ظلام الليل لا يدوم طويلاً ، وخيوط الفجر تنسج قدومه من جديد، وأشباح الموت ترحل رويداً رويداً عن غزة الجريحة. تستفيق غزة من موتها الوشيك، وتبدأ بتنفس الصعداء ، مع توقف الحرب المعلنة ، وسريان أثر لا يُرى لوقف إطلاق النار الترامبي الهش ، وبدء الاعتداءات المتكررة ، بل دفقات الحرب غير المعلنة في كافة أنحاء القطاع، واستمرار عمليات نسف الأبنية داخل وخارج الخط الأصفر التقسيمي ، وشن الغارات على المدنيين المتلحفين بأغطية مُغرقةٍ بمياه الأمطار ، و استمرار القصف للخيام المتهالكة والممزقة وكأنها حصون منيعة ،وتواصل عمليات الاغتيالات حتى للأطفال. برغم ذلك ،تبدأ غزة يومها التالي وتعود إلى الحياة من جديد ، ولم تَكِلْ ولم تَمِلْ ، ولم تَثْنِها آلة الدمار والإبادة والتجويع والتعطيش ، ولا قسوة الطبيعة ببردها القارص الذي تسبب بموت الأطفال الرّضع، وأمطارها المتصببة أنهاراً على فراش الأطفال ، ورياحها العاتية التي تمزق ما تبقى من خيامٍ متداعية. عاد الأطفال، الذين نجوا من هلوكوست نتنياهو ، إلى ساحات لعبهم المشوَّهة والمدمرة ،عادوا إلى مقاعد الدراسة التي هشمتها مسيّرات كواد كبتر وطائرات اف ١٦، وقذائف الميركاڤا ،عادوا يتلقون العلم جلوساً على الأرض التي أحبوها في خيمةٍ أو بين أنقاض غرفةٍ ، كانت ذات يوم صفاً ، وأمام سبورةٍ محطمةٍ ومعلمةٍ لا تملك إلا صوتها و لغة الجسد ، وعاد المصلّون إلى ما تبقى من دور العبادة التي دنسها وقصفها جيش الاحتلال ، وبدأ اليسير من الآليات الثقيلة بالعمل لإزالة الأنقاض وركام الأبنية المدمرة بحثا عن جثامين أو ربما رفات الشهداء المفقودين، برغم صعوبة ومشقة المهمة.هناك على أطلال الأحبة تنتظر ، البقية الباقية من ذوي الشهداء، بارقة أمل بالعثور على جثامين أو رفات الأحبة صغاراً وكباراً ونساءً وكهولاً. عادت غزة إلى يومها التالي بشكل مختلف ،لا كما تمنى بن غفير وسموتريتش وزعيمهم نتنياهو ، عادت أسواقها المتواضعة "وبسطاتها" وصوت البائعين يملأ المكان صخباً وضجيجاً غير آبهين لقذائف أو صواريخ ستسقط عليهم بعد قليل. عاد الغزاويون المُكلَمون ، لكن تعلو جباههم إمارات الفخر والكبرياء ، عادوا إلى حارات وشوارع غزة ، التي باتت لا تُعرفْ ملامحها إلا القليل منها ، بين أكوام الأنقاض وتلال الركام هنا وهناك. عاد الغزاويون ذوو الإرادة الصلبة والعزيمة التي لا تهن ، لقد ألفوا الحروب والحصارات ونتائجها وألفوا النزوح والتهجير، وعرفوا معنا الحياة والثبات في الأرض التي أحبتهم وتجذّروا بها. ، عادوا ولم يهزمهم سوى القدر وهو مُحتّمٌ عليهم ، هزموا كل أنواع القتل والتدمير والإبادة وصنعوا من اللاشيء أشياءً ، إنهم يموتون، ولكن يولدون ؛ وكأن جيناتهم تختلف عن جينات البشر الآخرين بصمودهم وإصرارهم وثباتهم وشجاعتهم. عادوا وهم ينشدون بصمتٍ لا تسمعه آذانهم " إني عدت من الموت لأحيا وأغني ،علمتني ضربة الجلاد أن أمشي على جرحي وأقاوم". عاد الغزاويون ونصبوا مجدداً خيماً مهترئة تتلاعب فيها الرياح العاتية وتسقطها الأمطار الغزيرة. عادوا فنصبوها على أنقاض منازلهم، ولم ينسوا أن يرفعوا علم الوطن السليب خفاقاً يغيظ العدى والصامتين والمتخاذلين والمأجورين. تراهم هناك في زاوية ما قريبةٍ من المشفى، يصلّون على أرواح الشهداء ، ويواروهم الثرى وسط حزنٍ وألمٍ شديدين على فراقهم ، وأملٍ أن يستمروا بالحياة التي بدأوها. حتى قسوة الطبيعة واعتداءات الاحتلال لم تثنهم عن مزاولة نشاطهم وفعالياتهم. لقد بدأت غزة إعادة الإعمار ، ولم تنتظر أحداً ، ولم تستأذن أحداً لا أممياً ولا إقليمياً، ولا محلياً ، لم يأبهوا لتهديدات وأطماع المستثمر العقاري بتحويلها إلى "ريفيرا الشرق" للاستجمام، بل صمموا أن يعيدوا لها ألقها وجمالها واسمها الحقيقي "غزة هاشم" وصاحبها الحصري والوحيد الشعب الفلسطيني. ولم تنتظر ما سمي "مجلس السلام" الترامبي
الذي ضم في عضويته مجرم الحرب والإبادة نتنياهو المطلوب للعدالة الدولية ، ولم يضم أي تمثيل فلسطيني بوصفه صاحب الشأن الأول "بالحل المنتظر". لم ينتظر الغزاويون هذا المجلس الذي رفضه الأوروبيون ، ووافقت عليه أنظمة الضعف والهوان والتخاذل والتماهي مع مصالح الإمبريالية الجديدة ،التي تحرص على إنجاح المشروع الصهيوني في المنطقة.
الغزاويون لم ينتظروا أيضا لجنة التكنوقراط لإدارة غزة، لأنها ستكون مكبلة بقيود الممثل السامي ميلادينوف البلغاري الجنسية. لم تنتظر الفتح الموعود ، منذ أمدٍ طويل ، لمعبر رفح ، لم تنتظر غزة العزة والإباء أحداً، بل أخذت المبادرة صونا لوصية الشهداء ، وبدأت عمليات الترميم وأدارت عجلة الإنتاج والخدمات والحياة بكل تلاوينها. و قال لسان حالهم "بإذن الله حنعمرها، وتبقى أحلى من أول". وهناك لُوحظتْ علامةٌ فارقةٌ إذ لم يغب مشهد الفرح برغم الدمار ورائحة الموت ؛ عندما أقام الغزاويون عرساً جماعياً لأبنائهم وبناتهم وسط أغانٍ وأهازيج وطنية تراثية ؛ ما يعني إحياء الأسرة والمجتمع وتأكيد إرادة الحياة. وهناك أيضا أقلقت قادة الاحتلال وإعلامهم العبري مشاهد عودة مئات الطلاب إلى الجامعة الإسلامية، التي أعيد افتتاحها. ويا لعظمة هذا الشعب! إذ تخرج 230 طالب وطالبة ، طبيب وطبيبة وسط الحصار والدمار والمعاناة من كل أشكال الإبادة على مدى سنتين، ليلتحقوا بمراكز عملهم لتقديم خدماتهم للجرحى والمرضى. لقد آلم ذلك قادة الاحتلال ؛ لأنهم يرون العودة إلى التحصيل العلمي والأكاديمي عاملاً مخيفاً للاحتلال ؛ لأنه جعل من غزة ذات يوم منارة للعلم والمعرفة والتكنولوجيا و للقيم الإنسانية والحضارية ، لقد أوجسهم رعباً هذا الصرح ؛ لأنه ساهم في قهرهم يوم العبور في السابع من أكتوبر، وأزعجهم كثيرا بل أخافهم الترميم في أقسام مشفى الشفاء التي شهدت حفل تخريج هؤلاء الأطباء. ؛ لأنهم اعتبروا ذلك عودة "لحماس" وعودة "للإرهاب" ، كما ذكرت صحافتهم العبرية ، وكأن في تقديم الخدمات الطبية في قسم الطوارئ والولادات مصنعاً للسلاح والعبوات. وهناك من عبر عن قلقه وامتعاضه من بدء ترميم بعض المؤسسات؛ إذ وجدوا في ذلك عودة لسلطة "حماس" وإعادة بناء قدراتها العسكرية. وبناءً على رأي الإعلامي وائل عواد قوله : "ما صلة ذلك بالإرهاب؟ وأين حماس في هذا الموضوع؟ أين ستلد الأمهات؟". ولماذا يضيرهم إعادة تأهيل ووجود أربعة مراكز صحية جديدة ، إنهم لا يريدون حتى تقديم العلاج للأطفال والنساء لا زمن الحرب، ولا زمن اللا حرب ، انهم لا يرون ولا يريدون إلا موتنا، وحرمان شعبنا من أبسط الحقوق. لقد عبروا عن خيبة أملهم والإحباط لمشاهدة عمليات إعادة البناء التي جرت بهذه السرعة وبهذه الإمكانات، وبهذا الإصرار. لقد راعهم حتى قيام صيادوا الأسماك بإصلاح وترميم قوارب صيدهم ، ووصفوا ذلك بأنه خطوة من خطوات "حماس" لإعادة قدراتها وقوتها، وكأن صيد السمك عمل إرهابي ، وله علاقة "بحماس". ووصلت مخاوفهم وخيبة أملهم لوجود مطاعم تقدم أطباق الحمص ؛ فأصبح لديهم "حمص فوبيا" وربطوه أيضا بالإرهاب، واعتبروا كلمة " حمص " شقيقةً "لحماس" وتتناغم معها لفظاً. حتى أن الإسرائيليون رأوا في ترميم المسجد العمري التاريخي تهديداً أمنياً جديداً لهم ؛ وكأنه قاعدة عسكرية للمقاومة.
لأن غزة وأهلها يمتلكون إرادة الحياة ، كان إصرار قادة الكيان على تدمير غزة وعدم وصولها إلى اليوم التالي. ومن هنا أيضا، تأتي أسباب عرقلة نتنياهو و قادة حربه للانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب باختلاق الذرائع ، وإصراره على ربط ذلك بتسليم جثة آخر أسير لدى المقاومة. إن إطالة أمد الحرب ،حتى تطال آخر طفلٍ و آخر بيتٍ فلسطيني ، تهدف إلى اجتثاث الوجود الفلسطيني ، ويعبر عن العقلية الثأرية الانتقامية القائمة على الإبادة والتهجير والتوسع. لكن شعبنا بصموده ومقاومته وصبره ، وبدعم أحرار العرب والعالم عزف سيمفونية الحياة من جديد ، وأرسل رسالة إلى العالم ، مفادها أنه مهما اشتدت حلكة الظلام وضاقت فسحة الأمل وتعاظم جبروت الطغاة والمحتلين ، وتفاقم حجم الألم والمعاناة ؛ فإن الفجر أتٍ ، وقد أتى فجر غزة ، وابتدأ العرس الفلسطيني من جديد ، "زغردي يما و زغردوا".

