في ضوء التحولات الكبرى التي عصفت بالمنطقة بعد طوفان الأقصى، وما آلت إليه الأمور بعد الإبادة الجماعية التي كان ضحيتها أهل غزة، وبعد التدمير الشامل لبنى وبيوت غزة، وبعد أن أصبح الملايين من أهل غزة يقيمون قسرًا في المخيمات على مساحة غزة، كما لو أنه تم إعادة إنتاج مشهد عام 1948.
وبعد أن وُلد ما يسمى مجلس السلام من تحت عباءة المؤامرة الكونية بذريعة وقف الحرب وتحقيق السلام الوهمي، المبني على غاية إلغاء الشخصية الوطنية الفلسطينية، وتغيير مفهوم الوطن إلى مفهوم العقار، وبعد الهزة النفسية التي أصابت شعبنا في غزة جراء الإبادة والمحو لمقومات الحياة للملايين، تنتصب أمامنا آلاف الأسئلة التي تبحث عن أجوبتها في التفاصيل التي يكمن ألف شيطان وشيطان داخلها.
ولعل السؤال المحوري السياسي، الاستراتيجي، والتكتيكي، والوطني، والفكري، في ضوء كل هذه المعطيات الموضوعية التي تعيشها غزة: ما هو مستقبل المقاومة المسلحة؟ هل نحن بحاجة إلى مقاومة مسلحة في غزة؟ وهل هناك إمكانية لمقاومة مسلحة؟ وكيف؟ وضد من؟ ومن يقودها؟ ومن أجل ماذا؟ وما هو شكلها؟
هذا الانسياب في الأسئلة المغيبة والقلقة والمحرمة بفقه الوطنية، والتي تحتاج إلى جرأة عالية في طرحها، كنتاج للوعي الوطني والوعي الاستراتيجي، الذي لا ينطوي على غرائز ومشاعر وغضب و"عنزة ولو طارت"، بقدر ما يجب أن ينطوي على درجة عالية من المسؤولية، والقدرة على فحص حسابات الربح والخسارة في ظل موازين القوى الفعلية على الأرض، وفحص الأولويات في الواقع والميدان.
وهنا مرة أخرى ينفلق سؤال الوعي من جديد: هل الكفاح المسلح فقط هو المقاومة؟ أم أن المقاومة بمفهومها الشامل هي الأشكال والآليات والأسلوب والأفكار والمواقف التي تفرضها طبيعة المرحلة الأمنية والسياسية والإعلامية والثقافية؟
فكل مقاومة هي نتاج مرحلتها الراهنة، وليس نتاج مراحل سابقة، وكل مرحلة تفرض حضورها وأشكال مقاومتها. وهنا يتشابك بصورة جدلية دور الوعي مع ماهية وشكل المقاومة، وكل مقاومة خارج الوعي الوطني والفكري هي مقاومة غريزية عفوية قد تفضي إلى تراكم الفشل.
فأي دور للسلاح اليوم في مواجهة الكيان الصهيوني في ظل المعطيات سابقة الذكر؟
وهنا يستوجب الأمر أن نفكر ونلحظ الفرق بين نبذ أو تسليم السلاح، ودور السلاح في هذه المرحلة. فتسليم السلاح، في كل الأوقات، وعلى ضوء التجربة التاريخية للثورات الفلسطينية، عمل محرم في كل الأزمان والأماكن. أما دور ووقت استخدام السلاح فيقرره الوعي السياسي لطبيعة المرحلة، وليس رغبات فاقدة للحسابات الأمنية والسياسية والاستراتيجية.
وإذا اعترفنا أننا قد دخلنا مرحلة جديدة بعد الطوفان، وعدم الاعتراف يساوي غياب الوعي وضمور العقل، فعلينا أن نخضع ذاتنا لاستحقاق هذه المرحلة بحسابات دقيقة وواعية. وهي استحقاقات لا حصر لها، ومن ضمن هذه الاستحقاقات الاعتراف بأن غزة لم تعد قادرة على كلفة استخدام السلاح كمقاومة في مواجهة الكيان، بل أرهقت وأُجهدت، وأن غلاف غزة لم يعد سهل الوصول إليه، وأن الكيان قد حصّن نفسه أكثر مما قبل، وأن سلاح المقاومة، عدةً وعديدًا، قد استُهلك وضعف بحدود كبيرة.
والأهم من كل ذلك أن غزة قد قدمت ما عليها، ما لا يمكن أن تتحمله أي دولة أو قوة في المنطقة، أي أنها قدمت ما عليها من فعل وشهداء وضحايا ومعاناة وجوع وعطش وتهجير وعذابات الخيام. فليس من الحكمة والوعي والمسؤولية أن تتحمل غزة أكثر من طاقتها في هذه المرحلة.
فهل هذه دعوة للاستسلام؟ قطعًا لا. بل هي دعوة للبحث عن رفض الاستسلام بمقاومات أخرى. وهل هذا يعني أن غزة فاقدة لدور المقاومة؟ بالطبع لا، فلديها أولوياتها اليوم باستعادة عافيتها من جروحها، ومن ثم مقاومة القادم عليها، وهو الأخطر، وأخطر من المقتلة: إبادة الشخصية الوطنية وإلغاء مفهوم الوطن.
فكما أسلفنا، فإن المقاومة ليست محصورة بالكفاح المسلح، ولكنها تأخذ أشكالًا أخرى تتناسب مع طبيعة المرحلة وموجباتها ومخاطرها.
إذا كان لا بد من وضع استراتيجية مقاومة، فالأحرى أن يكون عنوانها: كيف تُبنى غزة؟ وكيف نعيد الحياة الطبيعية إلى غزة؟ وكيف يُبنى الإنسان الغزاوي من جديد بعد زلزال الإبادة؟ وأن تُعاد إليه إنسانيته التي انتُزعت منه بفعل حرب الإبادة الممنهجة.
هذه الأسئلة هي المقاومة بذاتها، بل هي الأهم في أشكال المقاومة اليوم. وبهذا يكون شكل المقاومة قد تغير باتجاه تعزيز وبناء الذات، وحماية الإنسان من آثار المرحلة الطاغية.
وهذا الشكل من المقاومة، في ضوء الواقع المعاش في غزة، يصبح من أصعب تجارب المقاومة، كونه علميًا وموضوعيًا، اللصيق بحركة الوعي لدى الفلسطيني بنخبه وقواه الحية، وكونه يواجه جبهة معادية إسرائيلية وأمريكية ورجعية مجتمعة، لا تريد لغزة أن تعود، ولا للإنسان الغزاوي أن يعيش حياة طبيعية وكريمة، ويعيد بناء ذاته اجتماعيًا ووطنيًا.
ولأن غزة أصبحت هدفًا عقاريًا عالميًا يُراد استثماره، ولم يزل لعاب الرأسمالية يسيل اجتهادًا في ثرواتها وموقعها الاستراتيجي، فإن خط المقاومة يجب أن يمتد إلى داخل المجتمع الغزاوي، مواطنين ونخبًا وفصائل، لمواجهة المخططات الأمريكية الإسرائيلية التي تستهدف غزة في هويتها ووطنيتها وثقافتها وتاريخها، عبر ما يسمى "هندسة غزة الجديدة" برؤى استعمارية.
والتي عُبر عنها في مؤتمر دافوس بقول: "أنا رجل عقاري، والأمر كله يتعلق بالموقع... وانظر إلى هذه البقعة الجميلة من المكان، وستكون غزة أمرًا رائعًا يستحق المشاهدة". وكان قد قيل سابقًا إن هناك إمكانية لتحويل غزة إلى "ريفيرا الشرق"، ويمكن أن تكون أفضل من موناكو، ويجب أن تتحول إلى منتجع سياحي عالمي.
أي ليس لغزة، إنما لرجال الأعمال والنخب المالية والعقارية الذين يبحثون عن فرص الاستثمار.
ربما يستحق طرح السؤال الآن: هل عُرف لماذا دُمّرت غزة بالكامل؟ أهي خطوة استراتيجية مبنية في سياق رؤى استعمارية؟ أم هي ردة فعل على السابع من أكتوبر؟
أما ما يسمى "مجلس السلام"، فقد توضحت أهدافه وغاياته، حيث جاء على إنقاذ غزة، ولكن بعد أن أُعطيت كل الفرص والوقت اللازم لتدميرها. واليوم تُطرح مشاريع لهندسة غزة الجديدة، مقسمة إلى مربعات ودوائر مدعومة بالألوان وملاحظات توضيحية، لكنها تخفي نوايا مبيتة كمشروع سياسي بغطاء اقتصادي هدفه الإخضاع والتدجين والتحكم في مسار القضية الفلسطينية، ومحو الشخصية الوطنية، إضافة إلى تحويل غزة إلى عقار سياحي استثماري عالمي، ليس ملكًا للفلسطينيين، بل مفصولًا عن الضفة الغربية، التي يُحضر لها بدورها مخططات استيطانية استعمارية.
وفي السياق، فإن استحقاق المرحلة يتطلب الانتباه إلى أهمية استكمال التحول في الرأي العام العالمي على إثر الإبادة الجماعية في غزة، أي أن هناك مهمة وطنية سياسية ودبلوماسية وإعلامية تنتظر من يقوم بها للحفاظ على هذا التحول.
فإذا كانت غزة قد تحملت الأثمان الأكبر، فالصحيح أيضًا أن الكيان يدفع ثمنًا يتعلق بتآكل جزء من شرعيته التي بناها لعقود.
هذه أيضًا مقاومة، لكنها من نوع آخر.
وفي النهاية، فإن خط المقاومة اليوم يبدأ بسؤال: كيف نُفشل هذه المخططات؟ وكيف نحافظ على الهوية الوطنية؟ وكيف نقنع شعبنا بحقيقة ما يجري؟
والإجابة، رغم كل شيء، تظل ممكنة، لأن طاقة الشعب الفلسطيني المجربة عبر عمر النكبة أثبتت أنها قادرة على إفشال ما هو أكبر من ذلك، بوحدته، ووحدة قواه الحية، واستراتيجية واعية لرسم المواجهة.

