Menu

ترياق الحكيم في زمن التفتيت قراءة في ارث جورج حبش لمواجهة المشروع الصهيوني

د. وائل الزريعي

نشر في مجلة الهدف العدد (79) (1553)

شكلت نكبة فلسطين عام  1948 ذروة المشروع الاستعماري الغربي في المنطقة العربية ، الذي رسمت ملامحه اتفاقية سايكس بيكو الرامية للهيمنة على المنطقة ومقدراتها، لتصبح أرض فلسطين ساحة المواجهة المركزية بين العرب و الامبريالية العالمية و الكيان الصهيوني.  ضمن السياق التاريخي الطويل لمقاومة الشعب الفلسطيني، لم تكن الثورة الكبرى في فلسطين عام 1936 ضد الإدارة البريطانية والعصابات الصهيونية مجرد محطة مواجهة تاريخية مع المركز الإمبريالي، او محاولة لدرء النكبة فحسب، بل كانت محطة تأسيسية للنضال الوطني الفلسطيني في مواجهة المشاريع التي تستهدفه.، وقد وصفها المفكر الشهيد غسان كنفاني ، بانها شكلت مدرسة ثورية لتطور النضال الوطني من رد الفعل الى العمل المنظم، حيث تجسدت وحدة طبقات الشعب الفلسطيني في مواجهة المؤامرة الاستعمارية. منذ مخططات سايكس بيكو للهيمنة على أرض العرب مثل الشعب الفلسطيني خط الدفاع الأول الذي أخر تغلغل المشروع الصهيوني في المنطقة العربية، ووضع قوى الاستعمار في مواجهة دائمة معه، ومن هنا تفهم الاستراتيجية الامبريالية الصهيونية، والتي ترى أن الهيمنة على المنطقة لن تتم دون تفتيت واسقاط خط الدفاع الاول المتمثل في الشعب الفلسطيني ومقاومته. وفق هذه الرؤية اعتمد المشروع الصهيوني استراتيجية لتفكيك وحدة الشعب الفلسطيني سياسيا و جغرافيا و اجتماعيا و اقتصاديا ، و بدعم من المركز الامبريالي استخدمت كافة الأدوات السياسية، و العسكرية و الاقتصادية، و الاجتماعية بشكل ممنهج لمنع ظهور حركة وطنية فلسطينية موحدة، و التي يعتبرها الاحتلال تهديد وجودي، لما قد تشكله من وحدة للأدوات في مواجهة المشروع الصهيوني، فبروز حركة وطنية موحدة تتبنى الأساليب  النضالية المختلفة يعنى تفويت فرصة اللعب على التباينات الفلسطينية، لذلك فتفتيت النسيج الوطني الفلسطيني ضرورة استراتيجية من منظور الكيان الصهيوني، و هو ما ينفذه الكيان و حلفاؤه عبر التفتيت الجغرافي و  السياسي و  الاجتماعي والاقتصادي،  و لعل التفتيت الجغرافي  هو الركن الأساسي لهذه الاستراتيجية،  لكونه الاساس المادي لكافة أشكال التفتيت الأخرى. فمنذ النكبة يتم تطبيق هذه الاستراتيجية وفقا للمتغيرات الجيوسياسية بالاعتماد على الركائز الأربع التالية:

  1. التفتيت الجغرافي و هو الركيزة المادية لتحويل ارض فلسطين إلى جزر معزولة،  ففي الضفة الغربية تحولت المدن والقرى إلى كانتونات محاصرة بالمستوطنات والجدار الفاصل، مع  السيطرة الكاملة للاحتلال على الحدود والتحكم في حركة السكان عبر الحواجز المختلفة ، اما القدس وسكانها فمنذ النكسة و هي في حالة مواجهة دائمة مع عمليات التهويد و القوانين التي تحاول محو هويتها العربية، و توزيع منازلها و املاكها على المستوطنين، فيما فرض على قطاع غزة حصار خانق و حروب متكررة، وصلت الى الابادة الجماعية بعد السابع من أكتوبر،  ليطرح مؤخرا تصور جديد  من المركز الامبريالي و هو العودة لما يشبه الانتداب البريطاني على فلسطين ، عبر الإدارة المباشرة للقطاع، مع القيام بحملة غسل دماغ جماعية، في محاولة لمحو ثقافة المقاومة. و في جنوب فلسطين يختلف الأسلوب لكن تبقى السياسة واحدة، و هي مطاردة التجمعات الفلسطينية و هدم القرى البدوية.
  2. التفتيت السياسي كأداة لتفكيك الإرادة الوطنية، حيث يعمل الاحتلال وحلفاؤه على إضعاف المؤسسات الوطنية الجامعة كمنظمة التحرير، وتحويلها من أطر تحررية إلى هياكل إدارية مقيدة ومعزولة عن الجماهير، مع تعزيز الانقسامات الداخلية باستمرار، فكلما تحركت الفصائل الفلسطينية نحو تفاهمات حقيقية، يتخذ الكيان الصهيوني والولايات المتحدة إجراءات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية لتقويضها.
  3. التفتيت الاقتصادي بهندسة التبعية، وذلك عبر ربط الاقتصاد الفلسطيني الهش باقتصاد المحتل، والتحكم بمقدراته وحدوده، وتدمير بنيته التحتية عبر الحروب المتكررة، مما يخلق اقتصاد بقاء وتبعية كاملة.
  4. التفتيت الاجتماعي من خلال تمزيق النسيج المجتمعي، فقد استهدفت الروابط الاجتماعية من خلال تمزيق اوصال العائلات الفلسطينية، من خلال نظام التصاريح والعزل، و فرض القيود على حركة الفلسطينيين بين الأراضي المحتلة عام 1948 والضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، و فرض واقع البقاء على قيد الحياة من خلال التدمير والحصار والمضايقات اليومية، لإجبار الفلسطيني على التركيز على لقمة العيش والبقاء، وصرفه عن قضاياه الوطنية. 

فنحن إزاء بنية استعمارية متعمدة لتحويل الصراع مع الكيان الصهيوني من صراع تناحري وجودي الى إدارة أزمات ومفاوضات تدور في دائرة مفرغة لتفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها الوطني.

 

ترياق الحكيم

في مواجهة هذه البنية الاستعمارية المعقدة، يبرز إرث الحكيم جورج حبش كأداة تشخيص ومواجهة حية مع الاستراتيجية الصهيونية. لقد أدرك الحكيم مبكرا ان تفتيت فلسطين سياسيا و جغرافيا و اجتماعيا ، هو هدف أساسي للمشروع السياسي الاستيطاني و الذي لا يهدف فقط لاحتلال الأرض ، و لكن يستهدف النسيج الوطني الفلسطيني لتحويله من كتلة تاريخية متماسكة الى مجموعات متفرقة يسهل السيطرة عليها و تذويبها. فنظر للتجزئة الجغرافية كأداة لإفشال أي مشروع سيادي، والتجزئة الاجتماعية كأداة تستهدف اضعاف أواصر التضامن الاجتماعي، من خلال خلق فئات مرتبطة بالوضع القائم الذي يهيمن عليه الاحتلال. وفق هذه الرؤية ينبع رفض الحكيم جورج حبش لاتفاق أوسلو كنموذج لهندسة التقسيم، وبيع وهم يحول منظمة التحرير الفلسطينية من إطار تحرري جامع، الى إدارة محلية تابعة منقسمة على نفسها ومعزولة عن طموحات الشعب الفلسطيني، و هو ما عبر عنه في مذكراته مشيرا لان التنازلات المجانية التي قدمت للاحتلال ليس لها تبرير، و ان اتفاق التسوية لم يلبي الحد الأدنى من الطموحات الوطنية للشعب الفلسطيني.

كما وصف الحكيم الداء، وصف الترياق والذي لا يكون الا بالوحدة الثورية الحقيقية، وحدة ميدانية بعيدة عن ديكورات المصالحة، وحدة تتفق على هدف استراتيجي واضح و هو التحرير الكامل للتراب الوطني الفلسطيني، و حق العودة، و تفكيك المشروع الاستيطاني، وحدة تنبع من إرادة شعبية و تجمع كافة اشكال المقاومة لتحقيق الهدف الاستراتيجي، لكن هذه الوحدة تتطلب حالة من الوعي العام  فيجب أن تتجذر الوحدة الحقيقية ليس فقط في الاتفاقيات السياسية بين الفصائل، بل في القوة المنظمة لجماهير الشعب الفلسطيني من العمال والفلاحين والطلاب والمثقفين، متجاوزة الانقسامات الحزبية والطبقية. فالوحدة بكافة اشكالها هي المضاد الحيوي للتفتيت والتجزئة، وذلك من خلال مشروع وطني متكامل سياسيا واجتماعيا  وثقافيا. فبالمقاومة الشاملة نستطيع التغلب على استراتيجية التفتيت ويعاد لملمة اوصال الوطن الممزق. كما كان الحكيم يرى في النضال الوطني الفلسطيني جزء لا يتجزأ من نضال الشعوب عبر العالم في مواجهة الامبريالية العالمية، فردد دائما ان القضية الفلسطينية هي قضية كل احرار العالم لذلك هناك ضرورة لبناء تحالفات استراتيجية مع حركات التحرر في اسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية، واعتبر  ان حركات التضامن العالمية تمثل سلاحا ماديا ومعنويا يمكن الارتكاز عليه في المواجهة مع الكيان والقوى الداعمة له. الان في زمن التفتيت وتمادي المشروع الصهيوني، يبقى فكر الحكيم ينير الطريق نحو التحرير الكامل، فلا بديل عن الوحدة الثورية والمقاومة الشاملة للوصول لتحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني، و الرد الحقيقي ليس في الانكفاء أو المساومة، بل في إعادة بناء مشروع تحرري جامع يلتف حوله الجميع لتحقيق الهدف الاستراتيجي. غادر الحكيم هذا العالم، وهو على ثقة كاملة في الشعب الفلسطيني وإرادة  المقاومة التي يمتلكها، وان خط الدفاع الاول عن الامة العربية لن يسقط، لان الشعب الفلسطيني سيبقى يضحي الى ان تنتصر قضية الحرية على ارض فلسطين و الأرض العربية.