نرفع القبعات لحزب الله قيادة ومقاتلين ، وهو يصنع ملحمة عسكرية تاريخية على مدى أكثر من 28 يوماً ، تستدعي تدريسها في الكليات الحربية ، على النحو الذي صنعته معركة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 ، من زاوية المفاجأة الاستراتيجية التي حققها في الثاني من مارس/ آذار الجاري عندما افتتح الهجوم على مستوطنات الجليل والجولان برشقة صاروخية ، كضربة افتتاحية هجومية إيذانا بدخوله الحرب لوضع حد للعدوان الإسرائيلي ، الذي لم يتوقف منذ وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024 الذي تجاوز كل الحدود بدعم من لجنة الميكانيزم الأمريكية الفرنسية .
والحزب لم يفاجيء العدو الصهيوني وحده، الذي راح يتبجح على لسان نتنياهو بأن سلاح الجو الإسرائيلي دمر معظم بنية الحزب العسكرية والصاروخية ، بل فاجأ الحكومة اللبنانية وقوى الانعزال الطائفية المرتبط بعضها مع الكيان الصهيوني ، حين راحت تفرك يديها فرحا وهي ترى قوات لاحتلال تدمر قرى الجنوب والضاحية في عمليات يومية ، وهي تقتل بالمسيرات كوادر وأعضاء حزب الله ، وراحت تتندر على رفض حزب الله تسليم سلاحه تنفيذاً لقرار الحكومة اللبنانية في الخامس من أغطس / آب الماضي بتجريد الحزب من السلاح .
الصبر الاستراتيجي
لقد مارس الحزب صبراً استراتيجياً يحسد عليه ، وهو يتلقى الضربات العسكرية الصهيونية يومياً من دماء كوادره وحاضنته الشعبية (أولاً) وهو يواجه (ثانياً) المؤامرات من الرئاسة والحكومة اللبنانية التي أصرت على تجريد حزب الله من السلاح ، رغم أن قرار وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر نص فقط على خروج قوات المقاومة من منطقة جنوب لبنان ،حيث التزمت المقاومة بذلك في حين لم يلتزم العدو بذلك ونفذ ما يزيد عن (11) ألف خرق للأجواء والأراضي اللبنانية في حين لم تمارس الحكومة أي فعل حقيقي دبلوماسي أو غيره لوقف العدوان .
وراحت حكومة نواف سلام تروج لموقف المبعوث الأمريكي توماس براك، بأن وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، مرهون بتجريد حزب الله من سلاحه ، متجاهلةً عن عمد حقيقة أطماع الكيان الصهيوني المعلنة في لبنان وسورية والأردن و مصر والعراق ،التي تحدث بها علنا نتنياهو في إطار مشروع ( إسرائيل) الكبرى ، والتي أكدها سفير الولايات المتحدة في الكيان الصهيوني.
لم يأبه الحزب للانتقادات وعمليات التندر على عدم رده على الاعتداءات على عناصره وعلى حاضنته الشعبية في الجنوب والضاحية والبقاع ، وأدار الأزمة مع الحكومة للبنانية باقتدار لأنه كان مشغولاً بما هو أهم ، من زاوية إعادة بناء نفسه عسكرياً وتنظيمياً ، والحصول على ذخائر وأسلحة جديدة متطورة ، وإغلاق الثغرات الأمنية القاتلة، التي أدت ارتقاء سيد المقاومة ونائبه وقيادات الصف الأول العسكرية في الحزب ، والبناء على المنجزات العسكرية التي حققها في منازلة أولي البأس (61) يوماً التي أذاق فيها العدو مر الهزيمة سواء في معارك الحافة في الجنوب أو في قصف كافة أرجاء الكيان بصواريخه المتطورة .
التزامن في إطلاق الصواريخ وتكامل العمليات
من الضروري الإشارة هنا أن الحزب هو الذي بدأ الهجوم الاستراتيجي على الكيان الصهيوني ووضع العدو من اللحظة الأولى في موقع الدفاع ، ما أوقع العدو في ورطة عسكرية وسياسية بعد أن كشف الحزب عن قدرات وخطط عسكرية متقدمة ، حيث راحت المعارضة الإسرائيلية والأوساط الإعلامية وقيادات المستوطنين في الجليل الأعلى والغربي توجه سهام والنقد والتجريح لبنيامين نتنياهو الذي مارس الكذب والتضليل، عبر تصريحاته المتكررة بأنه أخرج الحزب من الخدمة وأنه دمر معظم قدراته العسكرية والصاروخية إلخ.
بعد الضربة الافتتاحية الصاروخية للحزب في الثاني من مارس / آذار الجاري تناوب الحزب مع حليفه الاستراتيجي ( جمهورية إيران الإسلامية)على قصف كافة مواقع العدو الاستراتيجية بمئات الصواريخ الباليستية ، وبتنا نشهد تزامناً بين القصف الصاروخي للحزب، مع صواريخ إيران الاستراتيجية ، في إشارة إلى أن غرفة عمليات للمقاومة الإسلامية على تماس وتنسيق يومي مع غرفة عمليات الحرس الثوري الإيراني، ما أربك العدو وجبهته الداخلية لدرجة أن أكثر من ستة ملايين من المستوطنين لم يغادروا الملاجيء منذ بداية الحرب في الثامن والعشرين من شباط/ فبراير الماضي.
ولم يكتف الحزب بضرب أهداف سبق وأن ضربها في معركة أولي البأس الأولى مثل مقر الاستخبارات الالكترونية (8200) ومقر وزارة الحرب الإسرائيلية في تل أبيب، وقواعد حيفا الجوية والبحرية، مقر وزارة الحرب (الكرياه) وثكنة الاستخبارات في تل أبيب، وقواعد حيفا البحرية والجوية، وقاعدة داود شمال صفد، وقاعدة تيفن شرق عكا، وقاعدة إلياكيم، بل تعداه إلى توجيه ضربات ساحقة لمعظم مصانعه العسكرية وعلى رأسها مصنع رفائيل، وتوجيه ضربة قاصمة للكيان الصهيوني بإطلاق صواريخ نقطوية لمحطّة الاتّصالات الفضائيّة، التابعة لشعبة الاتّصالات والدفاع السيبراني في "جيش" الاحتلال الإسرائيليّ بتاريخ (10) مارس / آذار في وادي إيلا جنوب تل أبيب، على مسافة 160 كيلومتر عن خط الهدنة مع لبنان، وطالت محطة الرملة لقيادة الجبهة الداخلية على مسافة 125 كيلو متر من خط الهدنة.
أما مستوطنات الجليل الأعلى والغربي والأعلى وإصبع الجليل جرى قصفها بصواريخ غراد والماس والكورنيت ، ما أجبر المستوطنين في مستوطنات الطلة وكريات شمونة ومسكفعام وغيرها إلى مغادرتها باتجاه مناطق الوسط في الكيان الصهيوني .
واللافت للنظر أن الهجمات الصاروخية الإيرانية على الكيان الصهيوني، وعلى القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة، باتت تتكامل مع الهجمات الصاروخية للمقاومة الإسلامية لدرجة أن الهدف المركزي المحدد تلقى ضربات تدميرية من الطرفين ، كما حصل – على سبيل المثال – لا الحصر في قصف محطة الاتصالات الفضائية في بيت شيمش ، من قبل الحرس الثوري في اليوم التالي في 11 مارس/ آذار الجاري.
تكتيكات عسكرية في خدمة الانتصار
أدار الحزب المعركة منذ دخوله الحرب في الثاني من مارس / آذار الماضي بتكتيكات قتالية جديدة ، تختلف عن تكتيكات معركة أولي البأس التي استغرقت 61 يوماً قبل وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/ 2024 ، بعد أن حقق مفاجأة نوعية ، تمثلت في قدرة قوات الحزب على الكمون والإختفاء في الأنفاق لمدة 15 شهر في مختلف القرى جنوب الليطاني، حيث فوجئ العدو بأن ضرباته المتلاحقة لقرى الجنوب، بعد وقف إطلاق النار في نوفمبر الماضي، لم تفرغ الجنوب من مقاتلي الحزب ، وأن فرق الحزب العسكرية من الرضوان وعزيز وغيرهما لا زالت على أهبة الاستعداد ، لمواصلة الحرب من النقطة التي انتهت إليها.
تمثلت تكتيكات الحزب فيما يلي :
أولاً :تكتيك حرب العصابات
حيث جرى فرز وحدات صغيرة من فرقة الرضوان وغيرها لتقاتل ضمن تكتيك حرب العصابات في سياق لا مركزي ، في كافة قرى الجنوب من رأس الناقورة على البحر المتوسط في الغرب وحتى مزارع شبعا ومرتفعات جبل الشيخ من الشرق .
وهذا التكتيك مكّن المقاومة من توظيف جغرافيا الجنوب الوعرة ، لإلحاق أكبر الخسائر في صفوف العدو من خلال الضرب المفاجئ لآليات العدو وقواته الراجلة ثم الاختفاء بزمن قياسي ، ومن ثم معاودة الكر والفر ، ما خلق حالة إرباك في صفوف العدو ، وحال دون إمكانية تثبت قواته في أي نقطة من قرى النسق الأول والنسق الثاني .
وقيمة هذا التكتيك أنه يوقع أكبر الخسائر في صفوف العدو ،على صعيد القتلى والجرحى وعلى صعيد مجازر الدبابات ، دون أن تلحق بمقاتلي المقاومة خسائر تذكر ، وهنا نذكر بإنجازات هذا التكتيك على سبيل المثال لا الحصر ، يومي 25 و 26 مارس/ آذار 2026 في بلدات الخيام والطيبة ومارون الراس والقوزح والقنطرة والطيبة غيرها من البلدات الجنوبية.
في يوم 25 مارس تم إنجاز ما يلي :
- تدمير أكثر من ٢١ دبابة ميركافا وإصابة مركبات عسكرية أخرى و٤ جرافات D9 على الأقل/ إيقاع عشرات القتلى والجرحى في تجمعات جنود العدو الاسرائيلي/ إجبار مروحيات عسكرية إسرائيلية على التراجع بعد استهدافها بصاروخ أرض-جو أثناء محاولة إجلاء جرحى/ قصف مدفعي مكثف على تجمعات وآليات في القوزح
وفي يوم 26 مارس / آذار تم إنجاز ما يلي :-
- تدمير 31 دبابة ميركافا بشكل مباشر باستخدام الصواريخ الموجهة والمسيرات الانقضاضية/تعطيل جرافات D9 مما يعيق هندسة التقدم وفتح الطرق / تدمير أكثر من 34 استهدافا لتجمعات الجنود والآليات/ 6 اشتباكات مباشرة بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة / 22 عملية بمسيرات انقضاضية / استهداف مروحيات إخلاء وإجبارها على الانسحاب.
وخلال 24 ساعة واحدة فقط يوم 26 مارس ، نفذ مجاهدو المقاومة الإسلامية 94 عملية عسكرية نوعية، بمعدل يقارب أربع عمليات كل ساعة، أي عملية تقريبا كل 15 دقيقة ، وهذا الإيقاع الناري المتواصل لم يترك للعدو أي هامش لإعادة التنظيم أو التقاط الأنفاس، وفرض ضغطاً دائماً على كامل خطوط التماس والعمق.
وهذا التكتيك – حسب بيان المقاومة الإسلامية - في الثامن والعشرين من شهر مارس/ آذار الماضي – أسفر عن إصابة وتدمير (100) دبابة بعد (30) يوماً من بدء الحرب.
ثانيا: تكتيك المزج بين القتال العصابي والقتال الكلاسيكي
مارس الحزب المزج بين تكتيك القتال العصابي والقتال الكلاسيكي (المواجهة) في بعض النقاط الاستراتيجية مثل بلدة الخيام والطيبة – التي حصلت فيهما مجازر للدبابات - لتعطيل تحرك فرق العدو العسكرية ، وللحيلولة دون تثبت قوات العدو وإمساكها بالأرض في قرى النسق الأول والنسق الثاني جنوب الليطاني، بحيث تغرق قوات العدو وآلياته في مستنقع الكمائن القاتلة رغم توغل العدو بضعة كيلومترات في قرى الجنوب .
والمزج بين القتال العصابي والكلاسيكي في بلدتي الخيام والطيبة يكتسب أهميته من موقعيهما الاستراتيجيين ، فبلدة الخيام الواقعة في القطاع الشرقي بجنوب لبنان، تمتاز بموقع استراتيجي حاكم يشرف بشكل مباشر على سهل مرجعيون، ومستوطنة المطلة، ومناطق واسعة من الجليل والجولان ، وتطل على الممرات الحيوية التي تربط جنوب لبنان بالبقاع، مما يجعلها نقطة ارتكاز عسكرية لمراقبة التحركات والتحكم بخطوط الإمداد
أما بلدة الطيبة (قضاء مرجعيون)، تتميز بموقع إستراتيجي مرتفع (حوالي 725 متراً عن سطح البحر), تشرف البلدة على مجرى نهر الليطاني، وتحديدا مناطق كفرتبنيت، وتعتبر نقطة مراقبة طبيعية في القطاع الشرقي والأوسط للمنطقة الحدودية.
ثالثا :تكتيك إطلاق الصواريخ المتطورة ذات النكهة الاستراتيجية
لقد راكم الحزب على عملياته النوعية الصاروخية في معركة أولي البأس ، من حيث طبيعة الأسلحة الصاروخية والمسيرات القتالية ، وعدد الإطلاقات ، وعدد الأهداف ونوعيتها .
ومن خلال رصد الإطلاقات الصاروخية للمقاومة الاسلامية ، يمكن الجزم أن معدل الاطلاقات اليومية على الكيان الصهيوني ( 100) هجمة صاروخية ، 60 منها في عمق الكيان الصهيوني ومستوطنات الجليل ، و40 في المائة منها على قوات العدو في جنوب لبنان ، هذا كله عدا عن استخدام سلاح المسيرات الانتحارية .
وصواريخ الحزب في هذه المواجهة الكبرى أكثر تطوراً من تلك التي استخدمت سابقا ، فهي صواريخ باليستية ذات قدرة تدميرية هائلة أصابت وتصيب يومياً قواعد العدو العسكرية وصناعاته العسكرية ، ومنشآته الاقتصادية والنفطية ، ناهيك أن مداياتها باتت تصل إلى أبعد النقاط في الكيان الصهيوني (200 كيلومتر – مستوطنات غلاف قطاع غزة ) .
خلاصة:
في ضوء ما تقدم نشير إلى ما يلي :
1- أن تكتيك حرب العصابات الذي يمارسه حزب الله في الجنوب قادر على إفشال إقامة منطقة عازلة في الجنوب وحتى الليطاني.
2- أن ترابط جبهة جنوب لبنان مع الجبهة الإيرانية ، سيجبر العدو - وفق شروط مرشد الثورة الإيرانية مجتبى خامنئي - على الانسحاب من جنوب لبنان ووقف عدوانه على لبنان في أي تسوية بين إيران والولايات المتحدة.
3- أن انتصار المقاومة الإسلامية في إطار وحدة الساحات، سيفشل التوجه التطبيعي لحكومة نواف سلام مع العدو الصهيوني ، وسيجبرها على التراجع عن قرارها بنزع سلاح حزب الله .

