أعتقد أن الخطورة لا تكمن في الموقف السياسي بحد ذاته، بل بما يرافق هذا الموقف من تبرير أو خداع للذات لتسويقه؛ لأن عملية الخداع هي الأكثر استمرارية في الذاكرة الجمعية مهما بذل من جهد لتصفية الآثار المرتبطة بها.
يُمارس خداع الذات من قبل الفرد لرفض الحجج والأدلة المنطقية، كنوع من الهروب أو تبريراً للفشل أو العجز عن اتخاذ الموقف الصائب، تماماً كالخداع المجتمعي؛ لذلك يمارس التضليل الإعلامي بأقصى مدياته لتكريس معطيات خاطئة وإشاعة ثقافة "الفهلوة" وصولاً إلى خلخلة المناعة المجتمعية.
ضمن فهم ظاهرة الخداع الذاتي والمجتمعي، يمكن فهم عملية التحالف بين الأنظمة العربية والثنائي الأمريكي الصهيوني؛ ذلك أني لم أقرأ في التاريخ عن أمة وقفت مع عدوها ضد مقاومين يدافعون ويتصدون لهذا العدو.
هذا الموقف أعتقد أنه ليس وليد هذه اللحظة، بل تعود جذوره إلى السعي الأمريكي لخلق تحالف عسكري وأمني يضم دولاً عربية والولايات المتحدة والكيان الصهيوني، أو ما يعرف بـ "ناتو عربي". وقد جرى التمهيد له بإشاعة ما يعرف بـ "السلام الإبراهيمي"، والذي لا يعني سوى التخلي العربي الرسمي عن الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، كل ذلك من أجل مواجهة النفوذ الإيراني. هكذا نجحت أمريكا بحرف بوصلة الصراع من الخطر الصهيوني إلى ما يسمى بالخطر الإيراني.
لقد انبرى البعض لتبرير هذا الانحراف بأن لإيران مشروعها، وكأنه يكتشف العجلة! نعم، لإيران مشروع، ول تركيا مشروع، وللكيان مشروعه، ولكن القضية تكمن أولاً في أنه شتان بين المشروع الصهيوني الاستعماري الإحلالي والتوسعي، والمشاريع الأخرى الإيرانية أو التركية.
والمشكلة الثانية هي غياب المشروع العربي، وهذا الغياب هو الذي يقود إلى حالة المتاهة العربية. فعندما كان للعرب مشروعهم بقيادة عبد الناصر، سرعان ما خلقت أمريكا مع نفس هذه الأنظمة أحلافاً كحلف بغداد والحلف الإسلامي تحت ذريعة محاربة الشيوعية والنفوذ السوفيتي. وكان هناك من يُنظّر ويكتب لصالح هذه الأحلاف، تماماً كما يمارس البعض تبريره للتحالف مع أعداء الأمة اليوم.
هذه الحرب من أكثر الحروب خطورة وانعكاساً على مصالحنا الوطنية والقومية؛ لذلك يظهر من بين ظهرانينا أكثر من "غوبلز" يسوقون لأكبر عملية خداع للذات وللمجتمع، كل ذلك من أجل مكاسب ذاتية.
فالحذر الحذر.

