Menu

الحضور الفاعل والمتفاعل للمبدع الفلسطيني، بين مهرجان المسرح العربي والملتقى الدولي لفنون الدمى والعرائس، القاهرة يناير 2026

أحمد طنيش

نشر في مجلة الهدف العدد (79) (1553)

1ـ مهرجان المسرح العربي:

لم يكن الحضور الفلسطيني في الدورة السادسة عشرة لمهرجان المسرح العربي (القاهرة، 10–16 يناير 2026) مجرد حضور رمزي أو مشاركة عابرة، بل كان حضور تأكيد الذات في أهم المحافل وهي صفة وقناعة فنية وثقافية وديبلوماسية، حضور ليس للتأثيث بل حضورا فاعلا مركزيا يجسّد فعالية حقيقية في مفاصل المهرجان: بدء من الحضور الفاعل في هندسته ولجنته المنظمة مرورا بعضوية لجنة التحكيم وباقي فقرات البرمجة النوعية للمهرجان عبر النقاشات الفكرية وإدارة الجلسات والمشاركة فيها، كما الفعل النقدي المصاحب للعروض، وهو حضور يعكس موقع المسرحي الفلسطيني اليوم، ليس كـ«صوت قضية» فحسب، بل كفاعل جمالي وفكري منخرط في المشهد المسرحي العربي، كما تاريخه الأدبي والشعري والروائي والتشكيلية والسينمائي والإبداعي عموما.

ضمن مكونات لجنة التحكيم برز اسم الفنان الفلسطيني المعروف كامل الباشا كأحد أبرز تجليات هذا الحضور من خلال رئاسته لجنة تحكيم جائزة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي عربي. هذا الموقع لم يكن مجرد وظيفة إجرائية، بل يحمل دلالات عميقة:

اعتراف بتجربة فلسطينية راكمت عملاً مسرحياً وسينمائياً وإبداعيا متنوعا متميزاً؛

ثقة الهيئة العربية للمسرح في الحس الجمالي والخبرة النقدية الفلسطينية؛

انتقال الفلسطيني من موقع التمثيل إلى موقع التقييم وصناعة القرار الفني.

شدد كامل الباشا في تصريحه خلال المهرجان «المسرح العربي في حاجة إلى الصدق قبل التقنيات، وإلى الإنسان قبل الأشكال»، مقولة تختصر رؤية فنان تشكّلت تجربته في تماس مباشر مع الواقع والذاكرة.

من بين مهندسي هذا العرس المسرحي العربي، يبرز الأيقونة غنام غنام (فلسطيني/أردني)، بحضور يعكس قدرة المبدع الفلسطيني على قيادة المشاريع الثقافية الكبرى. ويشهد على ذلك الثقة التي منحتها له الهيئة العربية للمسرح بصفته مبدعا مسرحيا عربيا فلسطينيا، بخبرته مؤلفا وممثلا ومخرجا وكاتبا وخبيرا مسرحيا فوق العادة، ومن خلال ما يتصف به من:

قيادة وتخطيط وإشراف على المهام التنظيمية والإعلامية الكبرى للمهرجان وعبر دينامية الهيئة العربية للمسرح؛

إشرافه ومشاركته في كل الجلسات اللوجستيكية وتنظيمية المرتبطة بالمهرجان عبر كل محطاته؛

حضوره كأحد العقول التنظيمية والفكرية ضمن أطر الهيئة.

صرح غنام غنام، أن "المسرح الفلسطيني لم يكن يوماً معزولاً، بل كان دائماً مختبراً للأسئلة الكبرى: (الحرية، الجسد، الذاكرة، اللغة، والإبداع المستمر)، والتجوال عبر الأقطار العربية وتجاربها وإبداعاتها ومبادراتها، نأخذ المغرب نموذجا حيث تعرفت على غنام غنام في البداية التسعينيات من القرن الماضي وهو الفاعل المسرحي الذي حضر رفقة فرقته المسرحية إلى المغرب وبالضبط الدار البيضاء، من تم تعرف وخبر تجربة رائدة في المغرب تتمثل في المسرح الجامعي، الذي انطلق عندنا في سنة 1988، وبط علاقة مع العميد حسن الصميلي وقدم عروضا مسرحية ضمن هذا المهرجان وكان ضمن أهم الفرق التي مثلت فلسطين و الأردن في بداية المهرجان، تم حضر بعد عقد للمهرجان كرئيس لجنة التحكيم، ناهيك عن حضوره كإطار ضمن فعاليات الهيئة العربية للمسرح بدء من دورة 7 لمهرجان المسرح العربي التي أقيمت بالرباط سنة 2015، كما حضر ضمن مكونات لجنة التحكيم لمهرجان المسرح الوطني المغربي بمدينة تطوان، وحضر ضمن اللجنة التحضيرية للدورة 13 لمهرجان المسرح العربي سنة 2023 والتي أقيمت بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء المغرب، وزار حينها كلية الآداب بنمسيك الدار البيضاء، التي له علاقة بكل أطرها المؤسسة بدء من الدكتور حسن الصميلي مرورا بكل الفعاليات المتواصلة والحديثة بهذه الكلية، أدرجت هذه السيرة للرجل وعلاقاته معنا بالمغرب لأشير أن نفس العلاقة للرجل تربطه مع كل الأقطار العربية ومع فعالياتها ومؤسساتها، وبذلك فهو القريب من الأسئلة الخاصة والعامة في كل موقع مسرحي، الأمر الذي يؤكد ريادة وطلائعية متطورة.

في كل هذه الفضاءات، لم يكن الفلسطيني مجرد شاهد، بل منتج للمعنى، مشاركاً في تفكيك العروض وطرح الأسئلة الجمالية والفكرية المرتبطة بالمسرح العربي اليوم، وبذلك كرّست الدورة السادسة عشرة تحولاً لافتاً في طبيعة المشاركة الفلسطينية؛ مع مسرح لا يروي المأساة فحسب، بل يسائل الشكل، اللغة، والوظيفة الجمالية، حين يصبح الفعل الثقافي شكلاً من أشكال المقاومة، تظهر فلسطين كحالة إبداع وجمال ودرس مستمر في الأدب والمسرح والنقد والسينما.

تكمن قوة الحضور الفلسطيني بفعالية بلا ضجيج وعمق الأثر واستدامة في الذاكرة المسرحية العربية المبدع الفلسطيني حاضر يساهم في صنع المعنى، والنبش في ذاكرة المسرح العربي نحو تأسيس يجدر الفعل من التأسيس إلى الاستمرارية المتطورة المواكبة للمستجدات والتحولات.

 

2ـ الملتقى العربي لفنون العرائس والدمى والفنون المجاورة:

من المسرح الحي مع مهرجان المسرح العربي الذي نظمت دورته 16 بالقاهرة، من 10 إلى 16 يناير 2026، إلى الدمية المؤنسنة التي تمثل مسرحا حيا بتمثلات أخرى أثبتت فيه فلسطين مرة أخرى حضور الإبداعي والمهني في الملتقى العربي لفنون الدمى والعرائس والفنون المجاورة، المنظم من طرف وزارة الثقافة المصرية والهيئة العربية للمسرح من 21 إلى 23 يناير 2026 بالقاهرة كذلك.

لا يتوقف هذا الحضور الفلسطيني الفاعل عند تخوم مهرجان المسرح العربي، بل يمتدّ – وبالزخم ذاته – إلى فضاءات تعبيرية أخرى، مع هذا الملتقى في دورته الخامسة، حيث برز المبدع الفلسطيني بوصفه فاعلًا جماليًا ومرجعيًا في أحد أكثر الفنون قربًا من الإنسان: الطفل، والذاكرة، والخيال، من خلال "سر الصنعة" الانفتاح على التجارب ومختبراتها، وتقديم العروض المسرحية من جنس الدمى والعرائس، والتأثيث معرض الخاص، والمشاركة الفاعلة في كل أطوار فعاليات الملتقى العربي.

في هذا الملتقى، لم تكن الدمية الفلسطينية أداة ترفيهية أو وسيطًا تبسيطيًا، بل تحوّلت إلى جسد رمزي ناطق، يحمل سرديات المكان، وأسئلة الهوية، وأوجاع الذاكرة الجمعية، بلغة بصرية وشعرية قادرة على مخاطبة الطفل والراشد معًا. وقد كشفت المشاركات الفلسطينية – سواء عبر العروض أو النقاشات أو الورشات – عن وعي عميق بدور فنون العرائس في التربية الجمالية، والتحسيس الإنساني، ومقاومة النسيان.

الحضور الفلسطيني في الملتقى العربي لفنون الدمى لم يكن عددياً بقدر ما كان نوعيًا؛ إذ تميّز بالمساهمة في النقاشات الفكرية حول:

أنسنة الدمية وتحويلها من كائن جامد إلى ذات درامية؛ ووسيط تقني وبيداغوجي؛

دور مسرح العرائس في السياقات المأزومة والنزاعية؛

علاقة الدمية بالذاكرة والصدمة والشفاء الثقافي؛

وظيفة هذا الفن في بناء وعي جمالي مبكر لدى الأجيال الجديدة.

في سياق هذا الحضور الفلسطيني اللافت داخل المنتدى العربي لفنون العرائس والدمى والفنون المجاورة، برز عرض "الخجول" – فلسطين، من إخراج خليل عسكري، عن قصة للأديب أحمد هيبي، مستوحاة من واقعة إنسانية حقيقية لطفل صغير كان والده يحمّله عبئًا يفوق سنّه، مرددًا" اوعك تقول إنك خايف، أنا ابني زلمة" عرض يلامس بعمق سؤال الطفولة المهدَّدة، ويكشف، عبر لغة دمى شفيفة، مخاوف الطفل حين يُجبر على التصرّف كالكبار، فيفقد حقه الطبيعي في التلقائية واللعب، قبل أن يصرخ في لحظة صدق موجعة "بابا أنا مش زلمة… بابا أنا ولد" وقد تخللت مشاهد العرض كوميدية طفولية بريئة، خفّفت من ثقل الموضوع، دون أن تُفرغه من حلمه الإنساني العميق.

يكتمل هذا الحضور الفلسطيني بتكريم المبدع عبد السلام عبدة من فلسطين، أحد الوجوه المرجعية في مجال مسرح الدمى عربيًا ودوليًا، وعضو المنظمة العالمية للدمى. المولود بجبل المكبر – القدس سنة 1964، راكم تجربة تفوق ثلاثين سنة في الفنون المسرحية وصناعة وتحريك الدمى، قدّم خلالها عروضًا محلية ودولية، وأسهم بشكل واسع في نشر ثقافة الدمى في فلسطين والعالم العربي. تولّى إدارة دائرة الطفل والإخراج الفني بالمسرح الوطني الفلسطيني (1998–2013)، ثم إدارة مسرح الطفل بجمعية «قدس آرت» (2013–2025)، وأخرج أعمالًا بارزة من بينها "عطسة الساحر"، "القدس والأمير الصغير"، "حورية البحر"، و"الطبيب بهلول". تجربة تُجسّد التزامًا فنيًا وإنسانيًا واضحًا بقضايا الطفل، وتجعل من مسرح الدمى أداة للوعي، والحماية، وبناء الخيال المقاوم.

هكذا، يثبت المبدع الفلسطيني مرة أخرى قدرته على الاشتغال في المناطق المتميزة للفن، تلك التي تمتحن جوهر الإبداع بعيدًا عن الاستعراض، وتُعيد الاعتبار للفن كفعل تربوي، إنساني، ومجتمعي. فإذا كان المسرح الحي فضاءً لمساءلة الواقع مباشرة، فإن مسرح الدمى يصبح في التجربة العربية وضمنها الفلسطينية مختبرًا لإعادة صياغة الحلم، واللغة، والصورة، والبراءة والمقاومة.

بهذا المعنى، يكتمل المشهد: من خشبة المسرح العربي في دورته السادسة عشرة، إلى فضاءات المنتدى الخامس للدمى والعرائس والفنون المجاورة، يظلّ الفلسطيني حاضرًا حيث يُعاد تعريف الفن بوصفه معرفة، وموقفًا، ومسؤولية. حضور لا يستجدي التعاطف، بل يفرض الاحترام، ويمارس المهنية والإبداع لأنه قائم على الفعل والمعرفة والاشتغال والإضافة النوعية في جسد وجغرافية الثقافة العربية المعاصرة.