Menu

دبلوماسية الحرب بين الضغط والتسوية: دور الوساطات الإقليمية في إنهاء الحرب الأمريكية – الإيرانية

د. إبراهيم يوسف عبيد

بوابة الهدف

تُعَدّ "دبلوماسية الحرب" التي تقوم على توظيف أدوات القوة الصلبة بغية تحقيق أهداف سياسية دون الانزلاق إلى حرب شاملة من المفاهيم الإشكالية في حقل العلاقات الدولية.

في الحالة المتأزمة بين الولايات المتحدة وإيران، تبرز هذه الإشكالية بوصفها إطارًا تحليليًا مهمًا لفهم كيف يمكن للضغط العسكري أن يتحول إلى وسيلة تفاوضية، لا مجرد أداة صدامية.

تنطلق دبلوماسية الحرب من فرضية أساسية: إظهار القدرة على إيذاء الخصم، ولو بشكل محدود، قد يدفع الطرف الآخر إلى إعادة حساباته. قد يقبل بذلك تسويات لم يكن ليوافق عليها في ظروف عادية. غير أن هذه الفرضية لا تنبثق في فراغ، بل تتقاطع مع متغيرات معقدة مثل: توازن القوى، وواقع البيئة الإقليمية، والاعتبارات الداخلية لكل دولة. ففي الحالة الأمريكية، تتداخل اعتبارات الأمن القومي مع ضغوط السياسة الداخلية، وفي الحالة الإيرانية، تنظر إيران إلى التهديدات الأمريكية الإسرائيلية في سياق سيادتها واستقلال قرارها السياسي.

هناك أمثلة من الواقع المعاصر تبرز نجاحاً نسبياً لهذا النمط من الدبلوماسية، تتمثل في نجاح الاتفاق النووي المعروف بـ "خطة العمل الشاملة المشتركة" الذي أبرمته إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق "باراك أوباما" مع إيران في 17 تموز/يوليو 2015م في العاصمة النمساوية فينا، بعد سلسلة طويلة وقاسية من العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية التي أسهمت- حسب اعتقادي- في دفع إيران إلى طاولة المفاوضات.

مثال آخر لنجاح دبلوماسية الحرب يتمثل في حل أزمة الصواريخ الكوبية في 28 تشرين الأول/أكتوبر 1962م، بعد أن بلغ التصعيد بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ذروته. ومع ذلك، أفضى التهديد المتبادل إلى تسوية جنّبت العالم حربًا نووية، من خلال تنازلات متبادلة حافظت على توازن الردع، تقضي بسحب الصواريخ السوفياتية من كوبا. وقد تعهدت الولايات المتحدة بعدم غزو كوبا وسحب صواريخها من تركيا سرًا، حيث كانت قد نشرت صواريخ نووية في تركيا، وهو ما اعتبره السوفيات تهديدًا لهم بحكم قرب حدوده من تركيا.

ومثال آخر مشابه، إذ أظهرت حرب أتشرين الأول/كتوبر 1973م بين مصر وإسرائيل كيف يمكن للإنجاز العسكري المحدود أن يعيد تشكيل موازين التفاوض، ومهّدت بالفعل نتائجها الطريق إلى اتفاقية كامب ديفيد 17 أيلول/سبتمبر 1978م، التي نقلت الصراع من ساحة الحرب إلى مسار التسوية السياسية.

كذلك، قدّمت أزمة كوسوفو التي نشأت نتيجة الصراع بين القوات الصربية وألبان كوسوفو عام 1999م، وانتهت في 10 حزيران/يونيو 1999م باتفاق الأطراف على انسحاب القوات الصربية، ونشر قوات حفظ السلام الدولية لإدارة كوسوفو وحماية المدنيين.

أيضاً، أظهرت حرب الخليج الثانية 1990-1991م كيف يمكن لحسم عسكري سريع أن يفرض واقعًا سياسيًا جديدًا يُجبر الطرف الخاسر على الانخراط في ترتيبات دولية لم يكن ليقبل بها سابقًا.

وفي مشهد الحرب الإيرانية - الأمريكية القائمة، تبرز إمكانية إدخال دور الوساطة الإقليمية، ولا سيما من قبل باكستان، بوصفها فاعلًا يمتلك علاقات متوازنة (نسبيًا) مع الأطراف المتحاربة. فباكستان ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته تحافظ على قنوات تواصل مع إيران بحكم الجوار الجغرافي والمصالح المشتركة. هذا الموقع الوسيط يمنحها قدرة على لعب دور "الوسيط المقبول" الذي يستطيع نقل الرسائل، وتهدئة التصعيد.

ومع ذلك، تبقى فعالية الوساطة الباكستانية مشروطة بعدة عوامل، من أبرزها :

  1. قبول الطرفين بدور الوسيط، وقدرته على الحفاظ على الحياد.
  2. عدم تعارض هذا الدور مع مصالح قوى إقليمية أخرى.
  3. محدودية النفوذ الباكستاني مقارنة بالقوى الكبرى؛ قد تحدّ من قدرتها على فرض حلول نهائية، لتبقى مساهمتها أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى حلها جذريًا.

باعتقادي، أن دبلوماسية الحرب ليست أداة حسم بقدر ما هي أداة لإدارة الصراعات المعقدة. فهي قد تُسهم في فتح قنوات تفاوض تحت ضغط القوة، كما أظهرت النماذج سالفة الذكر، لكنها في الوقت ذاته تنطوي على مخاطر الانزلاق إلى تصعيد غير محسوب. ومن ثم، فإن نجاحها في الحالة الأمريكية- الإيرانية يبقى مرهونًا بمدى قدرة الأطراف على الموازنة بين التصعيد والتهدئة، وتوظيف القوة كوسيلة لفرض الحلول وليس بديلاً عنها.