سطوة التكنولوجيا والانفجار المعرفي وضعت المبدعين حول العالم في موقف صعب خصوصاً وأن منهم من أخفق في مواكبة التسارع التكنولوجي واستثمار أدواته، في حين أن الكثير من مدّعي الإبداع وأنصاف الموهوبين يستغلون هذه الثغرة للولوج إلى عالم الشهرة والانتشار في محاولة لتبوأ مركز الصدارة في المشهد الإبداعي على مستوى: (الكتابة والتأليف، الفلسفة، الصحافة، التصميم، المسرح والدراما، الرواية، الشعر، الفنون التشكيلة.. إلخ).
ولا يملك المبدع اليوم ولا المؤسسات الثقافية رفاهية التغاضي عن هذه التطورات والتحولات الجذرية بالاختباء خلف فرضية "تفوّق العقل البشري على الآلة" أو مقولة: "العمل الجيد يفرض نفسه في النهاية"، فالذكاء الإصطناعي قلّص الفجوة بين المبدعين المحترفين وبين الهواة، والتحديات أصبحت كبيرة والتنافس على أشدّه، والخطورة لا تكمن في توظيف أدواته والاستفادة منها بل في الاعتماد المفرط عليه كشريك في التفكير والنقد والإنجاز.
والذكاء الإصطناعي بتطوراته المذهلة لا يمكنه التفوق على جودة التجربة الإنسانية بعمقها وصدقها، لأن ما ينتجه يستند إلى بيانات رياضية وتعليمات جاهزة تفتقر في مضمونها إلى التلقائية والعفوية والشغف والشفافية والحرية والأصالة وروح الابتكار التي يتميز بها الفنان أو الكاتب أو الرسام أو الشاعر، وهذا التميز بحد ذاته يُعتبر أحد أهم نقاط الضعف لدى أنظمة الذكاء الاصطناعي بينما يُعد أحد أهم نقاط القوة عند المبدعين.
الإبداع فعل إنساني
إن عملية الإبداع تنطلق أولاً من الذات الإنسانية وتعتمد على المكنونات الداخلية ومهارات الشخصية المبدعة وبصمتها الخاصة ولمساتها وانطباعاتها، والعامل الجوهري في تكوين وخلق أي منتج إبداعي هو ثنائية (الفكر والقلب) وليست المؤثرات الخارجية أو المصطنعة، وفعل الإبداع هو ممارسة وجدانية وصناعة جمالية إنسانية بالدرجة الأولى، حيث أن المشاعر والأحاسيس وفلسفة المبدع وعقله وخياله هي ركيزة الموهبة ومفاتيحها الملهمة، والأفكار الإبداعية تتدفق وتتشكل وتتطور وتزدهر وتنمو وتتقدم تلقائياً أثناء عملية الإبداع وهذه ميزة لا توفرها روبوتات الذكاء الإصطناعي مهما بلغت من التقدم التقني، وهي ميزة يستند عليها أي مبدع حقيقي وبها يضمن نجاحه وتميزه كونه ينطلق من تجارب حيّة ومجسّدة ومشاعر واعية، وهي عناصر تشكّل بمجملها بصمة خاصة يعجز الذكاء الإصطناعي عن تقليدها أو الوصول إليها أو الغوص فيها لأنها تتطلب تفاعلاً حيوياً حاضراً وهو ما تعجز عنه البيانات التقنية.
والقراءة المتأنية لهذه المرحلة تُظهِر بوضوح ضرورة الانتباه إلى أن هناك شركات عالمية عملاقة تسوّق لهذه الأفكار (سيادة الآلة، أنسنة التقنية) وتسعى للتطبيع معها بهدف استثمارها مالياً.. إذاً لا يجب القلق من الذكاء الإصطناعي وتقنياته المولّدة على عملية الإبداع رغم حضوره المتزايد في تفاصيل الحياة اليومية، فهو لا يمكنه أن يكون ندّاً للإنسان بأي حال من الأحوال، وذلك بالنظر إلى محدودية دوره ومستوى وعيه المنخفض كآلة مدرّبة تعتمد في ما تنتجه على سياسات منحازة، وتتغذى على قواعد وبيانات ومعلومات معدّة مسبقاً وليست آنية وهي عرضة للخطأ وليست بمنأى عنه أبداً، والإبداع البشري لا يفنى ولا ينتهي ولا يُهزم مهما تغوّلت التقنية وهذا ما أثبتته التجربة الإنسانية على مرّ العصور.

