Menu

بين صفحات الكتاب صورة، وزهرة، وتذكرة سينما

أيمن مارديني

نشر في مجلة الهدف العدد (81) (1555)

بين دفتي كتاب مستعمل، حيث تتآكل الحواف قليلاً، ويأخذ الورق لون العسل القديم، تنام أشياء صغيرة، لا تبدو منسية بقدر ما تبدو مؤجلة الحضور؛ كأنها لحظات خبأت نفسها بين الصفحات لتنهض عندما تلمسها عين أخرى.

 

صورة شاحبة الأطراف، أول ما يلوح وجهان يبتسمان لزمن لم نعرفه قط، ومع ذلك يتسرب من ابتسامتهما دفء غامض، شيء من صيف بعيد. ليست الصورة مجرد ملامح محفوظة، بل هواء خفيف كان يمر بينهما، لحظة توقفت ثم تحجرت في الورق.

 

وبالقرب منها ورقة نقد قديمة، ربما وُضعت يوماً فاصلاً عابراً بين صفحتين، ثم بقيت هناك كأنها أثر يد كانت تعود، في المساء نفسه، إلى الجملة ذاتها. هنا لا تشتري النقود شيئاً؛ إنها مجرد علامة على توقف خفيف في مجرى الزمن.

 

ثم رسالة مطوية بعناية. حبرها باهت قليلاً، كأن الكلمات تخجل من الإقامة الطويلة. ما يظل منها ليس المعنى بقدر ذلك الارتجاف الخفي بين السطور؛ ارتجاف شخص كتب لأنه أراد أن يقول ما لا تستطيع اللغة أن تقوله كاملًا.

 

وفي طبقة أعمق من الصفحات، زهرة مجففة، مسطحة كذكرى ضغطتها الأيام بين راحتيها. لم يبق لها عطر، لكن في صمتها ظل حديقة مرت هنا ذات ربيع، وتركت شيئاً من خضرتها في الورق.

 

الكتب المستعملة ليست كتباً فحسب. إنها أرشيف حيوات صغيرة: أصابع قلبت الصفحات ببطء، عيون توقفت طويلاً عند جملة ما، قلوب خبأت بين الورق ما عجزت عن قوله في الهواء.

 

وكل قارئٍ جديد، حين يعثر على هذه البقايا، يعثر، بطريقة خفية، على قطعة صغيرة من نفسه.

 

تمضي الصفحات، ويواصل الكتاب انفتاحه البطيء، كصدر قديم يتنفس ذاكرة لا تخص أحداً بعينه، ومع ذلك تخصنا جميعاً

 

أحياناً تسقط قصاصة تذكرة: قطار، أو سينما. تاريخ مطبوع، مقعد برقم صغير، ومكان ربما تغير الآن. نتساءل: هل جلس صاحبها في العتمة يراقب فيلماً بينما كان قلبه في مكان آخر؟ أم كان يحدق من نافذة القطار إلى مدن تمر مثل أحلام سريعة، ويظن أن العمر أوسع مما هو؟

 

وفي الهامش خط رفيع بقلم رصاص. تحت جملة ما وضع قارئ قديم علامة صغيرة. لا نعرف لماذا توقف هناك. ربما لأن العبارة قالت له سراً كان ينتظره. وربما لأنه شعر، في تلك اللحظة بالذات، أن الكتاب يراه أكثر مما يرى نفسه.

 

تلك العلامات الهامشية—دوائر، خطوط، كلمات قصيرة مثل: «آه»، «صحيح»—ليست شروحاً للنص فقط، إنما تمتد لتشرح الحياة التي كانت تعبر النص. كأن القارئ يترك ظله الخفيف على الورق ثم يمضي.

 

وفي صفحة قريبة من النهاية قد نعثر على شعرة رفيعة، أو ورقة شجرة ذابلة، أو رائحة لا اسم لها. أشياء لا يلحظها إلا من يقرأ ببطء، كما لو أنه يصغي.

 

وهكذا يصبح الكتاب المستعمل أكثر من كتاب. إنه طبقات من الزمن: قراءة فوق قراءة، وحياة فوق حياة. نحن لا نفتح صفحاته فقط؛ نحن نفتح صدفة صغيرة من بحر الآخرين القديم.

 

وأحياناً يخطر لنا أن تلك الأشياء لم تترك مصادفة. كأن أصحابها، من غير قصد، كانوا يرسلون رسائل خفية إلى قارئ سيأتي بعد سنوات طويلة—قارئ مثلنا—يعثر عليها فجأة، فيرتبك قليلًا، ثم يبتسم.

 

لأن ما ينسى بين صفحات الكتب لا يضيع حقاً...

إنه ينتظر فقط من يعثر عليه

ومن يصغي إلى الهمس الخافت المتسرب من الورق.