Menu

فخّ "مجلس السلام".. بين ادعاءات السلمية واستمرار العدوان

رضي الموسوي

نشر في مجلة الهدف العدد (80) (1554)

في واحدة من المفارقات ذات الدلالات العميقة إزاء مسألة السلم والحرب، ما يشاهده العالم من إصرار الإدارة الامريكية المضي قدما في تفكيك العالم تحت يافطات "أمريكا أولا" وجعل "أمريكا عظيمة" وشعارات شعبوية أخرى رفعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لحملاته وتحركاته قبل وصوله للبيت الأبيض وجسدها بعد فوزه بمضاعفة الشراكة في العدوان على غزة، والعدوان على فنزويلا واختطاف رئيسها ومصادرة نفطها، وفرض المزيد من الرسوم والتعريفات الجمركية على دول العالم وإشعاله حروبا تجارية مع الصين على وجه الخصوص، ضاربا عرض الحائط وعوده للناخبين الأمريكيين بالنأي بأمريكا عن الحروب الخارجية وإعادة أساطيله إلى البلاد. هذا النهج بقدر ما يعبر عن قوة أمريكا المخيفة وقدرتها على البطش، فإنه يعبر أيضا عن الخوف من المستقبل وإنهاء حقبة القطب الواحد الذي تتحكم فيه الولايات المتحدة في دول العالم إلى عالم متعدد الأقطاب تكون فيه الكتل الكبرى شريكة في صناعة القرار العالمي، وهذا الذي يسبب صداعا مزمنا لصناع القرار في واشنطن.

عندما كان ترامب يلقي خطابه في افتتاح أعمال ما يعرف بـ"مجلس السلام العالمي" في التاسع عشر من فبراير الماضي بواشنطن، كانت البوارج الحربية الأمريكية وأسراب الطائرات المقاتلة من مختلف الطرازات والفرق العسكرية تنتقل من الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا إلى منطقة الشرق الأوسط وفي مقدمتها حاملتي الطائرات لينكولن وجيرارد فورد التي تعتبر أكبر قطعة عسكرية بحرية في العالم. جاء تحرُك الأسطول الأمريكي بأوامر من إدارة البيت الأبيض للقيام بعدوان جديد على إيران والعمل على تدمير البرنامج النووي السلمي وبرنامج الصواريخ الباليستية، وإسقاط النظام السياسي في طهران، وذلك بالتعاون والتنسيق مع الكيان الصهيوني، بهدف جلب أيتام المقبور شاه إيران وتنصيب نظام تابع للولايات المتحدة الأمريكية على غرار ما حدث في إيران نفسها حين دبرت المخابرات الامريكية والبريطانية عملية الإنقلاب على محمد مصدق في 1953 واعادت الشاه محمد رضا بهلوي الى العرش ليواصل دوره شرطيا على الخليج العربي.

في تباهٍ قلّ نظيره من ترامب ونتنياهو وتفاخرهما بتحقيق نصر في غزة ولبنان وتقويض البرنامج النووي الإيراني، جاء اجتماع "مجلس السلام العالمي" حول غزة، الذي غابت عنه فلسطين الضحية التي قدمت خلال أكثر من سنتين عشرات آلاف الشهداء والمفقودين والأسرى والذين طُمِروا تحت ركام المباني، وأضعاف هؤلاء من الجرحى وأكثر من مليوني نازح ومشرد، فضلا عن تدمير كامل البنى التحتية من مبان ومنازل وطرقات ومدارس ومستشفيات وشبكات الكهرباء والماء والصرف الصحي. غابت فلسطين في ذلك الإجتماع وحضر الصهاينة القتلة الذين اجتاحوا القطاع ودمروا كل شيء قابل للحياة تمهيدا لتنفيذ الخطوة التالية في التهجير والتطهير العرقي. وهو الأمر الذي تماهى فيه الكيان وتوسع في الضفة الغربية و القدس ، ما يعبر عن جوهر أهداف مجرمي الحرب الصهاينة وشركائهم والمتواطئين معهم في العدوان.

في خطابه أمام "مجلس السلام" أمام قادة ومسؤولي 47 دولة حضرت الاجتماع، أغلبها من الشرق الأوسط، افتخر ترامب بأنه حصد أول الغيث، 17 مليار دولار لإعادة إعمار غزة، منها 10 مليارات من الولايات المتحدة، وبقية المبلغ جاء أغلبه من دول الخليج التي شاركت في الاجتماع، فيما أعلنت دول عربية وإسلامية وأجنبية تعهداتها للقيام بأعمال إعادة الاعمار في قطاعات مختلفة، حيث تقدر كلفة إعادة الإعمار أكثر من 60 مليار دولار. لم يتحدث ترامب عن الإبادة الجماعية التي تعرض له الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والتطهير العرقي والتهجير. فكيف له أن يفعل ذلك وهو شريك وممول رئيسي للإبادة الجماعية ويمارس الضغوط على "مجلس السلام" لتبني موقف البيت الأبيض المعادي للشعب الفلسطيني؟!

قبضة ترامب

اشتهر الرئيس الأمريكي ترامب بولعه الشديد بجائزة نوبل للسلام، واستمات من أجل الحصول عليها بينما كان يوقع أوامر إرسال أسلحة القتل والدمار لجيش الاحتلال الصهيوني، في تناقض فاضح للإزدواجية الغارق فيها. قاده الخيال الجامح للسيطرة وتخطيط الدولة العميقة والمستشارين، الذين أغلبهم أكثر صهيونية من قادة الكيان نفسه، لتأسيس "مجلس السلام" الذي يتكون مجلسه التنفيذي بما يشبه هيئة أركان حرب.

فقد كشفت ديباجة "ميثاق مجلس السلام" عن طبيعة وماهية هذا الميثاق الذي أعلن عنه ترامب يوم 22 يناير 2026، على هامش مؤتمر دافوس الاقتصادي. تعتبر الديباجة وكأن المجلس بديلا عن مجلس الأمن الدولي الذي يتمتع خمسة من أعضاءه بالعضوية الدائمة وبحق النقض (الفيتو). كما جاء "الميثاق" ليزيح منظمة الأمم المتحدة التي انسحبت الولايات المتحدة الامريكية من 60 منظمة رديفة وتابعة لها. يتمتع ترامب بصلاحيات مطلقة في "مجلس السلام". وجاءت الفقرة الثانية من الديباجة لتُبيّن التناقض الصارخ بين ما تضمنته وبين العديد من نصوص مواد الميثاق. تنص الفقرة الثانية على "إن السلام الدائم يترسخ عندما يتم تمكين الشعوب من تولي زمام مستقبلها وتحمل مسؤوليته"، بينما يخلو مجلس السلام من الفلسطينيين المعنيين بشؤون بلدهم، حيث يتم تنفيذ القرارات الأممية على أرضهم. كما أن الديباجة وفصول الميثاق جميعها لا تشير لا من قريب ولا من بعيد إلى غزة، التي صدر القرار الأممي بشأنها وحيث الإبادة التي ترتكب فيها.

ولأن مؤسسات ومنظمات الأمم المتحدة، بما فيها مجلس الأمن، مستهدفة أيضا من تشكيل هذا المجلس، كما هي مناطق النزاع، فقد كانت (أول آية كفر) في الميثاق الذي بدأ بالطعن في الأمم المتحدة، فجاءت أول فقرة من الديباجة لتضرب في عصب المنظمة الدولية، فنصت على "أن السلام الدائم يتطلب حكمة عملية، وحلولا منطقية، وشجاعة للتخلي عن المناهج والمؤسسات التي فشلت مرارا وتكرارا"، في إشارة إلى عجز الأمم المتحدة عن حل النزاعات والصراعات التي تعصف بالعالم. ومع أن هذا كلام حق لكنه يراد به باطل لتقويض ما تبقى من دور للمنظمة الأممية خارج قبضة الإدارة الامريكية.

يتكون ميثاق "مجلس السلام" من مجموعة مواد موزعة على 13 فصل. وقد فُصِلَت كل النصوص على مقاس ترامب، الذي منح نفسه صلاحيات إمبراطورية مطلقة. فالفصل الثاني ينص في المادة (2.1) على: "تقتصر العضوية في مجلس السلام على الدول التي يدعوها الرئيس للمشاركة، وتبدأ عند إخطار الدولة بموافقتها على الالتزام بهذا الميثاق"، بينما تفيد الفقرة (ج) من نفس الفصل بـ" تكون مدة عضوية كل دولة عضو ثلاث سنوات كحد أقصى من تاريخ نفاذ هذا الميثاق، قابلة للتجديد من قبل الرئيس. ولا تسري مدة العضوية البالغة ثلاث سنوات على الدول الأعضاء التي تُساهم بأكثر من مليار دولار أمريكي نقدًا في مجلس السلام خلال السنة الأولى من نفاذ الميثاق".

وتتأكد الصلاحيات المطلقة للرئيس، في نصوص الميثاق: "يعقد مجلس السلام اجتماعات تصويتية مرة واحدة على الأقل سنويًا، وفي أوقات وأماكن إضافية يراها الرئيس مناسبة. ويضع المجلس التنفيذي جدول أعمال هذه الاجتماعات، مع مراعاة إخطار الدول الأعضاء وتعليقاتها وموافقة الرئيس". و" تُتخذ القرارات بأغلبية أصوات الدول الأعضاء الحاضرة والمصوتة، مع مراعاة موافقة الرئيس، الذي يجوز له أيضًا التصويت بصفته رئيسًا في حال تعادل الأصوات". وتتعاظم صلاحيات الرئيس (ترامب): "يجوز للدول الأعضاء اختيار تمثيلها بمسؤول رفيع المستوى بديل في جميع الاجتماعات، شريطة موافقة الرئيس". تتزاحم النصوص لتؤكد مسألة التسمية والصلاحيات المطلقة لترامب: "يتولى دونالد ج. ترامب منصب الرئيس الأول لمجلس السلام، كما يتولى منصب الممثل الأول للولايات المتحدة الأمريكية (..) يتمتع الرئيس بسلطة حصرية لإنشاء أو تعديل أو حلّ الكيانات التابعة حسبما تقتضيه الحاجة أو ما يناسبها لتحقيق مهمة مجلس السلام".

هكذا تتالى حصرية الصلاحيات في يدي ترامب بقوة نصوص الميثاق ومنها أن تجديد عضوية المجلس التنفيذي وعزل الأعضاء محصورة في يد الرئيس "وفقا لتقديره"، وأن القرارات التي يتخذها المجلس التنفيذي الذي يأتي في المرتبة الثانية تحت "مجلس السلام"، تكون بأغلبية أصوات أعضائه الحاضرين والمصوتين، بمن فيهم الرئيس التنفيذي، مع حق الرئيس (ترامب) نقضها في أي وقت لاحق. كما يكون الرئيس "هو المرجع النهائي فيما يتعلق بمعنى هذا الميثاق وتفسيره وتطبيقه"، وفق الفصل السابع. أما حل مجلس السلام فهو مرهون "بالوقت الذي يراه الرئيس ضروريا أو مناسبا"، وإن نفاذ هذا الميثاق مرهونة بمجرد "موافقة ثلاث دول على الالتزام به". ويحكم ترامب سيطرته على المجلس بصلاحيات مطلقة منحها لنفسه فمنع إبداء الرأي في الميثاق بالنص على: "لا يجوز إبداء أي تحفظات على هذا الميثاق"!!.

ولأن الصلاحيات محصورة في يد ترامب، فقد جاء تشكيله واضح التوجه والميول والانتماء، حيث أن أغلب أعضاءه هم من عتاة اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة ومن إدارة البيت الأبيض والكيان الصهيوني، من طراز وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، ستيف ويتكوف، المبعوث الأمريكي الخاص بالشرق الأوسط، جاريد كوشنر مهندس الاتفاقات الإبراهيمية، توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، مارك روان الرئيس التنفيذي لشركة "ابولو" والمهندس المالي للمجلس، اجاي بانغا رئيس البنك الدولي، وروبرت غابرييل نائب كبير موظفي البيت الأبيض، بالإضافة الى المندوب السامي لغزة نيكولاي ميلادينوف، وقائد القوة الدولية في غزة الجنرال غاسبر جيفيرز ومستشارين اثنين للإدارة الإستراتيجية والعمليات اليومية وهما آريه لايتستون الذي ساهم في تأسيس مؤسسة غزة الإنسانية المتهمة بارتكاب مجازر بحق النساء والأطفال الفلسطينيين بينما كانوا يحاولون الحصول على طعام يسد رمقهم وسط الإبادة والحصار، وجوش غروينباوم وهو احد المشاركين في الخطة التي وضعت لغزة لتحويلها الى ريفيرا الشرق الأوسط وطرحها ترامب في شكل مبادرة ترسخ الاحتلال وتدافع عنه.

لم يشكل ترامب مجلس السلام لحل معضلة انسحاب جيش الاحتلال من غزة، ولا لإعادة إعمارها، بل لإبقاء الاحتلال وتنفيذ المخطط وفق ما يسعى له الكيان الصهيوني. فهذا مجلس يقوده الرئيس الأمريكي بصلاحيات مطلقة، يقف الى جانب الاحتلال في كل المفاصل، فلم يطالب بالانسحاب الصهيوني من قطاع غزة حسب ما تنص عليه خطة ترامب ذات العشرين بندا، إنما أيد وشجع السياسة الصهيونية في توسيع رقعة الأراضي التي تحتلها الدولة العبرية لما تبقى من جغرافية فلسطين وزاد سفير واشنطن في الكيان بتبني حلم الكيان في إقامة "إسرائيل الكبرى" التي تمتد من الفرات الى النيل، وهو حلم توراتي صهيوني قديم جديد. وهذه سياسة لا تقود إلى السلام وإعمار الأرض وعودة أصحابها بقدر ما تلبي حلم سيطرة تل أبيب على الشرق الأوسط برمته.