Menu

ذكريات رمضانية من القدس وأكناف بيت المقدس

موسى مراغة

نشر في مجلة الهدف العدد (80) (1554)

يتشبث الصبي الذي لم يكن قد تجاوز عتبات السنوات الست من عمره بذيل ثوب جدته ومتظاهرا البكاء راجيا إياها أن تتمهل في سيرها وهي تحث الخطى في أحد أسواق مدينة القدس . الزينة والمصابيح المضاءة وألعاب الأطفال في واجهات المحال وأجواء شهر رمضان أخذت بلب الطفل وعقله.

الزمان أواسط ستينيات القرن الماضي، والمكان مدينة القدس التي استقبلت لتوها شهر رمضان الكريم.

المدينة المقدسة ترفل بثياب البهجة والحبور مستقبلة الشهر الكريم. كيف لا وهي مدينة مسرى الرسول ومعراجه إلى السموات العلى. ومهبط الأنبياء والرسالات السماوية. شوارع المدينة ودروبها وأزقنها وأسواقها ومحلاتها التجارية تتزين بالفوانيس التقليدية التي تشتهر في رمضان وكذلك بالمصابيح الكهربائية والإعلام الزاهية التي تتزين بها الأزقة وأماكن التسوق.. إضافة إلى إنتشار أصوات الأناشيد والابتهالات التي تصدح بها آلات التسجيل التي انتشرت في المحلات.

وفي هذه الأيام ونحن نعيش نفحات شهر رمضان وأجواءه الروحانية الإيمانية تعود بي الذاكرة إلى ما قبل ستين سنه ونيف.

في سلوان قريتنا جارة القدس وحارسة الأقصى التي تقع على بعد رمية حجر من المدينة المقدسة. حيث ولدت وترعرعت وعشت بدايات الصبا حيث لا زالت ذكريات تلك الفترة تعيش وتقيم في القلب والروح والذاكرة. وبالأخص منها ما يتعلق بشهر رمضان.

وفي الأيام الاولى من ذلك الشهر الفضيل كنت كلما سنحت لي الفرصة أرافق جدتي لوالدي( الحاجة ام سعيد ) وبلهجة قريتنا أقول ( ستي ام سعيد ) طيب الله ثراها. في جولة في أسواق القدس لشراء ما يلزم من حاجيات من مأكل ومشرب.

كانت فرصة شائقة لصبي في مثل سني أن يعيش ويشاهد تلك الأجواء العامرة بالبهجة والفرحة. خاصة المحال التي تعرض ما لذ وطاب من حلويات ومشروبات تشتهر في شهر رمضان وفي مقدمتها القطائف بالجبن أو الجوز. إضافة إلى أصناف أخرى مثل المشبك والكولاج والزلاببة والنمورة ولقمة القاضي. والكعك المقدسي الشهير..

وكانت أصوات البائعين تختلط ببعضها في المناداة على تلك الأصناف اللذيذة التي يسيل لها اللعاب. ناهيك عن أنواع المشروبات الطيبة مثل التمر هندي والخروب والسوس وقمر الدين...

الجدة أم سعيد تنوء تحت حمل السلة ( السبت) بلهجتنا والمثقلة بأنواع الخضار والبقوليات من نعنع وبقدونس وبندورة وبصل وفجل وخيار وخس وزهرة. إضافة إلى القطائف ومشروب الخروب اللذيذ.

الصبي يريد أن يتسكع لمدة أطول في هذه الأجواء الخلابة والمغرية للنظر والفرجة. ستي أم سعيد تحث السير للخروج من السوق وأنا أتمسك بذيل ثوبها خوفا من الضياع ومتجهين إلى باب العامود حيث موقف للحافلات التي ستنطلق إحداها للتو عائدة بنا إلى قريتنا سلوان. مع العلم بأنه لولا هذه الأحمال التي تكفلت بها الجدة. لكنا عدنا إلى سلوان سيرا على الاقدام.

بالتأكيد كان كل الحق معها بالاستعجال لأن الوقت يمضي بسرعة وقد قارب العصر بقليل. ويجب الوصول إلى البيت في الوقت المناسب للبدء بإعداد وجبة الإفطار.

ولعل اللحظات التي تسبق آذان المغرب كان لها مذاق خاص. فكل الأذان تنصت لصوت المقرأ الذي يصل عبر المذياع الذي كان يتصدر غرفة (جدي أبو سعيد ) رحمه الله والعيون تيمم شطر المسجد الأقصى لسماع مدفع الإفطار الذي كنا نرى أولا لمعان برق إنطلاقه. ومباشرة كان يصل الصوت بوضوح إلى سلوان والقرى القريبة ..

ومن الذكريات التي لن تغيب عن البال في رمضان (المسحر) تلك الشخصية كانت لغزا بالنسبة لي. كان يظهر في فجر ليالي رمضان. ويختفي مع نهاية الشهر الكريم. كنت انتظر مروره في حارتنا وألقي النظر من النافذة التي تطل على الطريق التي كان يسلكها كل ليلة من أمام ببت العائلة. وهو البيت الذي كنا نقيم فيه مع الجد والجدة ووالدي والأعمام مجتمعين.

كنت انتظر قدوم المسحر وهو يقرع على طبلته مناديا الناس للاستيقاظ للسحور. وكان ينادي كل بيت باسم صاحبه. ولا أزال انتظر سماع المسحر حين ينادي: إصحى يا أبو سعيد .والنداء موجه إلى جدي(سيدى ابو سعيد).فاترك مكاني عند النافذة متوجها إلى مائدة السحور التي جهزت للتو.

ولعل يوم الجمعة في شهر رمضان له طقوسه الخاصة. ففي ذلك اليوم كنت أرافق سيدي أبو سعيد إلى الصلاة في المسجد الأقصى.

الجد أكمل لباسه التقليدي الجميل القمباز وبلهجة سلوان (الكبر).والحطة البيضاء ويعلوها العقال. وعلى عاتقه العباءة السوداء المقصبة.. وبيمناه عصاه التي كان يتوكأ عليها.. ويحمل تلك الساعة القديمة ذات الغطاء الفضي والمعلقة بسلسلة يضعها في جيب صدره. كنت أزهو بشخصية جدي الحنون العطوف، وبقامته الممشوقة الفارعة الطول. واختال فرحا وأنا أسير بجانبه.

يطلب مني الجد بأن أسرع بارتداء ملابسي لأننا سنبكر بالذهاب إلى صلاة الجمعة. حتى نصل مبكرين قبل إقامة شعائر الصلاة. ونحظى بسماع آيات من الذكر الحكيم من أحد الشيوخ المقرئين المشهورين في ذلك الوقت..

وقد جرت العادة في شهر رمضان أن يزور فلسطين والمسجد الأقصى أحد القراء المعروفين القادمين من الديار المصرية...من أمثال الشيوخ محمد علي البنا وأبو العينين شعيشع والطبلاوي والحصري وصديق المنشاوي وعبد الباسط ومصطفى اسماعيل.

كنت انتظر تلك الرحلة الجميلة من (حارة آل مراغة) في سلوان على أحر من الجمر. ذلك المشوار بالتأكيد سيرا على الأقدام. نزولا إلى ساحة بير أيوب مرورا برأس البستان وعين سلوان صعودا باتجاه المسجد الأقصى عبر وادي حلوة. لندلف باب المغاربة أحد أبواب سور القدس الشهير. ومنه إلى ساحات الحرم القدسي الطهور.. ويكون المكان غاصا بالمصلين القادمين من كل حدب وصوب. خاصة في شهر رمضان. وهي فرصة لكل المسلمين بشد الرحال إلى هذا المكان المقدس.

ولأن يوم الجمعة له خصوصيته وخاصة في رمضان. وكان هذا اليوم يتوج أحيانا بالإفطار في بيت جدي لوالدتي. التي كنا أنا وشقيقاي وشقيقاتي نذهب برفقتها إلى بيت الجد الذي كان خارج حارة آل مراغة. صحيح أن ذلك الجد توفي قبل ولادتي ولم أحظ بمعرفته. وبسبب ذلك الغياب كنا نطلق اسم بيت خالي محمد على بيت الجد رحمه الله ..وفي هذا المقام أذكر وضعا خاصا عشته في تلك الفترة وهي أن الله حباني بنعمة خاصة وفريدة، وهي أنني عاصرت ثلاث من الجدات في وقت واحد، وهذا لعمري حدث عظيم وجميل.

الحاجة أم سعيد جدتي لوالدي التي سبق ذكرها. والحاجة فاطمة جدتي لوالدتي. والحاجة صفية جدة والدتي..رحمهن الله. وهذه الأخيرة كانت أكثرهن حنانا وعطفا ومودة واهتماما بي . وهنا يجب أن أشير إلى أن الحاجة صفية رغم أنها في ذلك الوقت بلغت من العمر عتيا. الا انها كانت في قمة النشاط والحيوية. فهي كانت تزرع بستان لها ببعض المحاصيل البسيطة مثل الخس والسلق والفجل والثوم والبقدونس والنعناع والزهرة..وتحملها بعد الفجر في سلة على رأسها باتجاه باب العامود في القدس. وتبيعها هناك وتعود قافلة إلى سلوان دون أن تنسى أن تحمل لي بشكل خاص ما لذ وطاب من الأكلات الشهية والطيبة التي كانت تستهوي الصبية في عمري وعلى رأسها الكعك المقدسي الشهير. .

ومن ذكريات رمضان في قريتنا سلوان. تلك التي عشتها في مسجد القرية. حيث كنا كأطفال نلتزم في الشهر الكريم بحلقات لتعلم قراءة القرآن على يد مؤذن وخطيب جامع بير أيوب (الحاج عطا النيص) رحمه الله. والذي تعلمنا على يديه مبادئ القراءة الصحيحة المرتلة المجودة ومفاتيح اللغة العربية. وله أدين بالفضل بتعلقي منذ ذلك الوقت بالحب والاهتمام والإخلاص للغة العربية والمثابرة على قراءة القرآن حافظ اللغة وعنوان بقاءها وخلودها.

ومع توالي الأيام سرعان ما ينقضي شهر رمضان. والذي سيتوج بقدوم عيد الفطر السعيد. والذي كنا ننتظره كأطفال بفارغ الصبر والشوق. لما يحمل معه من بهجة وفرحة وسرور. فملابس العيد والعيدية وأكلات العيد ومشاريبه من الأمور التي لا تغيب عن البال..

وكان لا بد من مراسم خاصة لاستقبال الضيف الكريم عيد الفطر. فكان لزاما على أطفال حارتنا ذكورا وإناثا من أبناء العائلة ألا ننام تلك الليلة التي تسبق يوم العيد إلا ونقوم مجتمعين بتنظيف الحارة وكنسها لتكون على أحسن وجه لاستقبال العيد وزواره.

وفي الصباح نكون يثيابنا الجديدة بانتظار رجال العائلة العائدين لتوهم من صلاة العيد. للحصول على العيدية التي كانت تدخل الفرحة والسرور في قلوبنا نحن الأطفال.

مع هذه الشذرات من ذكريات كانت وستبقى عالقة في الذاكرة والباقية في الروح. لأنها تحمل نفحات شهر رمضان وما يتلوه من عيد وما يحمله من سرور وبهجة خاصة أنها ذكريات حملتنا إلى أرض الآباء والأجداد. حيث عشنا أيام طفولتنا ودرجنا على مرابعها، وكل يوم يحدونا الأمل بالعودة إلى تلك الديار. ولنعيش رمضان وفرحة العيد، وفرحة النصر والعودة إلى أرض فلسطين. فعلى تلك الأرض ما يستحق الحياة.