مع حرب أمريكا وإسرائيل الثانية على إيران في عام 2026م، أصبح هناك مأزق واضح في التوازن الجيواستراتيجي بين كفتهم والكفة الأخرى، والمشكلة ليست في حساب القوة العامة وتقديراتها لكفتهم أو حتى تمكنها من امتلاك أسلحة دمار شامل، المشكلة في الكفة الأخرى وغياب وعيها الجيوثقافي بأن الصراع في القرن الـ21 هو صراع في الجغرافيا الثقافية وكُتَلِها، وقدرة هذه الكفة على بلورة مشترك ثقافي جامع بين العرب والمسلمين، يتجاوز تعالقات القرن الـ20 وتوصيفاتها وتناقضاتها.
بمعنى أن العالم يواجه الآن إعادة إنتاج للمركزية الأوربية/ الغربية في أشكال نظرية جديدة ما بعد أيديولوجية بشكل ما، ومشكلة العرب والمسلمين الكبرى والتحدي الأعظم لهم الذي يفترضه هذا المقال هو تجمدهم عند تمثلات القرن الـ20 ومشاريعها، وعجزهم عن اقتناص الفرصة التي يتطلبها الواقع والوعي به والتحول إلى كتلة حضارية تُبرز مشتركها الثقافي، وتسكن التناقضات الثقافية وإرثها الثقيل.
الكتل الجيوثقافية ما بعد الأيديولوجية المركزية اليوم في العالم تنقسم ثلاثة، أولها مشروع الصدام الحضاري الأمريكي للهيمنة على حضارات العالم واستباق احتمالية صعود أحدها. وثانيها مشروع "الأوراسية الجديدة" الروسية التي تؤكد على صراع مركزي حضاري جديد بين شرق أوربا (ومعه أرض آسيا الملاصقة له) بثقافتها البرية المحافظة الأرثوذكسية، ضد غرب أوربا وثقافته البحرية المنفتحة البروتستانتية (التي مركزها حاليا انتقل إلى أمريكا). وثالثها هو مشروع "الحزام والطريق" الصيني الذي يحضر خلفه الحزب الشيوعي الصيني بتصوراته الكامنة والمحتملة عن شيوعية مركزية شمولية صينية الخصائص.
بينما واقع الأمر أن الملف العربي الإسلامي في تصوره لنفسه وأبنيته الجيوسياسية مازال متجمدا في الماضي وتناقضاته، حتى مع بروز مشروع "الصهيونية الإبراهيمية" وكيلا لـ"الصدام الحضاري" الأمريكي وسياساته الخارجية، وإعلانهم الصريح عن محو الهوية العربية الإسلامية لبلدان المنطقة، وفق مسمى جديد هو "الشرق الأوسط الجديد".
التناقضات والتحديات العربية الإسلامية ما تزال تعيش في الجغرافيا السياسية للقرن الـ20 وتصنيفاته الأيديولوجية القديمة، تأبى أن تمتلك الوعي لتجاوزها. ورثة "القومية العربية" يتمترسون في مواجهة ورثة "الخلافة الإسلامية" سواء في شكلها السني أو تصورها الشيعي الجديد، ويتمترس ضدهم ورثة "الملكية العربية"، ويتمترس ورثة "أيديولوجيا الماركسية" الأممية المفترضة في مواجهة الجميع.
التحديات والتناقضات عميقة لدرجة أن قوميّ العراق القديم مثلا في هذه الحرب، يرفضون البحث عن مشترك ثقافي وحد أدنى مع التصور الشيعي من إيران مستدعين ذكريات الماضي وصدامهم معهم، ودعاة "الملكية العربية" يدعون لتفكيك "جامعة الدول العربية" لأنها إرث "القومية العربية"، وبعضهم يصطف إلى جانب "الصهيونية الإبراهيمية" بحجة الصعود الذاتي وتصدر السردية العربية حتى ولو ذوبانا في الآخر واستلابا له. والبعض يتعالق في مشروع قديم للتطبيع تجاوزته أمريكا والصهيونية، والبعض الآخر مدمج هيكليا في حلف الناتو موزعا بين الانتماء الشرقي والانتماء الغربي، والبعض يرى العودة لأطروحات الأممية الشيوعية وشعاراتها القديمة.
أبرزت الحرب على إيران حاليا كم التحديات والتناقضات العربية الإسلامية التي بدلا من أن تبرز الوعي بفرص المشترك الثقافي الممكن، لإعادة رسم موازين القوة، أبرزت أكثر التناقضات الكامنة والتحديات التي على رأسها غياب مشروع وسردية كبرى جديدة جامعة، بين العرب والمسلمين الغارقين في تصورات الجغرافيا السياسية وتصنيفاتها القديمة، وأبرزت بقوة أكثر ضعف المثقف والمفكر العربي وعجزه عن طرح مشروع جديد للعمل المشترك، وتمترسه أيضا عند تصورات المثقف النقدي العمومي إرث القرن الـ20 بدوره، وليس المثقف التأسيسي القادر على التعبير عن كتلة جامعة في عموم "مستودع الهوية" العربي الإسلامي، وحاجتها إلى مشروع فكري وسردية سياسية جديدة.
التحديات واسعة وتشمل تباين نظريات الجغرافيا السياسية التقليدية وصدامها مع ضرورات الجغرافيا الثقافية والتأكيد على مشترك جامع، ومن مظاهر الجغرافيا السياسية وتحدياتها تمدد بعض تمثلات "الملكية العربية" في مرحلة ما بعد الثورات العربية، ليس بتصور يؤكد على مشترك جديد وسردية جامعة إنما بفكرة تفجير التناقضات لصالح السيطرة على الممرات والفرص التجارية مثلا في واحدة من الدول العربية شمال أفريقيا، وباستخدام تكتيكات تفجير التناقضات نفسها التي تستخدمها الصهيونية.. وفي هذا السياق يمكن القول إن هناك "محور إبراهيمي" يتشكل على مهل ويعادي دول "القومية العربية" القديمة التي يتبقى منها فقط مصر في منطقة دول الطوق، والجزائر في منطقة المغرب العربي.
دول "القومية العربية" القديمة وتحديدا مصر تحتاج لقرار في "سياساتها العليا" بضرورة تبني سردية جديدة والعمل عليها، فمشروعها القومي القديم تجاوزته بنفسها سياسيا واقتصاديا، وتقف في حيرة تجاه المستقبل. والتنوعات الثقافية في فضاء الذات العربية الإسلامية عموما أيضا تحتاج للوعي بأهمية وجود "كتلة حضارية جامعة" تعبر عن مصالحها الواقعية وتنوعها الثقافي، من داخل الفضاء ذاته دون أن تسعى لذلك تحالفا مع الآخر كما فعل البعض رابطا فرصه الذاتية بالتعالق مع مشروع "الصهيونية الإبراهيمية" مثلا.
التحديات لبروز كتلة جيوثقافية عربية إسلامية في إجمالها تشمل حالة من التعالق الثقافي وغياب طليعة ثقافية قادرة على تقديم قوة ناعمة جديدة ومشروع ثقافي طليعي مبتكر، يفك التعالق مع مشاريع الغرب الأيديولوجية التي أنتجها القرن الـ20، نحتاج حالة من التحرر الثقافي غير التقليدي، وبروز نخبة ثقافية عربية حقيقية جديدة تكسر وهم الماضي والمركزية الغربية أو المركزية الشرقية الرمزية المضادة، جوهر التحديات هو غياب نخبة مفكرة مثقفة حقيقية تطرح بدائل ومشاريع تطبيقية ممكنة، وتواجه بشجاعة إرث الأيديولوجيا العربية الإسلامية برمته في عالم الجغرافيا الثقافية بالقرن الـ21.
أما الفرص ومحدداتها للعبور إلى الجغرافيا الثقافية وإعادة رسم التوازنات، فتكمن في أن تتحول الجغرافيا العربية الإسلامية إلى مشروع لـ"كتلة جيوثقافة ثالثة" عالميا لها هدفين أساسيين، الأول أن تطرح مشروعا عالميا يتجاوز المركزية الثنائية الجديدة بين الشرق والغرب، وادعاء كل منهما أنه محور الكون وبديل حضاري أحادي للبشرية لا نظير له ولا شريك معه.
والثاني أن تؤكد على أن هذه الجغرافيا لها ثوابت ثقافية يجب احترامها، وأن هذه الجغرافيا عن طريق تفعيل مشتركاتها الثقافية الجامعة وتجاوز تناقضاتها، تستطيع أن تدير مواردها الاقتصادية والتجارية وأن تسيطر على ممراتها البحرية وتشارك في التبادل التجاري العالمي، وكذلك أن هذه الكتلة الجغرافية الثقافية تستطيع أن تمارس سياسات خارجية منسقة ومتمايزة في أنها لن تدعي لذاتها مشروعا وسردية حضارية شمولية ومطلقة، لأن المعتقد والتصور الحضاري الإسلامي يدور حول فكرة "التداول الحضاري" بالأساس.
من ثم سوف تملك "الكتلة الجيوثقافية الثالثة" أفضلية حضارية بأنها ستدعو إلى عالم من التعدد الثقافي والتداول الحضاري، في مواجهة مركزية كتلتين كل منهما تدعي انها حضارة مطلقة ويجب فرضها على الجميع، وباسم هذا المطلق الحضاري تسعى للهيمنة والتمدد الجغرافي والسيطرة على موارد العالم وممراته لكي تمول مشروعها للحضارة المطلقة المركزية.
تستطيع الذات العربية الإسلامية إذا وعت لجغرافيتها وبسطت عليها حضورها الثقافي الرابط والمتماسك، أن تقدم للعالم برمته مشروعا للتحرر من خرافة الحضارة المركزية المطلقة، وتفكك بالتالي وهم التمدد الجغرافي المستمر عن طريق تفجير التناقضات في "مستودع هوية" الآخر.
إذا استطاعت الذات العربية الإسلامية أن تستعيد اللُحمة في "مستودع هويتها" الثقافي الجامع، وتبسط هذه المظلة الثقافية فوق جغرافيتها التاريخية، فسوف تؤكد على بروز نظرية جديدة في العلاقات الدولية يمكنها أن تكون نقطة انطلاق لتجاوز المسألة الأوربية القديمة التي خرجت في القرن الـ19، والتي قامت على ادعاء أن العقل الأوربي/ الغربي قدم نظريات وضعية مقدسة تصلح لكل مكان وزمان، كل منها يدعي أنها نظرية وسردية مطلقة وشمولية ويجب أن تفرض نفسها على الجميع.
يمكن للذات العربية الإسلامية إذا وعت لفرصتها التاريخية الممكنة أن تحرر نفسها، وتحرر العالم أجمع من وهم "الجغرافيا السياسية" والجيوبولتيك الغربي ونظرياته القائمة على ضرورة السيطرة على جغرافيا العالم، لتبسط عليه نظرية أيدولوجية/ حضارية واحدة.
نحتاج في هذه اللحظة التاريخية إلى نخبة وطليعة ثقافية عربية إسلامية جديدة تماما؛ تقوم على فكرة "المثقف التأسيسي" القادر على التعبير عن "مستودع الهوية" الجامع لأمة حضارية ما، إذا توفرت طليعة ونخبة ثقافية جديدة تملك القدرة على تقديم سردية كبرى جديدة، فسوف ننتظر الشرط الحضاري الآخر وهو بروز إرادة سياسية صلبة للقيام بالتغير، وتبني السردية الجديدة تلك وما تقضيه من تغيرات في السياسات العليا والبناء المجتمعي، والفرز الطبيعي لأفضل العناصر الموجودة بالمجتمع.

