لا تبدو مهمة الكاتب سهلة في تناول قضية معاصرة وشائكة أو صراع ينتمي إلى أحد طرفيه، وتكمن صعوبة ذلك في أن على من يريد الخوض في مسألة حساسة أن يتجنب - قدر المستطاع - الوقوع في مطبّ الانجرار نحو العواطف وتمكينها من التحكم بالقضية المطروحة على بساط البحث وبالصراع القائم بين أطراف العمل الأدبيّ.
في ظلّ واقع كهذا فإنه من النادر أن يتصدى كتّاب المسرح في عالمنا العربيّ لقضية حساسة كالقضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيونيّ بمختلف جوانبه وتجلياته خوفاً من ثلاثة مثالب، أولاها عدم القدرة على النظر إلى الأمور بمنظار محايد، والكاتب المسرحي الجيد يجب أن ينأى بنفسه قدر الإمكان عن الانحياز لأحد طرفي الصراع في نصه المسرحي وأن يضع العواطف جانباً وهو يبني مراحل الصراع.. وثاني المثالب الخوف من اتهامه من قبل النقاد والقراء على حد سواء بالنزوع نحو الأدلجة والشعاراتية.. أما ثالثها فهو عدم النجاح في تجنّب السرد والتطويل في المَشاهد التي تتطلب شرح وجهة نظر معيّنة أو التطرق لأحداثٍ لا يمكن تقديمها – فنياً وتقنياً - على خشبة المسرح.. فإلى أيّ حدّ نجح الكاتب المسرحي السوري حمدي موصللي في تجنب هذه المنزلقات الثلاثة في نصّه المسرحي المعروف "انتحار غير معلن" الصادر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق؟
تحكي المسرحية قصة عالمِ فيزياء عربيّ قُتِل على أيدي جهاز المخابرات الصهيوني (الموساد) في دولة أوربية بعد وقوعه ضحية مؤامرة كانت بلاده -بشكل غير متعمّد- طرفاً فيها عندما ضاقت به واضطرته إلى مغادرتها هرباً من الظلم الواقع عليه والتهميش الذي دفع به إلى حافة اليأس.. وفي الوقت الذي عزم فيه على العودة إلى بلاده بعد تلقيه إشارات إيجابية من الوطن كانت التصفية الجسدية بانتظاره من قبل الموساد لمنعه من تقديم ما يفيد بلده ويطوره ويدفعه إلى الأمام.
تبدأ المسرحية بمشهد متأخر زمنياً في سياق مَشاهد المسرحية التي تمتدّ على أكثرمن ثلاثة عشر عاماً، فنرى ساحةً في حيّ سكنيّ في العاصمة الألمانية الغربية (سابقاً) بون في أحد أيام ربيع العام 1981 حيث يحتشد جمعٌ من الصحفيين والمصوّرين ورجال الأمن حول جثة ملقاة على الأرض ومغطاة بغطاء بلاستيكيّ أسود وعدد من سيارات الشرطة التي أحاطت بالساحة.. ومن خلال الحوار الدائر بين المحقق ورقيب الشرطة والطبيب نعرف أن الجثة تعود إلى الدكتور مأمون الرفاعي الباحث في علوم الفيزياء النووية والأستاذ في جامعات بون وميونيخ، وتدور شكوك المحقق والطبيب حول ظروف سقوط الدكتور من شرفة منزله، وهل جاء هذا السقوط بدافع الانتحار أم أن هناك أسباباً ودوافع أخرى وراء الحادثة؟
نلمس في هذا المشهد دخولاً موفقاً من قبل الكاتب في جوّ العمل المسرحي من حيث إشاعة جوّ من التحفيز عند المُشاهد وإدخاله في لعبة التفكير مع المحقق حول أسباب سقوط الدكتور من ارتفاع شاهق.. وفي هذا المشهد أيضاً لا يكشف الكاتب أوراق الدكتور مأمون الرفاعي كاملةً بل يكتفي بتوضيح أنه ألمانيّ الجنسية ومن أصلٍ عربيّ ومتزوج، أما مهمة الكشف عن باقي أوراق الدكتور الرفاعي فيتركها الكاتب للمشهد الثاني الذي يعود بنا زمنياً أحد عشر عاماً إلى الوراء، أي إلى العام 1970 والمكان قاعة المحاضرات في كلية علوم الفيزياء والفلسفة في المعهد الحكوميّ في مدينة بون حيث أنهى الدكتور للتوّ محاضرته، ليدور بعدها حوارٌ فكريّ بين المُحاضر وجمهور الحضور، وهو حوارٌ يغوص في التفاصيل ولا يخلو من اتهامات للرفاعي بأنه شيوعي وتشكيك بانتمائه وإخلاصه لألمانيا الغربية التي يحمل جنسيتها، وفي هذا إشارة من جانب الكاتب إلى الجوّ المعادي الذي يعيش فيه الدكتور في بلد يشعر بعقدة ذنْبٍ تجاه اليهود.
يحمل المشهدُ الثالث معه قفزةً زمنية نحو الأمام.. نحن الآن في العام 1972 أثناء انعقاد دورة الألعاب الأولمبية في مدينة ميونيخ حيث تستعد المدينة لاستقبال ضيوفها.. في هذا المشهد يتعرف الدكتور الرفاعي وعائلته على فتاة تُدعى هيلغا براون وهي باحثة في فلسفة العلوم الفيزيائية في المعهد الحكوميّ في مدينة بون، ويجري التعارف عن طريق المصادفة التي سنكتشف فيما بعد أنها مصادفة مدبرة للإيقاع بالدكتور.. ويمكن اعتبار هذا المشهد -بما فيه من حوار مستفيض بين الدكتور وزوجته حول الارتباط بالوطن والهوية- تمهيداً للمشهد الرابع الذي سيشهد حدثاً يرفع من إيقاع أحداث المسرحية ألا وهو العملية الفدائية التي قامت بها مجموعة من الفدائيين ضد مجموعة من الصهاينة من خلال اختطافهم.. وعن طريق المذياع تنتقل الصورة الكاملة للعملية مع تعليقات عليها من قِبَل الدكتور الرفاعي وصديقه عبد العزيز مهندس البتروكيمياء في الشركة الوطنية للبترول في السعودية والمقيم في ألمانيا بسبب اتباعه لدورة تدريبية، وهو صديق لعائلة الدكتور.. وهذه التعليقات تُزاوِج بين التعاطف مع هذه العملية وإيجاد المسوّغات المنطقية لها.
يتابع الكاتبُ في المشهد الخامس عرضَه لوجهةِ النظر المؤيدة للجانب الفلسطيني عن طريق شخصيتَي الدكتور وصديقه، وفي المقابل يعرض لوجهةِ النظر الأخرى عن طريق هيلغا براون التي تدخل في نقاشٍ حارّ وحادّ مع المذكورَين حول مشروعية العمليات الفدائية ضد الصهاينة وحول طبيعة الصراع العربي الصهيونيّ.
وفي المشهد السادس من الفصل الأول تنتهي فصول عملية الاختطاف الفدائية نهاية مأساوية يقدمها المشهدُ لنا عبر شخصيتَي المذيع والمراسل اللذين ينقلان أخبار عملية تحرير الرهائن الفاشلة بكلّ تفاصيلها وبأسلوبٍ قد لا نجده مألوفاً في وسائل الإعلام الغربية.
يعود بنا المشهد الأول من الفصل الثاني زمنياً إلى العام 1981 حيث نقترب شيئاً فشيئاً من حادثة مصرع الدكتور الرفاعي.. وعلى صعيد أكثر اتساعاً ثمة أحداث سياسية كثيرة طرأت على الساحة العالمية استدعت حواراً بين الدكتور وفاسيلي مدرب الرقص الذي يقوم بتدريب عفاف ابنة الدكتور، وقد دار الحوار حول الشيوعية والمرحلة التي وصلت إليها وتأثيراتها على محيطها العالميّ، ومن الواضح هنا أن الكاتب أدار دفةَ الحوار حسب قناعاته التي يريد تسليط الضوء عليها والانتصار لها.
في المشهد الثاني يعود إيقاع المسرحية للتسارع بالتوازي مع الكشف عن علاقة الزواج القائمة بين مأمون الرفاعي وهيلغا براون والتي تصل في هذا المشهد إلى طريق مسدود حين يصرّ الدكتور على العودة إلى وطنه.
في المشهد الثالث يصرّ المحقق على كشفِ ملابسات مصرع الدكتور الرفاعي مما يكلفه حياته.. مع بداية المشهد الأخير تبدأ أصابع الاتهام بالتوجه نحو هيلغا التي نكتشف أنها يهودية وقد تآمرت على قتل زوجها الدكتور والتي تدفع بدورها ثمناً باهظاً لقاء إصرارها على المحافظة على حياة ابنها الذي هو ابنها الدكتور أيضاً، وفي هذا المشهد يكشف الكاتب النقاب عن مدى التغلغل الصهيونيّ في مفاصل الدولة الألمانية كنموذج عن التغلغل في الحياة السياسية الغربية، وبالتالي القرار السياسي الغربي.
تشكل هذه المسرحية محاولة لتسليط الضوء على جانب هامّ من جوانب الصراع العربي الصهيوني وهو الجانب المتمثل في حرصِ الصهاينة على تجريد العرب من كلّ أسلحتهم ومكامن قوتهم، كما أنها تشير إلى النتائج المأساوية التي يمكن أن تنتج عن عدم قدرة الدول العربية على احتواء المفكّرين والنابغين من أبنائها الذين يضطرون إلى مغادرتها ليقعوا فريسة سهلة بين براثن الوحش الصهيوني.
الجدير بالذكر أن للكاتب المسرحي حمدي موصللي عدداً من النصوص المسرحية المنشورة والمعروض بعضها على خشبات المسارح السورية والعربية، وله عدد من الكتب النقدية والبحثية، وهو عضو في لجان تحكيم عدد من المهرجانات المسرحية.

