لا يزال دافعو الضرائب الأمريكيون ينزفون من تبعات الحرب التي خيضت نيابة عن الكيان الصهيوني في العراق، تلك الحرب التي رُوِّج لها للشعب الأمريكي بكل وقاحة على أنها ستكون بلا تكلفة، وأنها «ستموّل نفسها بنفسها» من خيرات العراق. لكن الحقيقة أنها دُفعت بدماء العراقيين والأمريكيين، وبمدنٍ مدمَّرة، وبديونٍ أمريكية متراكمة. أما «الديمقراطية» الموعودة فلم تكن سوى دولة منهارة، وفوضى إقليمية، وولادة مقاومة طبيعية وإرهابٍ غريبٍ وصل صداه إلى ما بعد العالمين العربي والإسلامي. ما سُوِّق له كحملة سريعة وحاسمة تحوّل إلى كارثة امتدت لعقدين بلا أفق للخروج. أُحرقت تريليونات الدولارات على أكاذيب صاغها صهاينة يضعون مصلحة «إسرائيل أولًا» في واشنطن، بينما أُجبرت أجيال من الأمريكيين - كثير منهم لم يولدوا بعد عند بدء الغزو - على وراثة الدَّين العام وفوائده والخراب الأخلاقي لتلك المغامرة.
النتائج الحقيقية لتلك الحرب لا تُقاس بالهزيمة وحدها، بل بقبور نحو خمسة آلاف أمريكي، وبالممرات الطويلة في مستشفياتٍ المليئة بجرحى قدامى المحاربين. وقبل أن تُسدَّد فاتورة الدم، نجح المحتال ذاته، مستخدمًا الأكاذيب نفسها، في جرّ الولايات المتحدة مرة أخرى إلى حرب جديدة صُنعت من أجل دولة الكيان، وهذه المرة ضد إيران.
لم تكن حرب العراق انحرافًا؛ بل كانت بروفة تمهيدية. ومع ذلك، لا يبدو أن إيران ستكون الفصل الأخير في قائمة الحروب الصهيونية. ففي الأسابيع الأخيرة أعلن رئيس وزراء الكيان السابق نفتالي بينيت أن تركيا هي التالية. دولة الاحتلال تعيش وتنتعش على حروب بلا نهاية، لكن من يدفع ثمنها ليس تل أبيب، بل الولايات المتحدة ، حروب لم تخترها أمريكا ولا تخدم مصالحها.
الدليل على أن هذه الحرب صهيونية بامتياز هو الاعتراف الذي لم يأتِ من طهران أو موسكو أو بكين، بل من وزارة الخارجية الأمريكية نفسها. ففي لحظة حقيقة غير مقصودة، أقرّ وزير الخارجية الأمريكي بأن توقيت الحرب لم يكن قرارًا أمريكيًا؛ بل حُدِّد في تل أبيب، وامتثلت له واشنطن. وقد انكشف ذلك بصورة فاضحة عندما وجدت الخارجية الأمريكية نفسها غير مستعدة أو غير قادرة على إجلاء عشرات الآلاف من مواطنيها من ساحة الحرب. وبينما كان سفراء الولايات المتحدة يسارعون لإخراج موظفيهم وعائلاتهم، أخبرت السفارات المواطنين الأمريكيين العالقين بأن حكومتهم لا تستطيع مساعدتهم، ونُصحوا بتدبير مغادرتهم بأنفسهم بعد أن كانت المطارات قد أُغلقت.
هذه ليست قضية إدارية؛ إنها فضيحة سيادية. دولة مستعدة للتضحية بأمن مواطنيها لأنها التحقت بحرب قررها طرف آخر. فالدولة التي تقرر موعد الحرب تُعدّ شعبها ودبلوماسيتها وخططها اللوجستية، أما الدولة التي تُساق إلى الحرب فتتصرف بعشوائية وتعلّق آمالها على الحظ.
إيران ليست الصورة الكاريكاتورية التي يرسمها دعاة الحرب في واشنطن. إنها دولة تمرّست على الصبر الاستراتيجي وحروب الاستنزاف. خلال الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت نحو ثماني سنوات، خاضت طهران حربًا طاحنة ضد خصمٍ أفضل تسليحًا. وعلى خلاف توقعات المحللين العسكريين الغربيين، صمدت. وفي مفارقة فاقعة، ارتكبت آنذاك «الخطيئة الكبرى» بشرائها أسلحة من دولة الكيان، لتقع في فخ الاستراتيجية الماكرة لتل أبيب التي سعت إلى إنهاك بغداد وطهران معًا. لذلك لم تتردد دولة الاحتلال في تسليح عدوها المفترض ما دام ذلك يخدم حساباتها في إطالة الحرب واستنزاف الطرفين.
هذا التاريخ ليس قضية عابرة. فقد أثبتت إيران مرارًا قدرتها على تحمّل الضربات وإطالة أمد الصراعات. وفي نهاية المطاف، وبكل الوسائل الممكنة، من غير المرجح أن تستسلم. وقد تكون إيران قد حضرت نفسها لحرب استنزاف طويلة تستهدف الاقتصاد العالمي؛ فلربما تلجأ طهران إلى إغلاق مضيق هرمز، شريان النفط الحيوي للاقتصاد العالمي. صحيح أن إيران تعاني اقتصاديًا منذ عقود تحت وطأة العقوبات، لكن هذا الضعف ذاته قد يحرر قدرتها على الرد من دون الأخذ بكثير من الاعتبارات التقليدية؛ فالدولة التي لم يعد لديها الكثير لتخسره تكون أكثر استعدادًا لإيلام الآخرين ولا سيما الاقتصادات الغربية والدول النفطية الريعية المجاورة التي تعتمد على استمرار تدفق صادرات الطاقة. وفي الوقت نفسه، فإن الفوضى الإقليمية وتورط الولايات المتحدة في حرب طويلة الأمد يشكلان البيئة المثالية لدولة الكيان التي تزدهر في ظلال الفوضى، كما تتكاثر الحشرات في المزابل.
وقد اقترح دونالد ترامب مرافقة ناقلات النفط في مضيق هرمز لضمان استمرار تدفق الطاقة. قد يبدو هذا الخطاب الاستعراضي مناسبًا لشاشات التلفزيون أو لطمأنة الأسواق المالية، لكن التاريخ يقدم دروسًا معاكسة. فقد جرت محاولة الأمر نفسه خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي وفشلت. ومؤخرًا فشلت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإسرائيل مجتمعة في إجبار دولة أصغر بكثير وأكثر فقرًا-اليمن- على فتح البحر الأحمر. فبعد أشهر من القصف والحصار والضغط البحري اضطرت واشنطن إلى التفاوض، وحتى بعد ذلك استمرت القوات اليمنية في منع السفن المرتبطة بدولة الاحتلال إلى أن تحقق وقف إطلاق النار في غزة.
المقارنة هنا مهمة. فالسواحل الواقعة تحت سيطرة أنصار الله في البحر الأحمر تمتد على ممر بحري واسع، أما مضيق هرمز فهو ضيق إلى درجة يمكن فيها رؤية الساحل المقابل بالعين المجردة في يوم صافٍ. بعبارة أبسط: إذا بدا البحر الأحمر في منطقة سيطرة الحوثيين كأنه نهر النيل، فإن مضيق هرمز أشبه بجدول ماء. هذه المساحة الضيقة تمنح إيران قدرة أكبر على التحكم بالحركة داخل المضيق، وتعرّض السفن الحربية الأمريكية لخطر أكبر.
غير أن السؤال الذي ترفض واشنطن حتى طرحه هو: كيف سيكون رد فعل الشعب الأمريكي عندما يدركون أنهم يخاطرون بأرواحهم وسفنهم واستقرارهم الاقتصادي إلى حد كبير لخدمة الأهداف الاستراتيجية لدولة الكيان؟ هذا ليس سؤالًا نظريًا، بل حساب سياسي واقتصادي مؤجل عمدًا. وبينما لا يزال الأمريكيون يتحملون كلفة الحروب السابقة التي صُنعت من أجل دولة الصهاينة، يُطلب منهم الآن تحمّل دين وطني جديد يقارب مئتي مليار دولار لتمويل حرب اختيارية جديدة صُنعت خصيصًا لخدمة دولة الاحتلال.
قد تكون الحروب المصممة من أجل دولة الكيان بدأت في العراق، لكنها لن تنتهي عند إيران. فهناك مخاوف من عمليات استفزاز أو «أعلام كاذبة» قد تُستخدم لتوسيع نطاق التصعيد وجرّ حتى دولٍ تُعد تقليديًا أقرب إلى الحياد، مثل عُمان، إلى المواجهة. فبالنسبة لدولة الكيان، لا يكتمل النصر إلا إذا نجحت في جرّ دول الخليج العربية إلى صدام مفتوح مع إيران، بما يرسّخ انقسامات قد تستمر أجيالًا. وحتى في حال تغيير النظام في طهران، فمن المرجح أن يبقى انعدام الثقة الإيراني تجاه العرب في الخليج راسخًا. ووفق هذا الحساب «تفوز» دولة الفصل العنصري ليس فقط في ساحة المعركة، بل بترسيخ عداء دائم بين إيران والعالم العربي، بما يضمن منطقة ممزقة على الدوام.
قبل أكثر من عقدين، جرى طهي الحرب غير الشرعية على العراق في أقبية البنتاغون على يد منظّرين يضعون «إسرائيل أولًا»، ثم سُوِّقت للشعب الأمريكي عبر إعلام مُدار وأكاذيب وأسلحة تضليل شامل. أما الحرب الحالية فهي، في بعض جوانبها، أكثر وقاحة. فقد تقرر شنّها في مكاتب وزارة الحرب في تل أبيب، ولم يتردد ترامب في الامتثال. إنها حرب اختيرت في مكان آخر، وحُدِّد توقيتها في مكان آخر، وتُخاض نيابة عن طرف آخر، حرب تخدم الأهداف الاستراتيجية لدولة أجنبية بينما تُخضع المصلحة الوطنية الأمريكية لأجندة جماعة «إسرائيل أولًا» في واشنطن. باختصار، تل ابيب تقرر الخراب والولايات المتحدة تدفع الفاتورة.

