مع دخول حزب الله رسمياً في المعركة المفتوحة مع الكيان الصهيوني، عادت الأنظار لتتجه مجدداً نحو قراءة وضعية الحزب وقدرته الفعلية على خوض مواجهة جديدة، خاصة بعد نجاته من حرب مدمرة قبل نحو عام ونصف العام فقط. هذه العودة إلى المواجهة لم تكن مجرد تطور عسكري عابر، بل لحظة سياسية وعسكرية مفصلية أعادت طرح أسئلة كثيرة حول مستوى جهوزية الحزب، سواء على صعيد التسليح والتدريب، أو على مستوى بنيته التنظيمية والهيكلية الداخلية، ومدى قدرته على تجاوز آثار الحرب السابقة.
غير أن القراءة المتأنية لمسار المعركة منذ بدايتها تشير إلى أن حزب الله لم يدخل هذه الحرب بوصفه طرفاً جرى استدراجه إليها، بل بوصفه طرفاً قرر خوضها في توقيت محسوب بدقة. فالمتابع لتطورات الميدان يلحظ أن الحزب، خلال فترة صمت امتدت لأكثر من خمسة عشر شهراً، لم يكن في حالة جمود أو انتظار، بل كان يعيد بناء قدراته ويعيد تموضعه وفق رؤية جديدة تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات التي فرضتها الحرب السابقة، سواء على مستوى طبيعة المواجهة مع العدو أو على مستوى البيئة الإقليمية الأوسع.
لقد بدا واضحاً منذ اللحظات الأولى لانطلاق العمليات أن الحزب لم يكتفِ بإعادة ترميم نقاط الضعف التي ظهرت في الحرب الماضية، بل عمل على تطوير بنية عملياتية أكثر مرونة وقدرة على المناورة. هذه البنية الجديدة انعكست في طبيعة العمليات التي ينفذها مقاتلوه على طول الحدود، حيث برز مستوى عالٍ من التنسيق بين الوحدات الميدانية، إضافة إلى استخدام تكتيكات قتالية تجمع بين العمل الناري المباشر وبين العمليات الدقيقة التي تعتمد على الصواريخ الموجهة والطائرات المسيّرة الانقضاضية.
ومن خلال متابعة مسار الأحداث يمكن تسجيل ملاحظة أساسية، وهي أن الحزب هو الذي قرر ساعة الصفر وهو الذي بادر إلى فتح جبهة القتال. هذه المبادرة لم تكن مجرد رد فعل على تطورات ميدانية أو سياسية، بل تعبير عن قرار استراتيجي مبني على قراءة دقيقة لموازين القوى في تلك اللحظة. لذلك، لم يكن مستغرباً أن يظهر الكيان الصهيوني في الأيام الأولى من المواجهة بحالة من الصدمة الواضحة، انعكست في التخبط الذي طبع أداء قيادته السياسية والعسكرية.
فقد أظهرت العمليات التي نفذها مقاتلو الحزب مستوى عالياً من الكفاءة القتالية، سواء في استهداف تموضعات الجيش الصهيوني على الحدود أو في ضرب مواقع حساسة في عمق الكيان عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة. هذه العمليات لم تكن متفرقة أو عشوائية، بل جاءت ضمن نمط عملياتي متدرج يعتمد على الاستنزاف المنظم للقوات المعادية، مع المحافظة في الوقت نفسه على وتيرة تصعيد مدروسة تمنع العدو من استعادة زمام المبادرة بسهولة.
وبعد مرور أكثر من أسبوعين على بدء المعركة، لم يتمكن جيش الاحتلال من إخماد فوهة النار المفتوحة على تجمعاته العسكرية ومواقعه الحدودية. فبالرغم من التفوق العسكري الهائل الذي يمتلكه الكيان الصهيوني من حيث الإمكانات التقنية والنارية، إلا أن الوقائع الميدانية تشير إلى أن هذا التفوق لم ينجح حتى الآن في كسر قدرة الحزب على الاستمرار في القتال أو في تقليص وتيرة عملياته.
ولا شك أن التعتيم الإعلامي المفروض على مجريات المعركة يجعل من الصعب الإحاطة بكل تفاصيلها، إلا أن المؤشرات المتاحة، إلى جانب التصريحات المتناقضة الصادرة عن قادة الكيان السياسيين والعسكريين، تعكس بوضوح حجم الارتباك الذي يعيشه صانع القرار داخل الكيان الصهيوني. فالمتابع لتلك التصريحات يلحظ حالة من التخبط ومحاولات متكررة لإنكار الواقع الميداني الجديد.
ذلك أن مسار المعركة حتى الآن يكذب إلى حد بعيد الرواية التي حاولت القيادة الصهيونية ترسيخها طوال أكثر من عام، والتي كانت تقوم على الادعاء بأنها نجحت في توجيه ضربة قاصمة لحزب الله وأنه بات عاجزاً عن استعادة قدراته السابقة. غير أن المفاجآت التي كشف عنها الميدان، سواء من حيث حجم الترسانة المستخدمة أو مستوى التنظيم القتالي، دفعت القيادة الصهيونية إلى تبني خطاب إنكاري يحاول التقليل من أهمية ما يجري على الأرض.
في مواجهة هذا الواقع، لجأ العدو إلى اتباع سياسة الأرض المحروقة، عبر شن غارات مكثفة واستهداف واسع للمناطق السكنية في جنوب لبنان، الأمر الذي أدى إلى تهجير أكثر من مليون لبناني من قراهم وبلداتهم. هذه السياسة لم تكن مجرد رد عسكري، بل كانت أيضاً محاولة للضغط على البيئة الحاضنة للمقاومة، وإحداث شرخ بينها وبين الحزب عبر تحميله مسؤولية ما يجري.
غير أن هذه الحسابات لم تأتِ بالنتائج التي كان يأملها قادة الاحتلال. فبالنسبة لحزب الله، كان التهجير الواسع لأهالي الجنوب احتمالاً متوقعاً ضمن سيناريوهات المواجهة. بل إن الحزب يدرك أن البيئة الحاضنة تشكل جزءاً أساسياً من بنيان المعركة، وأن الصمود الشعبي يمثل في كثير من الأحيان ركيزة لا تقل أهمية عن القدرات العسكرية نفسها.
فالمعركة بالنسبة لهذه البيئة ليست مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل معركة كرامة ووجود، ورد اعتبار بعد سنوات طويلة من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة. ولهذا فإن كثيراً من أبناء الجنوب الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم ينظرون إلى ما يجري بوصفه مرحلة مؤلمة لكنها ضرورية في طريق تثبيت معادلة ردع جديدة مع الاحتلال.
أما الرهان الآخر الذي حاول العدو الاستثمار فيه، والمتمثل في الدفع باتجاه خلق تناقض داخلي لبناني عبر الضغط على الحكومة لاتخاذ إجراءات ضد حزب الله، فقد بقي حتى الآن في حدود الضغوط السياسية والإعلامية. فالحكومة اللبنانية، على الرغم من البيانات المتعددة التي تصدرها، تجد نفسها عملياً عاجزة عن تحويل تلك البيانات إلى إجراءات فعلية على الأرض، نظراً لتعقيدات الواقع اللبناني وحساسية التوازنات الداخلية.
وفي المقابل، يواجه المجتمع الإسرائيلي نفسه تداعيات متزايدة لهذه الحرب. فقد وجد عشرات الآلاف من المستوطنين الذين يقيمون في شمال فلسطين المحتلة أنفسهم أمام واقع أمني شديد القسوة، حيث باتت مناطقهم تحت تهديد دائم للصواريخ والطائرات المسيّرة القادمة من لبنان. ورغم خطورة هذا الوضع، فإن الحكومة الصهيونية لم تبادر إلى وضع خطة شاملة لإخلائهم، ليس لأن الحاجة الأمنية غير قائمة، بل لأن مثل هذه الخطوة ستفرض عليها أعباء مالية وسياسية كبيرة.
ومع ذلك، فإن الإخلاء يحدث فعلياً بشكل غير رسمي، حيث يغادر كثير من المستوطنين منازلهم بحثاً عن مناطق أكثر أمناً، الأمر الذي بدأ يتحول تدريجياً إلى عامل ضغط داخلي على الحكومة الصهيونية، التي تجد نفسها مضطرة للتعامل مع أزمة متنامية في الجبهة الداخلية.
وفي الإطار الأوسع، تبدو هذه المواجهة جزءاً من معركة إقليمية أكبر. فالحكومة الصهيونية تدرك أن صراعها مع الجمهورية الإسلامية في إيران يشكل جوهر المواجهة الاستراتيجية في هذه المرحلة. غير أن ذلك لا يعني أن جبهة لبنان منفصلة عن هذا الصراع، بل إن الوقائع الميدانية تشير إلى وجود مستوى واضح من التنسيق بين طهران والمقاومة الإسلامية في لبنان.
فمشاهد القصف المتزامن، والتكامل في طبيعة الأهداف العسكرية، تعكس بوضوح أن ما يجري ليس مجرد معارك متفرقة، بل جزء من مشهد إقليمي واحد تتداخل فيه الجبهات وتتقاطع فيه الحسابات. هذه الحقيقة تمثل تحدياً كبيراً للقيادة الصهيونية التي يبدو أنها لم تطور حتى الآن سيناريو واضحاً للتعامل مع حرب متعددة الجبهات بهذا الشكل.
ولذلك، فإن جزءاً من الخطاب السياسي والإعلامي الصهيوني يقوم على محاولة الفصل بين هذه الجبهات، أو التقليل من مستوى التنسيق بينها، في محاولة للحفاظ على صورة القدرة على السيطرة على مجريات الأمور. غير أن الوقائع الميدانية تبدو أكثر تعقيداً من تلك الرواية.
وفي نهاية المطاف، يدرك صانع القرار في الكيان الصهيوني أن لحظة الحسم في الحرب مع إيران، إذا ما وصلت الأمور إلى تلك المرحلة، ستفرض عليه أيضاً إعادة النظر في مسار المواجهة مع لبنان. فالحروب الكبرى في المنطقة نادراً ما تبقى محصورة ضمن حدود جغرافية ضيقة، بل غالباً ما تفرض توازنات جديدة تمتد آثارها إلى مختلف الجبهات المرتبطة بها.
عند تلك اللحظة فقط ستبدأ الصورة الكاملة للخسائر في الظهور، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو السياسي. فالحروب لا تُقاس فقط بما يجري في لحظتها، بل أيضاً بما تتركه من تداعيات بعيدة المدى على بنية المجتمعات والدول.
أما حزب الله، حين يكرر في خطاباته أن “القول للميدان”، فإنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن نتائج المعركة لن تُحسم عبر البيانات السياسية أو الحملات الإعلامية، بل عبر ما يفرضه الواقع القتالي على الأرض. فالميدان، في نهاية المطاف، هو الذي يكتب المعادلات الجديدة ويحدد ملامح المرحلة المقبلة.
ومن هذا المنطلق، يرى الحزب أن ما يجري اليوم ليس سوى بداية لمسار طويل من المواجهة، وأن الاحتلال الذي اعتقد أنه نجح في كسر إرادة المقاومة خلال الأشهر الماضية سيجد نفسه مضطراً في نهاية المطاف إلى دفع فاتورة مؤجلة لاعتداءاته المتكررة.
وفي الداخل اللبناني، تبدو الطبقة السياسية الرسمية وكأنها تتحرك خارج إيقاع هذه المعركة. فالكثير من مواقفها تعكس قدراً من قصر النظر، وكأنها تتعامل مع الحرب بوصفها حدثاً منفصلاً عن مستقبل البلاد السياسي والاقتصادي. غير أن الواقع يشير إلى أن مصير لبنان، كما مصير المنطقة بأسرها، سيتأثر بشكل مباشر بنتائج هذه المواجهة.
ولذلك، فإن زيادة عدد البيانات الرسمية أو تقليصها لن يغير كثيراً في مسار الأحداث. فطالما أن “القول للميدان”، كما تقول المقاومة، فإن الكلمة الأخيرة ستبقى لما يجري على الأرض، حيث تُرسم الحدود الحقيقية للقوة وتُكتب معادلات الردع الجديدة.

