عندما أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريحه الخطير الذي قال فيه إن مساحة إسرائيل صغيرة وهي تحتاج إلى أراض أخرى، التقط رئيس الوزراء الصهيوني الخيط وأعاد إنتاج شعار "إسرائيل الكبرى"، وأيده بسرعة شديدة سفير الولايات المتحدة في تل أبيب وبارك ما قاله بنيامين نتنياهو، الذي بدوره سارع الخطى في تهويد القدس والسطو على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967 ومضاعفة معاناة الشعب الفلسطيني في مختلف المناطق بما فيها الضفة الغربية والقدس وأراضي ال48، في الوقت الذي يواجه فيه أهل غزة، الذين يربو عددهم على مليوني نسمة، تبعات حرب الإبادة بعد 7 أكتوبر 2023 واستمرت حتى الوقت الراهن، ولا يزالون يواجهون الإبادة رغم إعلان وقف إطلاق النار، فلاتزال المعابر مغلقة ويمنع نحو 150 ألف مريض في القطاع من مغادرة غزة ولا يسمح بدخول حتى الحد الأدنى من الأغذية، ولايزال طلبة المدارس والجامعات غير قادرين للذهاب إلى مدارسهم وجامعاتهم التي تم تدميرها، كما يمنع الكيان دخول المعدات الطبية اللازمة لإعادة بناء المستشفيات والمراكز الصحية التي دمرها الاحتلال، ناهيك عن وجود أكثر من 9 آلاف أسير فلسطيني في سجون الاحتلال يتعرض الكثير منهم لخطر إعدامهم بعد إقرار لجنة في الكنيست الصهيوني قانونا بهذا الخصوص.
كل ذلك يجري في ظل صمت عربي ودولي مريب زاد المشهد تعقيدا بعد أن بدأ العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران في الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026، وما تبع ذلك من محاولات قامت بها واشنطن وتل أبيب لتوريط دول مجلس التعاون الخليجي في هذه الحرب المجنونة وإشعال المنطقة في فوضى عارمة لن يستفيد من نتائجها سوى الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وستؤدي بالضرورة إلى إنهاك كل دول المنطقة وإضعافها أمام المشروع الذي يعتقد الكيان أنه حان الوقت لإطلاقه والمتمثل في "الشرق الأوسط الجديد" الذي تقوده تل أبيب بدعم لا محدود من واشنطن التي تركز عينها على الصين وصعودها المدوي.
وفي مفرمة الدم والتطهير هذه، لا يتردد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من التفاخر وتكرار الادعاء بأنه تمكن من إنهاء 8 حروب وأنه ينتصر في الحرب الحالية على إيران، وفق زعمه. هو وضع حرب الإبادة على غزة وحرب الـ12 يوما ضد إيران في حزيران الماضي في قائمة الحروب التي يدعّي إنهائها، بينما الحقيقة الساطعة التي لا تقبل الكثير من الجدل هي أن الإدارات الامريكية المتعاقبة، وآخرها إدارة ترامب، تمارس فجورا في دعمها للكيان وتشاركه العدوان والإبادة ضد غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة ولبنان والعراق، وأخيرا إيران. وهذه لا يمكن تسويقها ضمن قائمة "إنهاء الحروب" بل أن ترامب يسعى لإشعالها. وكانت مآلات هذا النهج فوضى في الأسواق العالمية وفي سلاسل إمداد السلع وخصوصا النفط والألومنيوم بعد إغلاق مضيق هرمز الذي يمر منه خُمس النفط العالمي، وتعطل التجارة العالمية، حيث تواجه بلدان العالم ارتفاعا جنونيا في الأسعار والتضخم، ما أدى إلى نشوء أزمات اقتصادية ومالية وسياسية تتفاقم مع استمرار أزمة الخليج الجديدة.
لكن الرئيس ترامب الذي شكلت جائزة نوبل شغفا وهوسا له، هو نفسه ترامب الذي تكرر اسمه مئات المرات في وثائق فضيحة إبستين، وتناقلت وسائل التواصل الاجتماعي عشرات الأفلام له مع فتيات قاصرات في تلك الجزيرة الملعونة التي خرجت من وثائقها قصص وحوادث مرعبة وجرائم اغتصاب وقتل تقشعر منها الأبدان.
يتفاخر ترامب أيضا بأن ترسانته العسكرية تمكنت من القضاء تماما على إثنين من مستويات القيادة في إيران وربما المستوى الثالث أيضا. ورغم ادعائه بالسعي للسلام فإن التهديدات الموجهة للمنشآت النووية ومن بينها محطة بو شهر تشكل خطرا كبيرا على إيران ومنطقة الخليج العربي في حال تعرضها لأضرار أو لهجوم صاروخي من قبل الكيان أو الولايات المتحدة. هذه الأفعال تصنف ضمن جرائم الحرب ولا يمكن لها أن تشكل ممرا لجائزة نوبل للسلام، إلا إذا فُصلت على مقاس ترامب مثلما تم تفصيلها من قبل على مقاسي الرئيس المصري الأسبق أنور السادات ورئيس الوزراء الصهيوني الأسبق مناحيم بيغن.
مهمة وظيفية
تتقاطع أهداف واشنطن مع أهداف تل أبيب إزاء إيران، ذلك أن الولايات المتحدة تنظر للكيان بأنه القاعدة العسكرية الثابتة في الوطن العربي لخدمة مصالح الدول الامبريالية، وعليها القيام بمهمات وظيفية تتمثل في استمرار احتلال فلسطين والاستيلاء على كل جغرافيتها وهدم المسجد الأقصى وقضم أراض جديدة من دول الجوار كما هو الحال مع سوريا ولبنان، وإبقاء البلدان العربية قابعة في تخلفها خارج التاريخ بقرار غربي. فـ "في كل مرة أراد نظام عربي أو مسلم الانفتاح على الحداثة، كان (الغرب) نفسه يسد الطريق عليه أو يسحق شرايينه: فبالأمس كان ذلك مع محمد علي باشا وخديوية مصر، والسلاطين المجددين وبعد ذلك مع جمال عبد الناصر والدكتور محمد مصدق في إيران"، وفق إقرار وزير الدفاع الفرنسي الأسبق إبان حرب الخليج الأولى مطلع التسعينات، جان بيير شيفنمان. لذلك لم يكن مفاجئا أن يحج زعماء الغرب إلى تل أبيب بعد طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر وتأكيداتهم المتكررة بالوقوف إلى جانب الاحتلال وتنفيذ وعودهم بتقديم الدعم اللامحدود له في حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وتغطيته سياسيا في المحافل الدولية وفي شوارع العواصم الكبرى التي مارست المكارثية في أبشع صورها في العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين، وخصوصا في الجامعات الأمريكية والأوروبية، حيث عادت محاكم التفتيش في صور عصرية شتى، بدءا من منع الاعتصامات وفضها، مرورا بتهديد الطلبة وهيئات التعليم بالفصل، وصولا إلى تنفيذ التهديد وتقديم بعضهم للمحاكمات بعد أن يتم اعتقالهم وتلفيق تهم اللاسامية لهم.
من المؤكد أن ترامب لا يمثل نفسه في هذا النهج. هو يعبر عن الطبقة السياسية المتحكمة بالقرار في البيت الأبيض والكونغرس، وبالتالي التحكم في الدولة العميقة في أوج ارهاصات الشعور بفقدان عالم القطب الواحد الذي تتحكم الولايات المتحدة في مفاصله، لصالح عالم متعدد الأقطاب يجري السعي لتأسيسه من أقطاب عالمية مهمة اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل وغيرها من الدول التي تحاول الخروج من القبضة الامريكية وتحكمها. عندما جاء ترامب وجه انتقاداته اللاذعة وهجومه الشرس ضد الرؤساء السابقين واتهامهم بجر أمريكا لحروب ليست حروبها، فإذا به يغرق في حرب غزة وفي العدوان على إيران ويمعن في القتل بجانب نتنياهو بينما يزداد مؤشر الدين العام الفيدرالي الأمريكي ليقترب من 40 تريليون دولار، ولتتراجع واشنطن خطوات عن المنافسة الاقتصادية مع الصين التي تراهن على الطاقة النظيفة وخصوصا السيارات الكهربائية والطاقة البديلة، إذ تفيد المعطيات أن الصين تسيطر على أسواق السيارات الكهربائية بنسبة تقترب من 80 بالمئة، وتتقدم على أمريكا في براءات الاختراع والطاقة الشمسية. وحتى قطاع السيارات التقليدية المعتمدة على الوقود الاحفوري، فأن الصين تزاحم كل الدول في الإنتاج والتسويق وتهدد هذه الصناعة مثلما أجهزت على مصانع الملابس الجاهزة في أوروبا ودول آسيوية أخرى قبل عدة عقود. ولا شك أن الصين تربح الحاضر والمستقبل في هذه المنافسة وتدخل في تحالفات اقتصادية ومالية مع مختلف دول العالم، وهي بذلك تفرمل نمو الاقتصاد الأمريكي واقتصاد أوروبا المتعثر أصلا.
مأساة الأمة
في سياق متصل، وبينما تخطط الدولة العبرية وتنفذ استراتيجياتها في إقامة "إسرائيل الكبرى" باحتلال أراض فلسطينية وعربية جديدة لتجسد شعارها "من الفرات إلى النيل"، فإن حال الأمة العربية يعاني من وضع لا يحسد عليه على جميع المستويات، ما شجع ترامب على وصف الحرب على إيران بأنها "تسلية"، فيما تواجه الدول الخليجية تبعات هذه الحرب وتهدد الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي وتتأثر الاقتصادات الخليجية المعتمدة بشكل رئيسي على تصدير النفط والغاز، وقد توقف انتاج اغلبه بسبب إغلاق مضيق هرمز، ولا يعرف أحد إذا ما سيمتد ذلك إلى باب المندب إذا استمرت الحرب وتبعاتها على المنطقة العربية برمتها ودول الجوار الإقليمي، وليس على دول مجلس التعاون الخليجي وحدها، فضلا عن تأثيرات ذلك على الاقتصاد العالمي.
أما حالة الوطن العربي فقد بلغت انحدارا شديدا، فبلدانه تعاني أمراضا مستعصية تتمثل في انعدام الرؤية المستقبلية وغياب استراتيجيات التنمية الإنسانية وتراجع الديمقراطية والحريات العامة الى مستويات غير مسبوقة رغم الدعاية التي تطلقها وسائل الإعلام الرسمية وتلك التابعة لها. وفي قضية الوحدة بين الأقاليم وعلى مستوى الأمة، فهذا حديث مؤجل إلى أجل غير مسمى أو إنه، ربما، دفن بالاتفاقيات الثنائية التي وقعت بين العدو الصهيوني وبعض الدول العربية بعد مؤتمر مدريد في 1991، بينما تحفر الانقسامات الطائفية والمذهبية والعرقية عميقا في جسد الدولة القُطرية العربية لتتحول إلى مجتمعات منقسمة على نفسها، فهي غير قادرة على مواجهة الاستحقاقات والمفاصل الكبرى التي تمر بها الأمة، حيث التشرذم سيد الموقف وعدم القدرة على صياغة استراتيجية عربية موحدة من شأنها إيقاف هذا التدهور والإقلاع نحو بناء جديد يعيد للأمة امجادها غير مجدي، الأمر الذي زاد من الاحتقان بفعل فاعل. ومع تصدر الحديث عن تغيير خرائط اتفاقية سايكس بيكو وسعي الكيان لقبرها وتأسيس خرائط جديدة أكثر إهانة للدول العربية، تتوسع دولة الاحتلال على حساب أغلب بلدان المشرق العربي. وقد شجع الوهن العربي دونالد ترامب على القول إنه يتسلى بقنابله "الديمقراطية" في قتل أطفال المدارس كما فعل في مدرسة ميناب. هذه حرب لم تستقر في مساحة الجغرافية الإيرانية بل، ضربت كل المنطقة والعالم. لا يمكن لترامب أن يخرج على الدولة العميقة وأذرعها، فالولايات المتحدة الأمريكية أمعنت فيها لتنشيط كارتلات مصانع الأسلحة التي تتحكم في مفاصل القرار في واشنطن بجانب لوبيات أخرى وفي مقدمتها اللوبي الصهيوني.
خلاصة القول، إن ترامب لن يتوقف عن شن الحروب والعمليات العسكرية متى ما وجد إلى ذلك سبيلا، وسيحصل على الدعم اللازم من اليمين المتطرف الذي يحرص بعض رموزه إلى إعادة "تعميد" ترامب وتشجيعه على شن المزيد من الحروب.

