في اليوم العالمي للشعر الذي يصادف 21 من شهر آذار، كان لا بد من التأكيد على أن الشعر في فلسطين لم يكن يوماً ترفاً فكرياً، بل كان وما زال وسيلة مقاومة نابعة من قلب المعركة، وإن كانت فلسطين قد شهدت في فترة الجهاد والثورة قبيل النكبة عدداً من الشعراء المميزين كإبراهيم طوقان وأبي سلمى وغيرهم، إلا أن الشاعر عبد الرحيم محمود هو الوحيد الذي قال الشعر وحمل السلاح، وسبقه في ذلك فقط نوح إبراهيم في الشعر الشعبي.
شاعر فلسطين الملهم
عبد الرحيم محمود شاعر فلسطيني، وكان إلى جانب إبراهيم طوقان وعبد الكريم الكرمي ممن صاغوا الذاكرة الجماعية الفلسطينية في فترة الاستعمار البريطاني، وتميز عنهما بانخراطه في ساحات النضال عبر مشاركته في ثورة 1936، ولُقِّب بالشهيد حتى قبل استشهاده، وبشاعر فلسطين الملهم وشاعر الكلمة والميدان، وهو الذي نذر قصائده وروحه للدفاع عن الوطن على الرغم من رحلته القصيرة في الحياة والتي لم تتجاوز الخامسة والثلاثين عاماً، ولكنها كانت حافلة بالشعر والنضال، وقد ردَّدت أجيال عديدة قصيدته الشهيرة "الشهيد"، التي خلَّدت اسمه، وكان قد كتبها وهو في الرابعة والعشرين من عمره لتُعدَّ من أروع القصائد العربية في حب الوطن:
سَأَحمِلُ روحي عَلى راحَتي وَأَلقي بِها في مَهاوي الرَّدى
فَإِمّا حَياةٌ تَسُرُّ الصَديقَ وَإِمّا مَماتٌ يَغيظُ العِدى
وَنَفسُ الشَريفِ لَها غايَتانِ وُرودُ المَنايا وَنَيلُ المُنى
بِقَلبي سَأَرمي وُجوهَ العُداة وَقَلبي حَديدٌ وَناري لَظى
وَأَحمي حِياضي بِحَدِّ الحُسامِ فَيَعلَمُ قَومي بِأَنّي الفَتى
لُقِّب عبد الرحيم محمود على إثر هذه القصيدة بالشاعر الشهيد حتى قبل استشهاده، وتُعد هذه القصيدة من أكثر القصائد الوطنية التي ما زالت تُردَّد وتحفظها الأجيال، وقد وصف بها الشهيد بأجمل صورة:
كَسا دَمُهُ الأَرضَ بِالأُرجُوانِ وَأَثقَلَ بِالعِطرِ ريحَ الصَبا
وَعَفَّرَ مِنهُ بَهِيَّ الجَبينِ وَلكِن عَفاراً يَزيدُ البَها
وَبانَ عَلى شَفَتَيهِ اِبتِسام مَعانيهِ هُزءٌ بِهذي الدُنا
وَناَم لِيَحلمَ حُلمَ الخُلودِ وَيَهنَأَ فيهِ بِأَحلى الرُّؤى
ولم يستثنِ نفسه فيها في السير على الطريق ذاته الذي سار عليه الشهداء:
لَعَمرُكَ إِنّي أَرى مَصرَعي وَلكِن أَغذُّ إِلَيهِ الخُطى
أَرى مَقتَلي دونَ حَقّي السَليب وَدونَ بِلادي هُوَ المُبتَغى
لم تكن هذه القصيدة هي الوحيدة التي كتبها عن الشهيد وإن كانت أشهرها، حيث كتب قصيدة أخرى حملت عنوان "بطل شهيد":
أَإِذا أَنشَدتُ يوفيكَ نَشيدي حَقَّكَ الواجِبَ يا خَيرَ شَهيدِ
أَيُّ لَفظٍ يَسَعُ المَعنى الَّذي مِنكَ أَستَوحيهِ يا وَحيَ قَصيدي
لا يُحيطُ الشِعرُ فيما فيكَ مِن خُلقٍ زاكٍ وَمِن عَزمٍ شَديدِ
كَمُلَت فيكَ المُروءاتُ فَلَم يَبقَ مِنها زائِدٌ لِلمُستَزيدِ
لَم أَكُن قَبلَكَ أَدري ما الَّذي يُرخِصُ الدَمعَ وَيودي بِالكُبودِ
كُلُّ بَيتٍ لَكَ فيهِ مَأتَمٌ يَندُبُ الناسُ بِهِ أَغلى فَقيدِ
أما في قصيدته "نداء الوطن" فقد دعا أيضاً إلى ذلك قبل توجه مجموعة من المناضلين إلى فلسطين عام 1948 بعد أن تدربوا قرب دمشق وكان هو بينهم:
دعا الوطنُ الذبيحُ إلى الجهادِ فطارَ لفرطِ فرحتِهِ فؤادي
وسابقتُ الرياحَ ولا افتخارٌ أليسَ عليَّ أنْ أفدي بلادي؟
حملتُ على يدي روحي وقلبي وما حمّلتُها إلا عتادي
وقلتُ لمنْ يخافُ من المنايا أتفرقُ من مجابهةِ العوادي؟
أتفعدُ والحمى يرجوكَ عوناً وتجبنُ عن مصاولةِ الأعادي؟
كما حذَّر فيها من ضياع فلسطين:
إذا ضاعت فلسطين وأنتم على قيد الحياة ففي اعتقادي
بأن بني عروبتنا استكانوا وأخطأ سعيهم نهج الرشاد
ومن قصائده الجميلة قصيدة "الشعب الباسل" التي نُشرت في مجلة «الرسالة» المصرية عام 1936 وفيها وصف جميل للشعب الفلسطيني:
شَعبٌ تَمَرَّسَ في الصِعاب وَلَم تَنَل مِنهُ الصِعابْ
مُتَمَرِّدٌ لَم يَرضَ يَوْما أَن يُقِرُّ عَلى عَذابْ
عِرنِينُهُ بَلَغَ السَماء وَرَأسَهُ نَطَحَ السَحابْ
إِن تَجهَل العَجَبَ العُجاب فَإِنَّنا العَجَبُ العِجابْ
نَحنُ الأُلى هابَ الوُجود وَلَيسَ فينا مَن يَهابْ
في عام ١٩٣٥ زار الأمير سعود ولي عهد المملكة السعودية آنذاك القدس ، فألقى قصيدة شهيرة حملت عنوان "المسجد الأقصى" خاطب بها الأمير قائلاً:
يا ذا الأمير أمام عينك شاعر ضُمِّنتُ على الشكوى المريرة أضلعه
المسجد الأقصى أجئت تزوره أم جئت من قبل الضياع تودعه؟
وحين استشهد عبد الرحيم محمود يوم 13 تموز 1948م في قرية الشجرة بعد أن أصابته قذيفة في عنقه، لم يغادره الشعر، فردد وهو محمول على الأكتاف:
احملوني احملوني واحذروا أن تتركوني
وخذوني ولا تخافوا وإذا مت ادفنوني
وبناءً على وصيته ورغبته، دُفن في مدينة الناصرة، تاركاً خلفه عدداً من القصائد التي كتبها بين عامي 1935م و1948م، كان قد نشر بعضها في المجلات الفلسطينية واللبنانية والسورية والمصرية، وهي تضم إلى جانب قصائده الوطنية قصائد تتعدد موضوعاتها بين الفخر والحماسة، وقصائد عن العمال وحقوقهم، وأخرى تأملية، إلى جانب ما تحتويه بعضها من معانٍ حكيمة، فها هو يدعو صديقاً له في قصيدة "فتبسم يا عزيزي":
إن تجد باب الأماني مغلقاً لا تكشر وتلم من سكره
إن بواب الأماني مرح يبغض اليأس ويخشى الكشرة
وفي قصيدة أخرى يخاطب إحداهن قائلاً:
اضحكي فالعمر يا سمراء يمضي كالثواني.. وابسمي لسنا سوى لحن على ثغر الزمان
من الشعراء الأوائل
بعد استشهاده بعشر سنوات، جُمعت قصائده ضمن ديوان صدر في عَمان عام 1958م، ويضم أهم ما كتبه من قصائد بعد رحلته القصيرة في الحياة والشعر والنضال. ويجمع النقاد على أنه كشاعر قد توغَّل في موضوعة الشعر، وبحوره، وأسسه التي يقوم عليها الشعر العربي الأصيل، فكان من الشعراء الأوائل الذين ذاع ذكرهم من شعراء الطليعة في فترة الثلاثينات من القرن الماضي، وكان ملتزماً بالشكل الأصيل للشعر العربي، ينظم الشعر العمودي المقفى، ويغوص في بحور الشعر بإيقاعاتها المختلفة وصورها الشعرية العميقة، متمكناً من لغته العربية.
عبد الرحيم محمود
شاعر ومناضل وشهيد، وُلد في بلدة عنبتا إلى الشرق من طولكرم عام 1913، ضمن أسرة عُرفت بالثقافة والعلم والفقه، حيث تخرج والده في الجامع الأزهر. أنهى عبد الرحيم محمود دراسته الابتدائية في بلدته عام 1925، وأكمل دراسته المتوسطة في مدينة طولكرم، والثانوية في مدرسة النجاح في مدينة نابلس 1928-1932، وكان من بين أساتذته فيها الشاعر إبراهيم طوقان الذي كان ملهمه. وبعد حصوله على الشهادة الثانوية، عمل مدرساً للأدب العربي في المدرسة ذاتها، وكان من بين تلاميذه الشاعر الفلسطيني الراحل خالد أبو خالد الذي كثيراً ما كان يذكر أنه لم يكن يدرسه وحسب، بل كان هو من علَّمه قراءة الشعر وحسن إلقائه، وأن تكون فلسطين حاضرة في كل ما يفعل. وعندما اشتعلت الثورة الكبرى في فلسطين سنة 1936، استقال عبد الرحيم محمود من وظيفته وانضم إلى صفوف المقاتلين، وقاد إحدى الفصائل وجُرح في إحدى المعارك ضد البريطانيين، فلجأ إلى دمشق، ومنها إلى العراق، حيث التحق بالكلية العسكرية عام 1939، وتخرج فيها برتبة ملازم ثان. وفي العراق، عمل في بغداد أيضاً مدرساً للغة العربية ومديراً لمدرسة ابتدائية في البصرة، ويُقال إنه كانت له جولات في مجال الأدب مع شعراء العراق كالرصافي والجواهري. أما قصائده التي كتبها هناك فعديدة، وكلها تعبر عن مدى حنينه واشتياقه لوطنه، فيقول في إحداها:
تلك أوطاني وهذا رسمها في سويداء فؤادي محتفر
يتراءى لي على بهجتها حيثما قلَّبتُ في الكون النظر
كما تعرَّف عبد الرحيم محمود في العراق على عبد القادر الحسيني بطل معركة "القسطل"، واشترك في حركة رشيد الكيلاني في أيار 1941، وشارك معه في معركة "سن الذبان"، ثم عاد إلى فلسطين والتحق بالهيئة التدريسية في كلية النجاح حتى العام 1947. وعندما شكلت الجامعة العربية جيش الإنقاذ على إثر قرار التقسيم عام 1947، انضم إليه وشارك في عدة معارك ضد القوات البريطانية. وفي نيسان عام 1948م، عُيِّن آمراً للانضباط في طولكرم، ثم مساعداً لآمر الفوج في الناصرة، ليستشهد يوم 13 تموز 1948م في قرية الشجرة.

