Menu

السودان من الانقلاب إلى الحرب: تحليل الكتل السياسية الأربع وتقاطعات المصالح

عمار الباقر

نشر في مجلة الهدف العدد (81) (1555)

في الخامس والعشرين من أكتوبر 2021م، قامت قيادة القوات المسلحة السودانية، بالتحالف مع ميليشيا الدعم السريع، بالانقلاب على الحكومة المدنية التي شكّلتها القوى السياسية التي قادت الثورة ضد نظام البشير. وقد حظي هذا الانقلاب بدعم عدد من الميليشيات المنتشرة في منطقتي دارفور والنيل الأزرق، الغنيتين بالمعادن وعلى رأسها الذهب، إضافة إلى الثروة الحيوانية وكميات كبيرة من المحاصيل الزراعية. وتعمل هذه الميليشيات على الاستيلاء على هذه الموارد وبيعها خارج مظلة الدولة، حيث يُصدَّر الذهب إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وتُصدَّر الماشية إلى جمهورية مصر العربية كما تلعب دولة تشاد كوسيط يستقبل المحاصيل الزراعية وعلي رأسها الصمغ العربي الذي يعتبر السودان أكبر منتج له على مستوى العالم وتقوم بإعادة بيعه إلى كارتيلات الصمغ العربي في فرنسا وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية أكبر مستورد له.

إلا أن هذا التحالف سرعان ما تحول إلى صراع دموي بين أطرافه حول السيطرة على الموارد، فاندلعت في الخامس عشر من أبريل 2023م حرب طاحنة بين القوات المسلحة السودانية وميليشيا الدعم السريع شبه الحكومية، بينما انقسمت بقية الميليشيات بين الطرفين.

وقد أسفرت هذه الحرب عن مقتل ما يزيد على مئة وخمسين ألف شخص، ونزوح نحو 9.1 مليون مواطن سوداني داخلياً، ومغادرة 4.5 مليون آخرين إلى خارج البلاد. كما يحتاج حوالى 25 مليون مواطن إلى مساعدات غذائية، ويعاني نحو 3.6 مليون طفل من سوء التغذية، فيما يوجد قرابة 12 مليون طفل خارج النظام التعليمي، وذلك بحسب إحصاءات وكالات الأمم المتحدة.

وعلى الرغم من هذا الواقع المأساوي، لا تزال الحرب الأهلية في السودان مستمرة، وقد قاربت على إكمال عامها الثالث، تغذيها قوى إقليمية ودولية تعمل على تأجيج النزاعات ذات الطابع القبلي والعرقي بين أطراف الصراع، في مسعى لتفتيت الدولة السودانية بغرض السيطرة على مواردها.

ومن يتابع المشهد السياسي السوداني يلحظ وجود أربع كتل سياسية رئيسية: (الجيش وحلفاؤه، الدعم السريع وحلفاؤه، تحالف صمود، تحالف قوى التغيير الجذري). وتتبنى هذه الكتل مواقف متباينة تجاه مسار نمو وتطور البلاد وأيضاً مبادرات التسوية ووقف الحرب في السودان، وأهمها مبادرة دول الرباعية (الولايات المتحدة الأمريكية، مصر، السعودية، الإمارات)، والتي تُعد من أبرز وأقوى المبادرات المطروحة حالياً. كما يقود الاتحاد الأفريقي تحركات أخرى، وتلعب الهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد) دوراً محورياً فيها، وهي تكتل إقليمي يضم: السودان، جنوب السودان، إثيوبيا، جيبوتي، الصومال، كينيا، وأوغندا. كذلك توجد تحركات من بعض دول الاتحاد الأوروبي التي تسعى إلى لعب دور محدود في جهود التسوية. هذا إلى جانب أدوار معلنة وغير معلنة تقوم بها دول مثل مصر والإمارات و السعودية في دعم بعض أطراف الحرب.

إن قراءتنا لمواقف هذه الكتل الأربع تنطلق من تحليل تقاطعات شبكات المصالح التي تتحرك داخلها كل كتلة. فنجد أن قادة القوات المسلحة السودانية، وحلفاءهم من عناصر الحركة الإسلامية السودانية وقادة ميليشيات ذات بعد اثني وقبلي منتمين إلى إقليمي دارفور والنيل الأزرق، الذين تمكنوا من السيطرة على معظم مناطق شرق وشمال ووسط السودان. ونجد أن هؤلاء مدعومون بصورة كبيرة من مصر، ويسعون إلى تثبيت أركان نظام الحكم الذي ورثوه عن البشير عبر السيطرة على الموارد المعدنية، وعلى رأسها الذهب الموجود في الولايات الشرقية والشمالية والذي تقدر عائداته ما بين 1.5- 1.9 مليار دولار سنوياً وإن اشارت تقديرات غير رسمية إلى أن المبلغ الحقيقي يتجاوز الاربعة مليارات دولار في إشارة إلى عمليات تهريب كبيرة تتم خارج قنوات الدولة الرسمية. كذلك يعمل هذا التحالف على ربط مصالحهم السياسية والاقتصادية بعدد من دول الإقليم والعالم، مثل روسيا والسعودية.

أما المجموعة الثانية، التي تقودها ميليشيا الدعم السريع والمدعومة من الإمارات، فقد نجحت في السيطرة على معظم الولايات الغربية، ولا سيما ولايات دارفور، وتمكنت من تكوين تحالف سياسي يُعرف باسم "تحالف تأسيس"، يسعى إلى إنشاء حكومة أمر واقع في إقليم دارفور، متخذاً من إحدى مدنه (نيالا) مقراً له. ويعتمد هذا التحالف على عائدات نفط جنوب السودان، الذي يمر عبر مناطق سيطرة الدعم السريع، حيث يتم اقتسام هذه العائدات مع الحكومة التي يقودها الجيش، إضافة إلى عائدات الذهب والثروة الحيوانية في المنطقة والتي تقدر أعدادها بحوالي مئة مليون رأس من الابقار والضان. كما تعتمد حكومة "تحالف تأسيس" على النفوذ السياسي للإمارات لدى حكومة خليفة حفتر في ليبيا ، وعدد من الدول الأفريقية مثل تشاد وكينيا وإثيوبيا، لتأمين سلاسل الإمداد، إلى جانب الدعم المالي والعسكري المباشر من الإمارات.

المجموعة الثالثة هي "تحالف صمود"، وهو تحالف سياسي يضم عدداً من القوى المدنية، ويتحرك هو الآخر ضمن شبكة علاقات مع قوى إقليمية ودولية، حيث يتمتع بعلاقات قوية مع الإمارات ودول الاتحاد الأوروبي. ويسعى هذا التحالف إلى تسوية سياسية توقف الحرب عبر ضمان مصالح دول الإقليم في السودان، مثل الإمارات والسعودية ومصر، وتأمين انسياب الموارد الطبيعية من معادن ومياه ومحاصيل زراعية إلى هذه الدول ومن يدعمها من القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي. ويتلقى هذا التحالف دعماً سياسياً من دول الاتحاد الأوروبي.

أما المجموعة الرابعة فهي "تحالف قوى التغيير الجذري"، وهو تحالف يضم قوى ثورية ويسارية تسعى إلى تغيير معادلة الحكم بصورة جذرية عبر مشروع تنموي يهدف إلى توجيه موارد البلاد لخدمة أنماط إنتاج اجتماعية تضمن مشاركة أوسع للمواطنين في العملية الإنتاجية، والحد قدر الإمكان من تصدير الموارد في شكل مواد خام. كما ينادي بتعزيز القرار الوطني وسيادة الدولة على مواردها لصالح الطبقات الفقيرة والمهمشة. ويتبع هذا التحالف تكتيكات سياسية تقوم على استنهاض القوى الشعبية وتنظيم الجماهير في أطر قاعدية للدفاع عن مصالحها المحلية وحماية مواردها من النهب والاستغلال. كما يؤمن تحالف قوى التغيير الجذري بالعمل السياسي السلمي كخيار رئيسي لوقف الحرب الأهلية وإنهاء التبعية، والخلاص من هيمنة كبار الضباط في الجيش وحلفائهم من قادة الميليشيات. كما يعمل على إسقاط الحكومة القائمة في بورتسودان بقيادة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وحلفائه، وكذلك التصدي لمحاولات فرض حكومة أمر واقع في الولايات الغربية بقيادة قائد ميليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) وحلفائه.

ختاماً، فمن يتابع مسيرة الفصيلين الأولين (فصيل قادة الجيش ومجموعة تأسيس) يلحظ أنهما فصيلان مسلحان يعتمدان على القوة العسكرية وتكوين الميليشيات كأداة رئيسية للعمل السياسي، كما أن ثقتهم محدودة جداً في العمل الجماهيري السلمي، وهو ما قاد في نهاية المطاف إلى اندلاع الحرب الأهلية. كما أنهما يتعاملان مع مسألة التبعية للمحاور الإقليمية والدولية بأريحية شديدة ويعتبرانها سقفاً لطموحاتهما السياسية.

أما الفصيل الثالث (تحالف صمود)، فعلى الرغم من أن معظم مكوناته مدنية، إلا أنه يشترك مع الفصيلين الأولين في قناعته بأهمية وضرورة التبعية والارتباط بالمحاور الإقليمية والدولية، وأن ذلك هو المسار الوحيد المتاح لتطور ونمو البلاد، مستلهمين في ذلك نموذج دول الخليج العربي. ونتيجة لذلك، يهملون العمل السياسي القاعدي وسط الجماهير داخل السودان، وينتهجون أساليب فوقية لا تعطي أولوية لتنظيم الجماهير، مما أدى إلى حالة من العزلة بينهم وبين قطاعات واسعة من الشعب السوداني داخل البلاد، وانحصر نفوذهم الأكبر في أوساط السودانيين المقيمين في دول المهجر.

أما الفصيل الرابع (تحالف التغيير الجذري)، فعلى الرغم من محدودية نفوذه وضعف إمكاناته، إلا أنه يتميز بدرجة عالية من التجانس والتفاهم السياسي بين مكوناته، ويتبع تكتيكات طويلة النفس تعتمد على تعبئة الجماهير وتنظيمها داخل السودان، وهو ما قد يجعله إذا ما استمر على هذا النهج قوة سياسية مؤثرة في مستقبل العمل السياسي في البلاد.

يبقى مصير السودان معلقاً بين هذه الكتل السياسية الأربعة، وتبقي الخيارات أمامه مفتوحة وفقاً لتقاطعات المصالح الدولية والإقليمية في المنطقة، كما سوف تشكل الحرب الدائرة اليوم في منطقة الخليج العربي عاملاً مهماً في مسار تسوية الأزمة السودانية خصوصاً وأن قسماً كبيراً من خيوط اللعبة في السودان هي في أيدي المملكة العربية السعودية والإمارات المشغولتين بالقصف الإيراني لمنشآت الطاقة فيهما، إضافة إلى مصر التي تشعر بالقلق على أمن وسلامة الملاحة عبر البحر الأحمر خوفاً من انخفاض عائدات قناة السويس مما سيفاقم من أزمتها الاقتصادية، هذا إلى جانب آثار هذا الصراع الأوضاع في الأرض الفلسطينية المحتلة وعلى رأسها الأوضاع في غزة.