Menu

اتساع حرب أمريكا بالوكالة: مضيق هرمز والأجندة الخفية لدولة الكيان

جمال كنج

بوابة الهدف

لم يكن الهجوم الأخير الذي شنّته دولة الكيان على حقل غاز بارس مجرد عمل عسكري، بل خطوة مدروسة بعناية لجرّ الولايات المتحدة إلى مستنقع تصعيدي أعمق، واستفزاز مواجهة مباشرة بين إيران ودول الخليج العربية. فمع الإعلان عن الغارة، حرص مسؤولو دولة الاحتلال على الإيحاء بأن العملية جرت بتنسيق وموافقة أمريكية، في محاولة متعمدة لربط واشنطن بالتصعيد منذ لحظته الأولى. لكن هذا الادعاء لم يصمد طويلاً؛ إذ سارع دونالد ترامب إلى نفي علمه، مطالباً - للمرة الثانية - بوقف استهداف منشآت الطاقة. وبعد ساعات فقط، خرج بنيامين نتنياهو ليؤكد أن الهجوم لم يتم بعلم الولايات المتحدة.

هذا التناقض الصارخ لا يمكن قراءته إلا في أحد اتجاهين: إما تضليل متعمد من مصنع أكاذيب دولة الكيان، أو توزيع أدوار محسوب يمنح ترامب هامش إنكار، لامتصاص قلق دول الخليج من استهداف بنيتها التحتية الحيوية وهو استهداف قد يفتح الباب أمام رد إيراني مماثل يهدد الاقتصاد العالمي بأسره.

إن ضرب هذا المرفق الغازي الاستراتيجي لم يكن صدفة، بل اختيار محسوب لإشعال فتيل مواجهة أوسع. فهو جزء من عقيدة راسخة لدى دولة الاحتلال تقوم على إدارة الفوضى، لا إنهائها، وتغذية التوترات الإقليمية كوسيلة دائمة لإعادة تشكيل موازين القوى. وفي هذا السياق، لم يتردد نتنياهو في استغلال التصعيد للترويج انتهازياً لفكرة تقديم دولة الكيان كممر بديل لتجاوز مضيق هرمز، في محاولة لتحويل الأزمة إلى مكسب جيوسياسي.

لكن تداعيات هذا النهج تتجاوز حدود المواجهة العسكرية. فأي رد إيراني على الدول التي تستضيف قواعد أمريكية قد يشعل حرباً اقتصادية تهدد العالم، و تُربك أسواق الطاقة وتدفع الاقتصاد العالمي نحو اضطراب حاد، يعيد إلى الأذهان صدمة الانحسار الاقتصادي الذي نتج عن قرار حظر النفط بعد حرب 1973.

الأخطر من ذلك، أنه حتى لو افترضنا أن نتنياهو تصرّف بشكل منفرد، فإن الرسالة واضحة: قرار الحرب - نطاقاً و توقيتا - لم يعد في واشنطن. فتصريحه بأن “الحرب البرية أصبحت ضرورة” لم يكن مجرد توصيف، بل توجيه ضمني للرئيس الأمريكي الذي سارع إلى دعوة قوافل مشاة البحرية إلى التوجه إلى منطقه الخليج العربي، كاشفاً خللاً عميقاً في ميزان القرار بين الحليف والتابع.

مرّة بعد أخرى، تتكرّس حقيقة أن هذه ليست حرباً أمريكية، بل حرب نتنياهو أولاً وأخيراً. فهو من يخطط ويرسم، ويمسك بخيوطها، بينما يبدو ترامب عاجزاً عن التحكم في مسارها أو حتى توقيت نهايتها.

ويبقى السؤال الجوهري: كيف تمكّن نتنياهو من جرّ ترامب إلى هذه الحرب؟

الجواب يكمن في مزيج معروف: المال والنرجسية. فترامب تحرّكه حسابات الربح، لكنه يُقاد بالإطراء. تضخيم الذات، واستعراضات الإعجاب، هي مفاتيح التأثير عليه وهي أدوات أتقن نتنياهو استخدامها بمهارة. وليس مستبعداً أن يكون، بدفع من السيناتور ليندسي غراهام، قد أقنع - أو ضلّل - ترامب بفكرة أن اغتيال القيادة سيؤدي إلى انهيار سريع للحكومة الإيرانية، ما فتح الباب أمام حرب بلا إعداد كافٍ ولا رؤية استراتيجية أمريكية مستقلة.

ما نشهده اليوم يعيد على التأكيد بأن هذه الحرب صممت لخدمة أجندة دولة الكيان بالدرجة الأولى. فهي مدفوعة بنخبة أمريكية تضع دولة الكيان فوق المصالح الوطنية، مدعومة بتيارات صهيونية مسيحية ذات نزعة مهدوية، تعمل منذ عقود على دفع الولايات المتحدة نحو صراعات مفتوحة. وعليه عمل ترامب على تهميش تقديرات قادته العسكريين لصالح اندفاعات وزير حربه الأحمق.

غير أن الخطأ لم يكن في الحسابات فقط، بل في فهم طبيعة القوة نفسها. فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تصنع نصراً بذاتها. هذه بديهة يدركها القادة العسكريون المحترفون، لكنها تغيب عن الساسة المندفعين. فبدون استراتيجية واضحة، وأهداف محددة، وتقدير واقعي للعواقب، تتحول القوة إلى عبء، وتتحول الحروب إلى مستنقعات تستنزف الدول كما حدث مراراً في مغامرات أمريكا التي خيضت خصيصا لخدمة دولة الاحتلال.

هذا وقد يتحول مضيق هرمز إلى نسخة حديثة من “فخ السويس”، حيث بدأت الإمبراطورية البريطانية أفولها. فالمضيق، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي، ليس مجرد ممر مائي، بل نقطة تتحكم باقتصاد العالم. وأي قائد مسؤول يدرك أن إشعال حرب في هذا الموقع يعني توقع كل السيناريوهات خاصة الردود الانتقامية على القواعد والحلفاء والممرات الحيوية. لكن ما نشهده هو العكس تماماً: ارتباك، تخبط، وإدارة أزمة وكأنها مفاجأة، رغم أنها نتيجة مباشرة لقرارات محسوبة. إن الرئيس الذي وعد شعبه بإنهاء “الحروب التي لا تنتهي” وخاض حملته الانتخابية على خفض أسعار الوقود، لا يمكنه الادعاء بجهل هذه الحقائق الأساسية.

ويتجلى ذلك بوضوح في سيل التصريحات المتناقضة والمبالغ فيها لترامب بشأن مضيق هرمز. فقد تأرجحت تصريحاته بين ثقة مصطنعة وقلق واضح، كاشفة غياب استراتيجية متماسكة ونمطاً من ردود الفعل الارتجالية. ففي البداية، لمح إلى أن البحرية الأمريكية قد ترافق ناقلات النفط. وعندما رأت البحرية أن ذلك محفوف بالمخاطر، دعا الناقلات إلى “إظهار بعض الشجاعة” وعبور المضيق.

ثم جاء تحول آخر، حيث طلب ترامب من دول أخرى إرسال سفن حربية لتأمين الممر. وبعد أن وجد نفسه في مأزق لم يكن مستعداً له، سعى إلى تحميل الآخرين تبعات الحرب. إلا أنه ورغم التهديدات الضمنية لدول الناتو وغيرها، فقد رفضت معظم الدول طلبه. حيث أعلنت دول مثل ألمانيا، وإسبانيا، وأستراليا، واليابان، والمملكة المتحدة، وفرنسا، والصين، والهند، وإيطاليا صراحة عدم المشاركة. ويكشف هذا الرفض أن هذه الدول، رغم اعتمادها الكبير على نفط الخليج، بأنها غير مستعدة للانجرار إلى حرب خُطط لها لخدمة مصالح استراتيجية لدولة أخرى.

وهذا الرفض لا يعكس فقط تحفظاً دبلوماسياً، بل قلقاً حقيقياً من أن خطاب ترامب التصعيدي جعل الحرب أكثر خطورة وأقل قابلية للتبرير بنظر حلفائه، خاصة وأن طلبه جاء بعد أشهر من تهميش وإهانة شركائه الدوليين، ما أضعف التحالف الذي يسعى الآن إلى إحيائه. وعندما فشلت كل هذه المحاولات، صرح ترامب أن المضيق “سيفتح نفسه بنفسه قي وقت ما”، قبل أن يعود ليؤكد أن على الدول التي تستخدمه أن تقوم بفتحه. وكان آخر مواقفه إنذاراً مدته 48 ساعة هدد فيه بـ“تدمير” البنية التحتية للطاقة الإيرانية. إن التذبذب في المواقف وتقلب الخطابات يعززان الانطباع لدى الكثيرين بغياب الكفاءة والارتجال في الوقت الذي يتتطلع فيه العالم لقيادات حكيمة.

ومن المهم للتذكير بأن المضيق أُغلق رداً على عدوان غير قانوني. فالحرب لم تبدأ بسبب إغلاق المضيق؛ بل أُغلق المضيق بسبب الحرب. وهذا التمييز يفسر لماذا رفضت العديد من الدول دعوة ترامب للانخراط فيما يُنظر إليه على أنه حرب نتنياهو.

إن الصراع حول تأمين مضيق هرمز - وسعي إسرائيل الواضح لتصعيد النزاع - يكشف خضوع الولايات المتحدة للاستراتيجية الصهيونية، ووجود فراغ كبير في صلب السياسة الأمريكية. وكما حدث في العراق، تتقدم أجندة دولة الاحتلال في زعزعة الاستقرار الإقليمي على المصالح الوطنية الأمريكية. وفي هذه الحالة أيضاً، لا يقتصر هدف الدولة الصهيونية على تفكيك القدرات النووية الإيرانية، بل يتعداه إلى تحييدها كمنافس محتمل لهيمنتها، عبر تدمير قدراتها العلمية والتقنية وتفكيكها إلى دولة فاشلة..

وفي نهاية المطاف، لا بد أن تصطدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية المتباينة. وكما حدث مع جورج بوش في العراق، فقد يكتشف ترامب - لكن بعد فوات الأوان - أنه انجرّ إلى حرب لم يفهم أبعادها، تاركاً الولايات المتحدة تدفع ثمن مشروع بناء دولة بعد تدميرها، لخدمةً أجندة خفية لدولة الكيان.