لعب انهيار سلطة بشار الأسد دوراً كبيراً في فتح بوابة الحرية الدرامية في كتابة نصوص خارج النسق الدرامي التقليدي السوري, إذ أصبح فضاؤها أوسع وأرحب عما كانت عليه في سنوات حكمه وآليات الرقابة السياسية، وحصر الموضوعات السياسية بعيداً عن السياسة، وحقوق الناس والعدالة التي يرغب بها المشاهد والمتابع السوري والعربي حيث ضم الموسم الدرامي الأول بعد سقوط سلطة آل الأسد، العديد من القضايا السياسية والإنسانية العادلة، مثل قضية المعتقلين السياسيين والمختفين قسراً, وعدم الكشف عن مصيرهم, والسجون السورية والمعاناة فيها من صيدنايا إلى سجون الفروع الأمنية، وآليات تحكمها فيها في تفتيت وتشرذم المجتمع السوري- فالحرية الواسعة، والحرية الدرامية أعادت ترتيب أوراق الموسم الدرامي السوري للعام2026، إذ ظهرت قضايا الاعتقال السياسي، والتغيب القسري في أكثر من عمل درامي, وعلم الثورة السورية, وسقوط السلطة السورية ممثلة برأس النظام بشار الأسد والأجهزة الأمنية, والهروب الكبير لعدد محدد من رموزها خارج الأرض السورية سواءً من خلال بعض طائرات الهيلوكوبتر أو عبر السيارات الفخمة الخاصة.
صيدنايا والسجون السورية:
العمل الدرامي الأبرز الذي عرض للسجن السوري الشهير صيدنايا هو "الخروج إلى البئر", من تأليف سامر رضوان وإخراج محمد لطفي, فيه السجناء السياسيّون الإسلاميّون من التيارات السلفية والإخوان, تتصارع مع السلطة الأمنية والسياسية في البلاد عبر حالات الاستعصاء والسيطرة على السجن وطرد الإدارة والسجانة خارج مبنى السجن(الأبيض, ما بعد العام2011)، وخوض جولة من التفاوض مع رئاسة شعبة المخابرات العسكرية ووفدها وتغير رئيس إدارة السجن وآلية التعامل مع السجناء حيث المهاجع والأجنحة مفتوحة طيلة النهار والليل, والإدارة الداخلية من السجناء ذاتهم, لكن رئاسة الشعبة والرئاسة في سوريا تتحين الفرصة لاقتحام السجن, وهذا حدث أكثر من مرة، وفي كل مرة من هذه المحاولات كانت النتيجة مخيبة لا تستطيع السيطرة على أجنحة ومهاجع السجن, لكن السلطة وإدارة السجن استطاعت قنص وإصابة عدد من السجناء عبر قناصتها الموجودين خارج بناء السجن عبر نوافذ كل جناح من أجنحة السجن, واستطاعت خرق السجن من خلال المفاوضات المباشرة والضغط على الشخصية الأساسية (سلطان الغالب, أبو فراس) وأبنيه اللذين اعتقلتهم رئاسة شعبة المخابرات وأرسلتهما إلى صيدنايا واحداً وراء الآخر للضغط على الأب، وتعزيز الصراع بين التيارات السلفية والإسلاميين. ويظهر سجن صيدنايا في المسلسل الدرامي "عيلة الملك" من إخراج محمد عبد العزيز، وتأليف معن سقباني وسيناريو وحوار "شادي كيوان وميادة إبراهيم"، إذ يخرج من مهاجع سجن صيدنايا ( جبري الملك، سلوم حداد) يوم هروب بشار الأسد وتغير السلطة.
وأيضاً المسلسل الدرامي مطبخ المدينة من إخراج رشا شربتجي وكتابة علي وجيه ومشاركة في الكتابة سيف رضا حامد, إذ يخرج من سجن صيدنايا (عبد المنعم عمايري، عبد الكبير) في ليلة هروب بشار الأسد, وفرط عقد آليات سيطرة نظام بشار الأسد, وبقاء شخصية عبد الكبير خارج الأسرة.
أما مسلسل المحافظة15، ذو الإنتاج اللبناني, ومن تأليف كارين رزق الله, وإخراج سمير حبشي, وتمثيل كارين ذاتها، و (يورغو شلهوب, فؤاد)، و(حسن خليل, خالد)، وهما السجينان اللذان أمضيا ردحاً من الزمن في السجون السورية فؤاد (22سنة), وخالد معه, ويخرجان إلى الحياة في لبنان من سجن صيدنايا بعد هروب بشار الأسد, ويعانيان من هذه الحياة التي تنتهي بمقتل فؤاد بسبب حبه للشخصية الأساسية منية التي ساهمت في إرساله إلى السجون السورية, من خلال تنفيذه للمهام التي كان يطلبها السوري منها في لبنان قبل العام2006, ومنذ تسعينات القرن الفائت.
أما السجون المدنية المخصصة للقضايا الإجرامية في أكثر من عمل سوري يظهر في المسلسل الدرامي سعادة المجنون من إخراج سيف الدين السبيعي، وسيناريو وحوار علاء مهنا ومعالجة درامية زهير الملا، حيث تقتل شخصية الأم لعائلة (أوس، عابد فهد)، ويتهم اوس في قتلها ويسجن أكثر من سنة في سجن عدرا أثناء المحاكمة حيث يستطيع أخوه المحامي (أشرف، باسم ياخور) إخراجه من السجن بسبب الحالة العقلية (الجنون), لكي يتابع حياته, ونرى حياته في السجن.
بالإضافة إلى ذلك عرض هذا الموسم المسلسل الدرامي "قطع وريد" إخراج تامر إسحاق, من تأليف سعيد حناوي, وسيناريو وحوار محمود إدريس, إذ تقع جريمة قتل في مزرعة لصبية يتهم فيها (طلال, أنس طيارة), ووالده (عاصم, باسم ياخور), ونرى الشخصيتين في سجن عدرا المركزي, حيث يحكم على طلال بالإعدام شنقاً, وينفذ حكم الإعدام في السجن بعد أكثر من سنة في السجن, أما الأب يسجن بسبب التحقق في عملية القتل الأولى, لكنه يمرض في السجن ويحال إلى المشفى, وتقتله زوجته من خلال الدواء في المشفى.
أما السجن الخاص خارج السجون الكبيرة مثل صيدنايا وعدرا المركزيان ظهر سجن الثكنة العسكرية في مسلسل "مولانا" الذي أخرجه سامر برقاوي الذي شارك في تأليفه إلى جانب كفاح زينة عن قصة لبنى حداد, في هذا السجن, سجن عدد من أبناء قرية العادلية منهم "منير, كرم شنان".
العنف في دراما2026:
استعمل العنف في دراما 2026, بشكل كبير جداً موغلاً في أبعاد اجتماعية, سياسية وفق المرحلة الأسدية الثانية, إذ شكل هذا العنف العسكري المباشر في "مولانا" شكلاً من أشكال السيطرة المباشرة للثكنة على سكان قرية العادلية, في حين جاء العنف المباشر في محاولات اقتحام سجن صيدنايا عنفاً منفلتاً من أية قوانين عسكرية أو مدنية, إذ كان القنص هو الحالة التمهيدية للاقتحام الذي قامت به الكتيبة المكلفة بحماية السجن إلى جانب عناصر الشرطة العسكرية الذين اقتحموا بناء السجن في العمل الدرامي "الخروج إلى البئر", وكذلك العديد من مشاهد اقتحام منزل (سلطان الغالب), بالإضافة إلى مشاهد التعذيب لأبنائه (فراس, وفهد) وابنته, وعملية جلد (كارمن لبس, أم فراس) من قبل زملاء فهد, (وهنا تداخل للعنف بين الحالة السياسية والاجتماعية في إطار التحدي الذي دخلته العائلة بعدم توظيف واستخدام القانون الذي يتيح لأم فراس الطلاق الغيابي (بسبب غياب الزوج عن البيت مدة ثلاثة أشهر وفق القوانين السورية المعمول بها حتى الآن).
بينما يظهر العنف في مسلسل عيلة الملك على مستويات متعددة في توظيف مباشر بين أفراد من العائلة وبعض الأجهزة الأمنية ضد بعض أفراد العائلة وقتل شخصية الأخت المعارضة (هنادي، ولاء عزام), والأخ (عوني، جوان خضر) من الأم المعارضة (أمينة، سمر سامي) المنتمية إلى رابطة العمل الشيوعي التي أخفاها الأب جبري الملك في مشفى الأمراض العقلية بعد ضغط الأجهزة الأمنية عليه، وكانت قد أمضت سنوات من عمرها في سجن دوما.
أما العنف الاجتماعي المرفق بالطمع نجده في العمل الدرامي "المقعد الأخير" من تأليف وسيناريو لؤي النوري وإخراج حسام سلامة إذ يعمل صف (يارا، ماسة الجمل) وفي مقدمتهم (حلا، سوناتا سكاف) على التنمر والسخرية منها لأنها من طبقة اجتماعية أخرى, وعائلتها فقيرة, وتتفوق عليهم دراسياً في المواد العلمية منها مادة الرياضيات في الثالث السنوي العلمي, ونجد اضطهادا مهنيا وطبقيا يقوم به صاحب المطعم الذي كانت تعمل به يارا و(أمها, زوجة جميل, رنا جمول), حيث يغوي الفتيات اللواتي يعملن في المطعم من خلال الفلوس للاستغلال الجنسي, والاستغلال المادي يقوم به شقيقه (جميل، جهاد عبدو) له ولعائلته بسبب مرض النسيان الذي يلم بالمدرس جميل, فيستغل الأخ (محمد خاوندي) ويستولي على البيت والسيارة من أجل تلبية رغباته ورغبات ابنه.
أخيراً فتحت بوابة الأعمال الدرامية السورية نحو حرية أوسع وأرحب مما كانت عليه سابقاً، فالموسم الدرامي الأول بعد رحيل سلطة بشار واضح مختلف عن المواسم الدرامية السابقة التي كانت تعمل وتختار بها نصوصها التي كانت تخضع لرقابة سياسية شديدة. لكن في الموسم الدرامي للعام الجاري لم تتدخل الرقابة في أي عمل من الأعمال الدرامية، وفتح سقف الحرية الدرامية أمام الموسم الدرامي السوري بحيث استطاع تقديم ما يرغب به كتاب وصناع ومخرجو الدراما السورية وعسى أن يكون هذا الموسم بداية حرية درامية خارج الرقابة السياسية وغيرها من الرقابات الاجتماعية والدينية فهل تستطيع الدراما السورية الاستمرار في هذه الحرية الدرامية.

