Menu

محمود الريماوي... حكاية إبداع بين الأدب والصحافة

وفاء حميد

نشر في مجلة الهدف العدد (81) (1555)

من قلب أريحا نبتت جذوره، حتى هجّرته يد الاحتلال الصهيوني إلى الأردن. عمل محررًا وصحفيًّا وكاتبًا في بيروت و الكويت وعَمّان... وبعد أن أصبح كاتبًا وصحفيًّا معروفًا، عاد وزار بلده فلسطين؛ ليثبت لأرضه أنه ابنها الذي لن يتخلَّى عنها، وأورثته نضال الكلمة قبل السلاح. ولا يزال حتى الآن يعمل كاتبًا سياسيًّا في جريدة "الرأي" الأردنية. وصدر له العديد من الإصدارات الأدبية، منها: "عربي في صحراء ليلية"، "الجرح الشمالي"، "كوكب تفاح"، "أملاح"، "ضرب بطيء على طبل صغير"، وغيرها الكثير.

عاش محبًّا للقراءة، نهماً لكل ما يقع بين يديه من كتابات، حتى أصبحت القراءة هدفه ومسيرته النضالية في طريقين جميلين وصعبين في آن، ويحتاجان جهدًا مضاعفًا. لم يبرح القلم يده، فأصبح صديقه الصدوق كصحفي في ساعات الصباح، وأديب روائي في المساء، ويردّد دائماً: أنسى الأدبَ عندما أكتب في السياسة، وأنسى السياسةَ حين أكتب أدبًا.

أحب الشعر لكنه وجد نفسه مقموعًا فيه، لأن الشعر بحاجة إلى أذن موسيقية تتحسس الإيقاع والعروض، فاكتشف أنه يفتقد هذه الحساسية الموسيقية، فاستقر على كتابة السرد. خفف من ميوله الشعرية من أجل كتابة النثر الحقيقي دون الاتكاء على الشعر، لكنه يرى أن الشعر يبقى حاضرًا حتى في السرد: الرؤية الشعرية، والإحساس الشعري بالقضايا والمواقف، وطريقة التفاعل مع التجارب التي تعكس الحالة الشعرية أحيانًا، وهذا موجود في بعض ما يكتبه. يقول: صحيح أنه يوجد لدي شاعر مقموع، لكن هذا الشاعر ينفّس عن نفسه أو يعبّر عن نفسه بطريقة مختلفة؛ يتسرب الشعر إلى السرد من دون تقصد مني.

وبالنسبة للشعر أو القصة، لا يرى مفاضلة في أيهما أسرع انتشارًا، فجميع الفنون تخاطب الروح والمشاعر لكن طريقة التعبير تختلف بين فرد وآخر. قد يكون الشعر لديه قدرة على ملامسة المشاعر بصورة فورية، لكن النثر يبقى تأثيره في النفس لأمد طويل. قد لا يكون للنثر الفني بالسرد ذلك الأثر المباشر في مخاطبة المشاعر والعواطف كما للشعر، لكن لا توجد مفاضلة بين الفنون؛ فكلها فنون جميلة، والفرق يكون بين الشعر الجيد وغير الجيد، لكنه لا يصدر حكمًا بأن الشعر أفضل من غيره، فهذا مقياس غير صحيح، الشعر قريب من الأدباء، قريب من البوح، ولهذا فإن الأدباء حين يبدأون حياتهم الأدبية يحاولون كتابة الشعر؛ لأن هناك اعتقادًا بأن الشعر قريب من البوح والإفصاح عن الذات. لكن الشعر أكبر من ذلك، وليس مجرد بوح، ومن الخطأ أن يتصور الكاتب الجديد هكذا مفهوم. الشعر هو الروح، ولديه حاجة إلى الروح فيلجأ إلى الشعر حتى يكتشف طريقة أو يجد وسيلة مناسبة له.

يقرأ لأدباء عرب وغيرهم، وكل ما يقع بين يديه من قصص عربية أو أجنبية، بما في ذلك بعض القصص التي توصف بالضعف الفني، وقد يجد فيها جوانب مضيئة تتعلق بالرؤية أو التجربة أو الموقف الذي لم يُعبّر عنه بالقصة، وبالتالي قد يكتشف أشياء جديدة. قد يُصنَّف العمل بأنه رديء أو ضعيف، وهو لا يقصد الترويج لما هو ضعيف أو ركيك، فالجيد جيد والضعيف ضعيف، لكنه في إقباله على القراءة تستوقفه قصة لم تكن على سوية عالية من البناء الفني لكن تجربتها مميزة أو فريدة في المضمون؛ وعلى القارئ أن يكون واسع النظر، يقرأ الإبداع بمحبة، وبإمكانه أن يكتسب أشياء جميلة حتى من وسط أشياء قد تكون ذات مستوى غير عالٍ، أن يقرأ بروح موضوعية محبة للإبداع، ولا يكتفي بإصدار أحكام مسبقة أو لاحقة، وأن يعيش مع تجارب الكتاب الآخرين.

عاصر الريماوي أدباء ما زالوا في ذاكرته، كما في اللاوعي، وتجارب الآخرين من الأدباء الذين أسعَفوه في تطوير أدواته. وليس هناك كاتب يبدأ من الصفر؛ ويرى أنه لابد من أن يقرأ للأسلاف من الأدباء الرواد كي يقف على المنجز الأدبي والإبداعي، وكيف يحاول أن يضيف جديدًا لمن سبقوه. لا يستطيع الكاتب أن يبدأ من الصفر؛ الكتابة من الصفر أشبه بزراعة نبتة من دون حفرة للجذور ومن دون سماد، النبتة لا تنبت على سطح الأرض، يجب أن يكون لها جذور، والجذور تأتي من خلال قراءته للرواد والأعلام العرب والأجانب. وبالاطلاع على هؤلاء سيكتشف نفسه: أين هو وماذا يريد؟ وسيسعى بعد ذلك إلى أن يضيف جديدًا، سواء في مجال الأسلوب أو الموضوعات التي يتطرق لها أو البناء الفني الذي يقترحه. وبالتالي القراءة أساسٌ لكل كاتب وأديب، لو لم يقرأ الأدباء لغيرهم ولمن سبقهم لما أنجزوا ما أنجزوه.

أما جيل التكنولوجيا فهو يشجعهم على الاستفادة منها؛ ففيما مضى كان الحصول على الكتاب أمرًا صعبًا، والآن موجود على الإنترنت. وينصح هذا الجيل بأن يقرأ الكتابات والقصص، وأن يقرأ لتشيخوف وموباسان ويوسف إدريس وزكريا تامر، ومن الروايات لدوستويفسكي وماركيز وغيرهم، ثم يتوسع فيقرأ الأعمال الكلاسيكية. التكنولوجيا توفر هذا، لكن ليس الهرب نحو الأشياء الخفيفة والسريعة؛ إنها فرصة تسهّل الاطلاع، ليس الاطلاع على البودكاست أو الأغاني فحسب.

أما بالنسبة للكاتب الفلسطيني الذي يعيش داخل الأراضي المحتلة أو خارجها، فيبقى فلسطينيًّا بشعوره تجاه فلسطين حين يكتب لها، سواء كان على أرضه أو اضطُر للنزوح. لكن من بقي على أرض الوطن فإن ارتباطه مختلف عمن يعيش في الخارج؛ لأن الوطن الآن ليس مجرد وطن، بل هناك احتلال موجود، وبالتالي هناك قدر كبير من المعاناة، وللأسف هناك استيطان وواقع احتلالي، وهذا ما يميز الكاتب الفلسطيني المقيم على أرض فلسطين عن الذي يعيش في الخارج. هناك احتلال عنصري لا يكف عن سرقة الإرث والمياه والأمان، وسلب الطمأنينة من أبناء الأرض، وهم الآن في ظل ظروف أكثر صعوبة من قبل، بعد أن أصبحت الآلة الصهيونية أكثر توسعًا في نهب الأرض وتشريد الشعب. ويستغلون تشرذم العالم العربي وضعفه وانقسامه، وأن القضية الفلسطينية لم تعد عند بعض الأطراف قضية مركزية، وينعكس ذلك على تعاملهم مع الفلسطينيين. حين يكون هناك تطبيع متزايد، يتم التعامل بغطرسة أكبر تحت ادعاء أن العرب يطبعون معنا فماذا أنتم فاعلون؟ فلابد من التواصل مع أبناء الأراضي المحتلة ودعم صمودهم بكل الأشكال الممكنة، فإن معركتنا معركة وجود في التصدي للأطماع الصهيونية، ومعركة وعي على الرواية وعلى ما حدث.

عاش الأديب محمود الريماوي مرحلة طفولته وأولى شبابه في فلسطين وبدأ فيها حياته العملية، وعندما هُجِّر لم ينسَ قضيته وواكب الكتابة عنها وعن الشعوب المشابهة له، فكانت رواية "بنغلاديش" محاولة للتعرف على الآخر في عالمنا. فقال لنفسه: هناك آخر مختلف في الوعي السائد وثقافتنا، القسم الشرقي من البلدان النامية، الشعوب الباحثة عن الحرية والكرامة والخبز. فكانت بنغلاديش نموذجًا لهذه البلدان النامية، فهي تشبه الشعب الفلسطيني في سعيه لبناء وطنه. ومن ناحية أخرى، تقوم الرواية على استغلال التقدم الطبي لأغراض تخدم أطرافًا خارجية على حساب الفقراء؛ تقدُّم علمي في المجال الطبي، فكان هناك عبث بالمعايير الطبية في التعامل مع المرضى في ذلك البلد، بحيث يتم الاستيلاء على الطاقة الحيوية في أجسادهم. وبنغلاديش تصلح أن تكون نموذجًا، علماً أنه لم يعش فيها وليس لديه فكرة عن المعايشة، لكن حين تبلورت الفكرة في ذهنه قرأ الكثير عنها واطلع على فيديوهات وأفلام عن نمط الحياة وطريقة العيش، حتى إن من قرأها شعرَ أن الكاتب مقيم فيها ويعرفها. لكن هذا نوع من التفاعل والتواصل بين الثقافات خلق جسرًا يربط بين ثقافة شرقية تعيش ظروفًا شبيهة بهذه الظروف.

كما كتب عن بلدٍ مشابه لبلده في المعاناة، كان شغوفًا محبًّا لبلد آخر: دمشق، التي لم يزرها لأكثر من نصف قرن، فكان يشعر بحسرة الحرمان من هذا البلد الجميل الكبير، وهو مركز بلاد الشام. وبعد أن أتيحت له الفرصة بعد ما حدث من تغيير في هذا البلد، أصبحت زياراته تتكرر. أما مخيم اليرموك، فقد سمع وقرأ عنه الكثير، وكيف أنجب عددًا كبيرًا من الأدباء والمثقفين، وبعد ما حدث في هذا المخيم، أصبح يعاني من شيئين: الأول فقدان الوطن، وهذه مأساة لإثبات الوجود وتجربة الاقتلاع من الوطن، ثم تجربة بناء حياة جديدة في الخارج. لكن الفلسطيني عنده قدرة على التكيف والإبداع، وقد أدت الظروف إلى مراحل في المخيم المأساة الأولى الأصلية، ثم مأساة المخيم الذي هو عاصمة الشتات.

أما عن الهدف الذي يسعى إلى تحقيقه، فيقول: الهدف الذي سعيت إليه في حياتي أن أكون كاتبًا وصحفيًّا، وقد حققت ذلك. فمنذ صغره كان شغوفًا بالقراءة، والتي ساعدته على اكتشاف ذاته والخوض في عالم الكتابة، كما كان مولعًا بالصحافة العربية. ويقول: لحسن حظي عملت في الفترة الذهبية في الصحافة العربية، وعملت فيها أيام الصحافة الورقية، وكانت طموحاتي أن أكون كاتبًا وصحفيًّا وحدث ذلك. وهو رغم ذلك يشعر بعدم الاكتمال، وهو الحافز في الحياة والمحرك للإنسان. ويعتقد أنه كتب أقل مما يجب، لأن الكتابة بالنسبة له شاقة وصعبة، وهو يمضي أكثر وقته في المتابعات السياسية في وسائل الإعلام الحديثة أو حتى القديمة، وهذه تستغرق وقتًا وجهدًا، وهذا ينعكس على الكتابة الأدبية. ويهجس الآن في مساء حياته أو أواخر عمره أن يكتب شيئًا يعبّر عنه من خلاصة حياته، لكنه ينتظر الحافز المحرك أو القوة كي يفعل ذلك.

أما بماذا يحلم الكاتب محمود الريماوي، فإن الأحلام بالنسبة له قد تراجعت عمّا قبل، أصبحت أبسط، لكن حلمه الأعمق أن يرى هذا العالم أقل وحشية مما هو عليه، وأقل عنصرية، وأكثر احترامًا للإنسانية مما هي عليه، والارتقاء بالشعوب والأمم، وألا يكون الهدف هو الهيمنة وبسط النفوذ والتوسع أو تطوير أسلحة الدمار الشامل، بل أن تكون الحياة بسيطة وأجمل، وأن ينال الفلسطينيون حقوقهم بعد معاناة وكفاح قرن كامل. حلمه أن يعيش الفلسطينيون كما يستحقون أن يعيشوا بحرية وكرامة، وأيضًا الآخرون من الشعوب أن ينعموا بحرية وكرامة، وأن تكون حقوق الإنسان ليست مجرد عبارة بل واقعًا يعيشه الجميع، يتمتعون فيه بحقوق ثابتة، ويتوقف الظلم والتمييز ضد فئة من المجتمع، وخاصة النساء وأصحاب الحظوظ الضعيفة. وهي ليست مجرد أمنية، بل هي هدف برنامج للمستقبل، يجب أن يتمسك بها كل الأدباء والفنانين. وقد رأينا مؤخرًا فنانين اكتشفوا زيف الصهيونية واكتشفوا جمالية الفلسطيني، بعضهم يهود وحتى من كان يعتنق الصهيونية، فُتحت عيونهم على الحقيقة.

الأديب الريماوي صاحب مقولة " أنا صحفي في الصباح وأديب في المساء"، كتب بقلم مناضل بكل ما للكلمة من معنى. عاش مع جيل المناضلين مثل غسان كنفاني وعايشهم واستقى منهم النضال، كما عايش الأدباء واستقى الفن المبدع، فسار على درب الإبداع والنجومية صحافيًّا وأديبًا. فكانت مسيرة حياته وجهده من أجل فلسطين وشعبها باعتبارها بلد الأديان التاريخية وبلد الثقافات وتعاقب الغزاة والمستعمرين، وأيضًا بلد الكفاح والصمود على أرض الوطن. فهي متنوعة جغرافيًا: مناطق ساحلية، سهول، جبال، صحراوية، فيها مدينة أريحا التي نشأ فيها، حيث الشتاء يكون أقل برودة، والتي لا تبعد عن رام الله سوى حوالي 40 كم. رام الله المصيف الجميل لينتقل إلى أريحا مصيف آخر لا يقل جمالًا. اختلاف كبير في الطبيعة والتنوع الجغرافي والبيئي في فلسطين كلها، هذا ما ينزع إليه في الأدب مرة بطريقة مباشرة وأخرى غير مباشرة، لأن الأمر قد يحمل خطابًا مباشرًا، ويكفي أن يعبّر الفلسطيني عن حالات إنسانية ذات قيمة حتى تُشير إلى فلسطين. أما الصحافة فهو يكتب دائمًا عن فلسطين، صراع مراحل الوجود والحرية والكرامة، هو صراع لن ينتهي، تتوارثه الأجيال جيلًا بعد جيل، ولن يتوقف حتى العودة إلى فلسطين.