Menu

أن تكون طفلاً في قطاع غزة!!

ديمة داوودي

نشر في مجلة الهدف العدد (80)(1554)

أطفال فلسطين اليوم هم نواة المستقبل الفلسطيني والعالم، لذلك يحارب الاحتلال أطفالنا قبل الكبار، تخيفه أصابعهم الصغيرة وصوتهم الصداح بالحرية المنشودة، المغروسة في خلاياهم، فكم من طفل حارب القهر والجوع والفقدان، لينجو وحيداً تحفظ ذاكرته كل ما شهدت عيناه، يدرك تماماً أن ذراع أمه لم تعد باستطاعتها مسح رأسه، ولم يعد والده يعلمه القتال فوق الركام، وحتى إصبعي أخيه لم يعودا يرتفعان عالياً بإشارة النصر!! وحده ناجٍ لا يحمل سوى تاريخٍ لن ينساه، فيما مُسح وجوده من السجلات، حَفظ النزوح مسير أقدامهم، حفظت الخيام أمنياتهم قبل أن يفتك بها البرد، أو الحمى الشوكية المنتشرة حديثاً التي تفتك بمن نجا من ويلات الحرب والخذلان تباعاً، أطفال يستشهدون برداً فتتجمد شرايينهم الرقيقة فيما بعضنا يشاهدهم على شاشات التلفزة وهو ينعم بالدفء والمعدة المتخمة، في حين تنقل الشاشة ذاتها مشاهد أطفال يبحثون عن لقمة طعام بين التراب، وأطفال آخرين تقتلهم إرهاصات الحرب ضمن خيام مهترئة في ظل انخفاضات غير مسبوقة وسرعة رياح تقتلعها أمام إصرار الاحتلال على منع المساعدات والمواد الأولية ما يجعل البيئة غير صالحة للحياة، لكن الطفل الفلسطيني يتمسك بحبال الغد ويجذبه إليه، آملاً أن يتخطى العجز المحيط به.

عجز يعانيه الأطباء فيموت الأطفال بين أيديهم، لقلة المعدات أو الأدوية وحتى إمكانية نقلهم للعلاج!!، كما حدث في مجمع ناصر الطبي!!، الذي يؤكد أن أمراض الجهاز التنفسي تفتك بالأطفال يومياً بسبب البرد الشديد والغذاء المعدوم والمياه غير النظيفة ومنع الاحتلال دخول أنواع التطعيم الخاص بالإنفلونزا، ما جعل الجهاز المناعي في حالة عوز شديد، ليبلغ عدد الأطفال خلال 48 ساعة 7 حالات مصابة بالحمى البكتيرية الشوكية الشديدة بإصابات غير مسبوقة قبل الحرب، ناهيك عن الألم الشديد الذي يعانيه الطفل المصاب في جسده ورئتيه ودماغه وإن لم يتجاوز عمره بضعة أشهر، وكأنها عقوبة يفرضها الاحتلال على الأطفال لمجرد ولادتهم في فلسطين!!

 

لكن في الواقع ليس أطفال فلسطين وحدهم من يعانون هذا العجز فنحن نعاني من عجز في الضمائر النائمة، إذ لا نتدخل ونظل في غفوة مدعاة، فأجهزة مناعتنا مصابة بحمى من نوع آخر هي "نقص في الكرامة"، لأن كرامة أخيك الإنسان من كرامتك، أطفال فلسطين في مثلث خطر ما زالوا يقاومون في محاولة للعيش أمام انهيار المنظومة الصحية التي خلقت بيئة خصبة لشبح الموت والاستشهاد، 60 طفلاً يصلون يومياً إلى عموم المستشفيات المتبقية في فلسطين، ولمن لا يعرف فالحمى الشوكية هي التهاب السحايا، أي التهاب الأغشية المحيطة بالدماغ والسائل المغلف له بالدرجة الأولى، أوجاع لا تقارن بصداع يدهمك فتركض لالتقاط حبتي مسكن، فيما أطفال رضع يأكل خلاياهم الخذلان قبل المرض، فهل ضميرك راضٍ أيها الأخ العربي الآن!؟