Menu

في اليوم العالمي للمرأة المرأة الفلسطينية: حياة تعبر بين قصف وقصف

د. ثائر يوسف عودة

نشر في مجلة الهدف العدد (81) (1555)

حين نقرأ ما كتبته وتكتبه المرأة الفلسطينية في غزة في أثناء حرب الإبادة، نلحظ أنّ قوة الشهادات تكمن في مباشرتها وصدقها، وفي بعدها عن التزويق اللغويّ، إذ لا تلهث خلف البلاغة ولا تتورّط في الانشغال بالهاجس الجمالي، إنها شهادات حية، نابضة، تنقل التجربة كما هي: صادمة، مؤلمة، وصادقة. لا تسعى لتقديم أصحابها أبطالاً، إنما تكشف عن بطولة أخرى، بطولة التفاصيل اليومية الصغيرة: النجاة من قصف، تأمين لقمة عيش، أو حتى لحظة دفء في قلب الركام.

الشاعرة آلاء ال قطر اوي التي فقدت أربعة من أبنائها: يامن، كرمل، وتوأمها كنان وأوركيدا تكتب: إنّ هذا الخيط الرفيع في جسدي بعد كلّ ولادة قيصرية يذكرني في كلّ دقيقة بأنني أنجبت ولداً وبنتاً وتوأمين رائعين، ثم بقيت وحيدة... لم أتصور يوماً أن أكون في قلب الإبادة، بعد أن فقدت أبنائي تحت ركام منزلنا، وأن أكون ضحيتها أو شاهدة عليها وأكتب عنها، بعد أن كنت أكتب للتألق والإبداع. لقد تحوّلت كلماتي، التي كانت تنبض بالأمل والحياة، إلى نزيف لا ينضب.

الشاعرة مريم قوش ترى أنّ الكتابة نزيف وجدانيّ، وهي خلاصة تجربتنا في الحياة والموت، وهي نافذتنا الرؤيوية للفلسفة والكون.. وحين نكتب فنحن نعبّر بشكل حقيقي عن رغبتنا في الوجود، نحن نمارس طقوس الحياة كما نحب، نحقق مدينة فاضلة تتسعُ لكلّ ما تأمله أرواحنا.. الكتابة بطريقة أو بأخرى تمردٌ على ما هو كائنٌ لتحقيق ما ينبغي أن يكون.. والكتابة طاقة كونيةٌ متمردة على الواقع لخلق واقعٍ أجمل، وتحقيق تلك السعادة المرهونة بتحقيق مدينة فاضلة، تتسع للخلق حيثما وأينما كانوا.. إنّ الكتابة بسموها الفلسفي قد تبدو حرباً بطريقة أو بأخرى، بين الكاتب والكتابة، بين الفكرة والكتابة، وبين الكتابة والواقع، هي رحلة من القلق المستمر الذي توقده الذات المتأرجحة بين المنطق والفلسفة.. ولا مقارنة بين قسوة الكتابة وضراوة الحرب، حتى وإن كان في كلّ منهما رغبة بالتمرد على الواقع وصياغة واقع آخر.

الشاعرة ضحى الكحلوت تقرر: سنظلّ نبحث عن الحياة، لا لنحياها فقط، بل لنحلم ونحب ونفكر ونكتب حتى في أصعب اللحظات، وستظلّ الكلمة تعرف مداها للأمل والنور مهما اشتدت ظلمة العيش.. إنّ الشعر يولد من المشاهد التي يصعب علينا تقبلها ويستحيل إنكارها، فهي ماثلة أمامنا ونعيشها وتضع بصمتها على شعورنا وأقوالنا وأفعالنا، يولد الشعر من ضرورة البوح الذي يُعدّ ترفاً وسط معركة الموت، وضرورة أرشفة التاريخ بثباته ورجفاته.

الشاعرة روان حسين تقول: إنّ الكتابة قد تكون المُنجي إثرَ تعرضنا لصدمات متتالية في الحروب، نلجأ للكتابة لنواسي ذواتنا؛ مما نشاهد من الأسى والرعب.. أن تعيش لحظات الحرب بذهول وذعر مستمرين بالضرورة، يُراكم بداخلنا الحاجة إلى التفريغ بأي شكل كان، سواء بالرقص أو الغناء أو الرسم أو النحت أو الصراخ أو الكتابة وغيرها، لكنني أكتب، فالكتابة بالنسبة لي علاج لأنجو.

الشاعرة هند جودة تختبر جدوى أن تكون شاعراً: يا إلهي، لا أريد أن أكون شاعرة في زمن الحرب! هكذا كان يصل الشعر مثل الصورة، ليُقرأ في منابر ومظاهرات، ويُطبع في نشرات ومجلات وكتب، إلى جانب صور الشهداء وعلم فلسطين، والمناداة بوجوب العدالة وحرية الشعب الفلسطيني وبلاده من الاحتلال.

الشاعرة منى المصدر تتساءل: متى تكتبين الشعر؟ / حينما يكون الحديث ترفاً / أسكب روحي شعراً/ وأهدهد على قلبي بالغيوم.

الشاعرة كفاح الغصين تقول: منذ أن اشتدت الإبادة، سابقتُ الوقت لنثر ما أستطيع من لغة بهيئاتها المختلفة، لأنجب منها ديوان "هكذا الحرب"، الذي ينتظر الطباعة. تحدثت فيه عن ويلات الحرب، عن الوجع، عن الجوع، عن الحلم، عن الأمل، عن الموت والحياة.

الكاتبة نيروز قرموط تعتبر الحربَ محاولةً لاختبار كلّ الظروف في آن واحد، وكلّ المشاعر في الوقت ذاته، فتقول: أن تخرج من جسدك وتعود إليه، أن تعبر إلى منطقة أمان متخيلة ترجوها واقعاً آنياً، أن تكون أنت كلهم، وكلهم أنت، أن تعيش الجماعة كفرد واحد يتألم ويحاول أن يبتسم على ريحان أوجاعه، ويشتمّ رائحة البارود، ويشعر بخفقان القلب في صدور عارية تتوسل الحرية بعد أن كابدت حصاراً لا ينتهي، هكذا أختبرُ نفسي في الحرب، في الكتابة.

الكاتبة هبة الآغا تتساءل: "ماذا تفعل امرأة خائفة من الحرب؟" وتكتب عن انشغال الأمهات وقت الحرب في طمأنة صغارهنّ، وحمل ألعابهم وثيابهم في أثناء رحلة النزوح الموحشة، تعبّر عن خوف الأمهات من أصوات القصف، وطائرات "الكواد كابتر"، والجوع والتشرد، وتؤكّد أنّ البطولة الحقيقية تكمن في تقنّعهن للصبر والقوة أمام أطفالهنّ.

الكاتبة بتول أبو عقلين تخاطب آلة القتل الصهيونية: لا تقصفي ذاكرتي أيتها الطائرة! وتكتب عن المعاناة اليومية التي تعيشها بعد إغلاق المعابر؛ من الارتفاع الجنوني للأسعار، والانتظار لساعات طويلة أمام المخابز، إلى مشاركة الحمَّام مع عائلات متعددة، والحرّ القاتل داخل الخيام. وتصف تفاصيل الحياة التي لم تعد تُحتمل، لكنها مع ذلك، تكتب، وتوثّق، لعلّها تمنع النسيان لاحقاً.

الكاتبة منى الغرباوي توثّق تجربتها المروّعة في النزوح إلى مستشفى الشفاء، حيث تكدّسَ عشرات الآلاف من النازحين الذين اعتقدوا أنّ المستشفى مكان محميّ بقوانين الحرب، لكن جيش الاحتلال حاصر المستشفى ثم اقتحمه، كاسراً كلّ الأعراف الإنسانية. وتصف لحظة الخروج من "الشفاء" بمشهد جنائزيّ: سارت وسط شوارع مجرّفة، وبيوت مدمّرة، وجثث مدنيين داستها جنازير الدبابات، والجنود يشتمون النازحين ويوجّهون البنادق إلى صدورهم.. المشهد يتجاوز حدود اللغة، لكنه يبقى شاهداً لا يمكن إنكاره.

الكاتبة هدى بارود تؤمن بجدوى المقاومة، حتى وإن كانت مقاومة الجوع والعطش من تحت الركام، وتؤكّد أنّ تمسّكها بالبقاء في غزة هو بحدّ ذاته فعل مقاوم، يُفشل مخطّط التهجير الذي يسعى إليه الاحتلال الصهيوني.

الكاتبة هبة أبو ندى تدوّن آخر كلماتها عن مفهوم النجاة: ننجو لأننا نكتب، ننجو لأننا نحب. كانت تحمل قلماً أنثوياً حراً، نقلت فيه معاناة النساء الفلسطينيات تحت القصف والحصار، وارتقت شهيدةً مع حلمها الذي لم يكتمل.

الكاتبة ولاء جمعة الإفرنجي تقول قبيل استشهادها بوقت قصير، عبر فيديو نشرته على وسائل التواصل: لم أجلس منذ بدء الحرب ولم أترك باباً إلاّ وطرقته، وأخاف أن يكون هناك طريق لم أسلكه... أنا ولاء من غزة/ النصيرات، أود مشاركتكم أفكاري التي بدت ثقيلة مع الحرب، إذ فقدنا منذ بدء الحرب كلّ شي... صباحاتنا التي ألفناها ومكاننا وتفاصيلنا، وها نحن نجري في البحث عن الطعام والعلاج.

الكاتبة هبة المدهون تنشر نصاً على صفحتها، عن الموت تحت القصف، والنزوح من البيوت، والعودة إلى الديار، وعبور الحدود.. كتبته بطبيعة الحال أثناء أو بعد عدوان سابق على غزة عاشته، وربما كان ضمن عمل آخر بانتظار الاكتمال أو النشر: هل الموت مؤلم؟ أظنّه كذلك.

الكاتبة مريم حجازي تكتب على صفحتها: نفسي أرجع لحياتي الطبيعية.. رسالتي الأخيرة :أريد العودة إلى الليل، أريد التوقف عن مدّ يدي إلى الجدران، الشمس تلدغني .. أين مخبئي؟ أريد التخلص من هذا الشيء اللزج على جسدي، أنا في مخاض الكلمات.

الصحفية رشا فرحات تروي عن تجربتها: تغيّرت طريقتي وتغيّر أسلوبي، فالكتابة في زمن الإبادة ليست كقبلها، والقلم في يدي أصبح أداة للبوح والصراخ، بل خنجراً يغوص في خاصرة الظلم والقهر والعذاب، في غزة، أصبحت كلماتي تُنتزع من بين الركام، من صراخ الأمهات، من نظرات الأطفال الذين كبروا فجأة وهم يحملون نعوش أحبتهم.

د. رنا الشرافي تكتب عن النساء في الحرب، وعن الصمت، وعن الأمومة تحت القصف. كانت صوتاً أدبياً نسوياً جريئاً، كانت أكاديميةً، تدرّس الأدب والمقاومة في جامعة الأقصى، ومازالت مقالاتها تُقرأ، وكأنها وصايا ضد النسيان.

الكاتبة إيفا أبو مريم تلجأ إلى القراءة كوسيلة لمواجهة الخوف والشعور بالعجز، تعيد قراءة روايتي "الغريب" و"الطاعون" لألبير كامو أكثر من مرة، محاولةً إنقاذ نفسها من نوبات الغضب والانهيار العصبي، ومن أخبار الموت التي لا تنقطع. في عزلتها، تصير الكتب مساحة للتهدئة، وفرصةً لفهم اللامعقول.

الفنانة التشكيلية حليمة الكحلوت اعتادت أن ترسم أفراد عائلتها في لوحاتها، وشاركت في عدد من المعارض بغزّة مع فنانين وفنانات من شباب القطاع، منها معرض "مبني للمعزول" للفنون البصرية، وكان عملها في هذا المعرض بعنوان "قيد المتابعة"، وهو عبارة عن ثلاث مكانس يدوية، ولفائف ورقية كوصفات دوائية. تقول: لطالما أثار فضولي الارتباط بين الفن والحياة المنزلية.. لطالما كانت شعيرات المكنسة وسيلة مؤقتة لإزالة الغبار وسرعان ما تهترئ فيتم استبدالها، وهذه الحال مطابقة تماماً للوصفة الطبية أو "الروشيته" التي ما هي إلا ورقة يتفاءل بها المريض ثم يُصدم بعدم توفر العلاج.

الفنانة التشكيلية هبة زقّوت تكتب تعليقاً على إحدى لوحاتها: وُلدتُّ وأنا أحمل معي كلمة لاجئة، لم أرَ بلدتي الأصلية أسدود، لكن كانت عمتي "عليا" تجمعنا وتحكي لنا عن أرض جدي وبيارات البرتقال، عن موسم الحصاد وبيت مليان حب وحياة، كنت أرى الشوق بعيون عمتي وهي تروي لنا حكايات عن أيام البلاد وأمنيات بعودة قريبة.

الفنانة التشكيلية نسمة أبو شعيرة ترسم أشهر لوحاتها: شجرة زيتون تمتدّ جذورها في كلّ الكرة الأرضية. وهي محاضرة ورئيسة قسم الفنون التشكيلية في جامعة الأقصى.

الفنانة إيمان خالد أبو سعيد تُعتبر عنواناً للعمل الثقافي والتمكين للأطفال، وكان آخر مشاريعها جمع صدف البحر وتنظيفه وصناعة أدوات لتزيين البيوت إضافة إلى توثيق أيام الحصار في غزة عبر التاريخ الشفوي.

الفنانة إيناس السقا في فيلم "ميلاد" للمخرجة أماني أبو رمضان الذي أنتج بعد عدوان 2008 – 2009 على غزة، أدّت دور امرأة تأتيها آلام المخاض في أثناء الحرب، لتضع مولودها في الوقت نفسه الذي يتعرض فيه أطفالها للموت، وقد مرّت "إيناس" بالفعل بهذه التجربة حيث كانت حاملاً ووضعت مولوداً خلال تلك الفترة.

في غزة الآن، ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، حوالي 50 ألف امرأة حامل، بينهن 5500 امرأة على وشك الولادة، منهنَّ من قُتلنَ مع أجنّتهنَّ، ومن نَجونَ لا يجدنَ الرعاية الصحية الضرورية لهنَّ أو لأطفالهنَّ المنتَظرين مع انهيار واقتحام المستشفيات في غزة، ويواجهنَ الجوع والعطش، وضغوطاً نفسية وجسدية هائلة جراء القصف والتهجير، وخطر العدوى في مراكز الإيواء المكتظة، ودورات المياه حيث نقص المياه ومواد النظافة، وآلام الظَّهر من النوم على الأرض.

في توثيق هذه الإبادة، يبرز الصوت النسوي الأدبي بوصفه صوتاً متمرداً ينزف بالحبر، بالوجع، وتَظهر الكتابات/ الشهادات كنزفٍ مستمر على الورق؛ لتؤكّد أنّ ما تكتبه الناجيات هو فعل مقاومة ضد النسيان، وتوثيق لحياةٍ لا يجب أن تُختزل في أرقام وتقارير ومجرد سردٍ لأحداث؛ لأنّ هؤلاء ليسوا ضحايا بل شهوداً على لحظة إنسانية تختبر حدود الألم، وتُعيد تعريف معنى البقاء، وتشكّل مقاومة من نوع آخر؛ مقاومة الوجود والذاكرة، تُعيد للإنسان الفلسطيني صوته وسط ضجيج الروايات التي تحاول طمس ملامحه.