بدأ الكيان الصهيوني العدوان والحرب الشاملة بعد السابع من أكتوبر 2023 مستشعراً الأخطار التي تهدد وجوده بشكل مادي ملموس، فشرع بالذهاب إلى أبعد مدى في محاولة لتحقيق استراتيجياته الأمنية والعسكرية والديمغرافية المطلقة، وصولاً إلى تغيير جغرافية المنطقة وتشييد الحلم الصهيوني المتجسد بشعار "حدودك يا إسرائيل من النيل إلى الفرات"، لتكون قلب الشرق الأوسط "الجديد" أو "الكبير" الذي تسعى إليه أيضاً الولايات المتحدة الأمريكية ومعها الكيان الصهيوني منذ سنوات على أرضية الهيمنة والسيطرة المطلقة عليه، ومنع أي نفوذ دولي مثل الصين وروسيا وأي نفوذ إقليمي مثل إيران أو حتى تركيا للتمدد والتغلغل السياسي أو الأمني أو الاقتصادي.
عندما تحدد الإدارات الأمريكية سيما إدارة ترامب استراتيجياتها في غرب الكرة الأرضية والشرق الأوسط على قاعدة مصالح أمريكا أولاً ولا شيء يعلو عليها، فيجب فهم ذلك جيداً على أن الكيان الصهيوني جزء أصيل وعضوي في استراتيجية الولايات المتحدة لتعزيز هذه المصالح بأبعادها وأهدافها وغاياتها وأطماعها المختلقة.
رغم تماشي وأحياناً تماهي معظم الأنظمة العربية وخضوعها للإملاءات والضغوط وسياسة الابتزاز الأمريكية وكذلك الصهيونية، وعقد اتفاقات أمنية وعسكرية وتجارية وغيرها معهم، وليس آخرها الاتفاقات الإبراهيمية والتطبيع مع الكيان الصهيوني، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لتحقيق كافة الأهداف والمخططات العدوانية والاستعمارية، لذلك أعدّوا خططهم العسكرية بعد أن حسموا قرارهم بالحرب والهجوم على الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتدمير مقدراتها وتغيير النظام فيها نظراً لمواقفها الواضحة ضد سياسات واستراتيجيات الهيمنة الأمريكية والصهيونية وضد التطبيع، وكذلك دعمها وإسنادها لقوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية في مواجهة الكيان العنصري الصهيوني، ونضالها من أجل استرجاع وتحرير الأراضي العربية المغتصبة في فلسطين ولبنان وسورية.
حشدوا الأساطيل والمدمرات وأتموا كامل الاستعدادات للحرب والعدوان على إيران في الوقت الذي كانت عملية التفاوض غير المباشر قائمة بين أميركا وإيران واقتربت من تحقيق الاتفاق حسب تصريحات وزير الخارجية العماني الوسيط في المفاوضات بين الطرفين، يتكرر المشهد المخادع للمرة الثانية بعد العدوان الصهيو - أمريكي في يونيو/حزيران الماضي 2025 إلا أن إيران في المرّة الثانية كانت مدركة لسياسة الخداع الأمريكي فكانت يدها على الزناد مستعدة تماماً للمواجهة ومعركة الدفاع الاستراتيجي عن البلاد، وبنفس الوقت ترد على الإدارة الأمريكية وتهديداتها بأنها لن تستسلم وستدافع عن بلادها وشعبها حتى الرمق الأخير ولو تطلب ذلك ضرب كل القواعد الأمريكية في الدول المجاورة وفي البحار والمحيطات ولو تحولت الحرب إلى حرب إقليمية.
تماما كما هو متوقع بدأت أمريكا والكيان الصهيوني عدوانهما على إيران في فجر الثامن والعشرين من فبراير/شباط ولا زالت مستمرة حتى كتابة هذه السطور، وانفجرت الأوضاع في كل المنطقة وتعرضت القواعد ومراكز العمليات الأمريكية في دول الخليج وغيرها في الجوار، وكذلك القواعد البحرية للضربات الإيرانية، وهكذا انفجرت أيضاً أزمة الطاقة جراء ارتفاع أسعار النفط والغاز نتيجة المخاطر الناشئة عن الحرب في مضيق هرمز الحيوي للتجارة العالمية، وخاصة فيما يتعلق بالنفط والغاز باعتبارهما أهم مصادر للطاقة.
فشل الأمريكيون ومعهم الكيان الصهيوني حتى الآن من تحقيق أهدافهم المباشرة المتعلقة بإيران، والبعيدة المتعلقة بالصراعات الدولية مع الصين، أو تلك المتعلقة بروسيا رغم كل الدمار الذي لحق بإيران ولبنان أيضاً.
يبحث الأمريكيون عبر الوسطاء عن طريقة لوقف الحرب وحفظ ماء الوجه ويصرخ الصهاينة رغم عنصريتهم وفاشيتهم جراء الضربات المتتالية التي تسددها إيران والمقاومة اللبنانية على رؤوسهم مؤكدين عبثية الدفاعات الجوية وعدم جدوى نظريات الأمن الاستراتيجي.
يجب إفشال المخطط الاستعماري الخطير الذي يهدف إلى إعادة تشكيل الخرائط والجغرافية في المنطقة، وهذا ما يجب التنبه له، فبعد إيران سيكون الإستهداف أبعد وأعمق وأخطر من ذلك ليطال دول عربية وإقليمية أخرى تطال مصر والسعودية وسورية وربما تركيا والباكستان أيضاً، عدا عن المشاريع القائمة ومخططات الطرد والإقتلاع والتهجير التي تستهدف الفلسطينيين وخاصة في قطاع غزة والضفة الغربية و القدس ، وما يرسمه الكيان الصهيوني لابتلاع الأرض وضمها إلى سلطاته الفاشية، والتنكيل بالشعب الفلسطيني، ولعل القرار الأخير الذي رسمه مؤخراً "الكنيست" الصهيوني بالموافقة على إعدام الأسرى الفلسطينيين لدليل واضح على إغلاق أي أفق سياسي لحل القضية الفلسطينية، بل لدليل أكثر وضوحاً على استحالة التعايش مع الصهيونية المتجسدة مادياً وإيديولوجياً بعنصرية الكيان الصهيوني، إن وقف الحرب وعدم انهيار الدولة الإيرانية سيزيد المنطقة مناعة ضد الأخطار والأهداف الاستعمارية.
لا مجال أمام الفلسطينيين وقوى المقاومة في المنطقة إلا أن يتحدوا على أهداف الشعب الفلسطيني وحقه في العودة والاستقلال والحرية والكرامة ومواجهة التطبيع والتغلغل الصهيوني في المنطقة، ولا مجال أمام الدول العربية ودول الجوار إلا أن يتنبهوا لأخطار المشروع الأمريكي الصهيوني ومواجهته حفظاً للكرامة الوطنية والقومية ودفاعاً عن سيادة بلدانها وحقها في الحرية وتقرير مصير شعوبها وبناء مجتمعات العدالة والتنمية الازدهار.

