بين بابٍ أُغلق لسنواتٍ طويلة، وآخر فُتح على اتساع الحلم، يقف الأسرى المحرّرون حاملي ذاكرةً مثقلةً بالتجربة، ووجهاً يعرف جيداً معنى الضوء بعد العتمة، لكنه ضوء غير مكتمل، حيث ملأه الفقد بعد الجفاء، عندما تعيش في عتمةٍ طويلةٍ بدعاء أحدهم، فتكون أمك مفتاح صبرك ومن زرع في قلبك حب الأرض والمقاومة، لكنّك ترى نوراً منقوصاً بعد عتمة طويلة، فيذهب المفتاح قبل أن يسمح لك باللّقاء.
"لقد كانت والدتي ملهمةً بالنسبة لي؛ لأنها كانت تصمد وتصبر وتتحدى، فهي علمّتني معنى الصبر والصمود، هي من ساندتني قبل الأسر، وعلّمتني الصمود بعده، والدتي التي كانت تواجه ضباط الاحتلال بسخرية وهم يسعون للضغط عليها لتسليم نفسي"، هكذا يروي الأسير المحرر كميل أبو حنيش عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في حديثه مع "بوابة الهدف الإخبارية"، في حديث عن والدته التي تلّقى خبر رحيلها مؤخراً، فاختلطت سعادة حريته بألم فقدان مفتاح صبره وصموده، حديث لا يبحث فقط في تفاصيل الفقد، بل في معنى الصمود حين يصبح الألم رفيقاً دائماً، وحين تتحول الذكريات إلى نافذة وحيدة على حضنٍ لن يعود، وقلبٍ توقفت دعواته.
الأسير المحرر والكاتب والمثقف أبو حنيش، الذي تحرّر في صفقة طوفان الأحرار الأخيرة، التي أبرمتها المقاومة الفلسطينية مع سلطات الاحتلال ضمن اتفاق وقف إطلاق النار المُبرم في أكتوبر تشرين الأول من العام الماضي، والذي أُبعد إلى جمهورية مصر العربية حيث منفاه، وهو أحد مناضلي الانتفاضة الثانية، الذي عاش تجربة "المطاردة" بكل تفاصيلها القاسية، عامان ونصف من التخفي، ومحاولات الاغتيال، وصولاً إلى اللحظة الأصعب وهي نسف منزل عائلته. يروي لنا تلك المرحلة، وكيف شكلت والدته صمام الأمان والملهم الأول في رحلة الصبر والمقاومة.
عشت عامين ونصف متخفياً، لم أرَ والدتي إلّا بالصدفة.
في هذا الإطار، يقول المحرر كميل أبو حنيش في حوارٍ خاصٍ مع "الهدف"، أنّه تعرّض لملاحقةٍ شديدةٍ ولأكثر من محاولة اغتيال، كما أنّ أهله لم يسلمُوا من مداهماتٍ للبيت وتنكيلٍ وقمعٍ من قبل الاحتلال، حيث كانت والدته وسائر أبناء عائلته من الأب والجدة والإخوة والأخوات يتعرضون للتنكيل، واعتقل الاحتلال جميع إخوته خلال فترة الملاحقة.
وأشار إلى أنّ المطاردة لم تنل منه فقط، بل طالت عائلته، حيث دهمت في إحدى ليالي شهر يناير من العام 2003 منزل عائلته وطلبت من العائلة إخلاءه بهدف نسفه، الأمر الذي شكّل معاناةً كبيرةً للعائلة وتحديداً للوالدة بعد أن تمّمت نسفه، كما أن والدته في هذه الفترة تتعرض دائماً لمداهمات لبيتها وتحطيم الأثاث، لافتاً بهذا الصدد إلى صمود والدته الراحلة الذي كان يتجلّى في تلك الظروف قائلاً: "كانت أمي كسائر الأمهات المناضلات؛ صابرةً وصامدةً وتتحداهم، وكانت ترفض عندما كانوا يشددون عليها بأن تقوم بإقناعي بتسليم نفسي، فكانت تنظر إليهم بسخرية مش حيسلّم نفسه، روحوا احكولو يسلّم حاله"، مستطرداً في دور والدته: "لقد كانت ملهمةً بالنسبة لي؛ لأنها كانت تصمد وتصبر وتتحدى، وكنا نحن الأبناء، رغم ما تسببنا لها بأذى إلا أنّها لم تتذمر يوماً، وكانت دائماً تحثني على الصبر والصمود والمقاومة أيضاً."
وأضاف: "في ظل التخفي الطويل، كانت هناك لحظات إنسانية تكسر حدة المعاناة، كانت المصادفات هي سيدة الموقف. لن أنسى أبداً حين كنت أمشي متخفياً في سوق نابلس بعد غياب طويل، وفجأة وجدت أمي أمامي. لم تعرفني في البداية بسبب تخفيّ، لكن حين اقتربت منها وعرفتني، تعانقنا وكان لقاءً مهيباً ومؤثراً جداً، تلك اللحظات، رغم قصرها، كانت تمدني بطاقة هائلة للاستمرار.
ملهمتي في الأسر.. "بوصلة التفاؤل وقبلة الصمود ويقين بالحرية"
وحول شكل العلاقة مع الوالدة خلف الأسلاك الشائكة، يقول الأسير المحرر كميل أبو حنيش: "في تجربتنا النضالية، نحن نكتشف أهالينا من جديد عبر "نافذة الزيارة"، لقد غبت عن والدتي في زحام الملاحقة والعمل الميداني، ثم جاء الأسر ليمنحنا فرصة التعرف على بعضنا بطريقة مختلفة، لم يتسنَّ لنا العيش مع أسرنا حياة طبيعية وسليمة، فكانت الزيارة هي "الحياة المستقطعة" التي نعيشها كل أسبوعين".
ويصف أبو حنيش التزام والدته بزيارته وعدم انقطاعها عنه ولا مرة بـ"العظيم"، مضيفاً: "هنا تكمن عظمة الأمهات الفلسطينيات؛ رغم أنها كانت تتجشم عناء السفر والمشقة لزيارة إخوتي المعتقلين جميعاً في سجون مختلفة، كانت تنتقل من سجن إلى آخر، تحمل صبرها وحنانها وتوزعه علينا بالتساوي، دون أن تشكو يوماً من التعب أو الثقل.
يقول أبو حنيش خلال حديثه: "كانت جلساتنا مليئة بالحياة؛ تنقل لي أخبار البلاد والعائلة، نضحك ونتحدث كثيراً وكأننا لسنا في سجن. كانت هي من تحثني على الاهتمام بنفسي، وتزرع في داخلي قيم الصمود والتحدي. والأهم من ذلك كله، أنها كانت تمتلك يقيناً مطلقاً وإيماناً لا يتزحزح بأنني سأتحرر يوماً ما. لقد استمديت كل تفاؤلي وإشراقي من وجهها ومن ذلك اليقين الذي كانت تسكن به روحي في كل زيارة، فأمهاتنا مدرسة الصمود الحقيقية، نحن نقاوم في الميدان وفي الزنازين، لكنهن يقاومن بالصبر، وبالانتظار، وبإبقاء شعلة الأمل متقدة، فتجربتي مع والدتي الصابرة الحنون هي وسام أعتز به، وهي النموذج الذي يثبت للعالم أن هذا الشعب لا يُهزم ما دامت أمهاته يمتلكن هذا القدر من الإيمان والتحدي.

فقدان الأم في المنفى مسألة قاسية: عندما يغيّب الموت مدرسة الصمود
اشتكت والدة الأسير المحرر كميل أبو حنيش من الأمراض منذ سنوات طويلة بحسب ما أشار لنا في حديثه، وقد تفاقمت أمراضها خلال فترة ملاحقته وأسره، ولكن كانت تصبر وتحتمل انتظاراً ليوم حريته، لتتوج صبرها بسعادة كبيرة عند تحرره من الأسر.
ويضيف في هذا السياق: "كنا نتحدث يومياً، أطمئن عليها وكنت أدعوها أن تأتي إلى مصر، ولكن ظروفها الصحية مع الأسف لم تسمح لها بأن تأتي لتزورني في المنفى في مصر، وفي الفترة الأخيرة تفاقمت أوضاعها الصحية وأخذت تشكو من آلام في المعدة وفي سائر أنحاء جسدها، وقبل يومين من وفاتها يعني تم نقلها للمستشفى، في تمام الساعة الثانية فجراً، جاءني صوت أشقائي ليحملوا لي الخبر الصادم.. رحلت الغالية. كان حزناً عميقاً لا تشبهه أي تجربة مررت بها، إن الحرمان من الأحبة، وفقدانهم وأنت في الأسر أو في المنفى، هو أقسى ما يمكن أن يواجهه الإنسان، لكننا، كمناضلين نذرنا أنفسنا لقضية وطنية كبرى، لا نملك إلا الصبر، هذا الإيمان بالقضية هو الوحيد الذي يخفف من وطأة الأحزان التي تلم بنا؛ فنحن نعلم أن رحيل الأمهات هو جزء من تضحيات شعبنا العظيم.
وأشار المحرر أبو حنيش إلى أنه وفي نوفمبر 2024، وبينما كان العدوان على قطاع غزة، فقد والده وهو في الأسر، وقد كان معزولاً في تلك الفترة، ولم يعلم بنبأ وفاته إلا بعد 10 أشهر، حين زاره المحامي في أغسطس 2025 "فأن يرحل والدك وتظل أنت شهوراً لا تدري، فهذا قمة الاستنزاف الإنساني"، لكن عزائي الوحيد والعميق هو أن أمي رأتني حراً قبل رحيلها، واطمأن قلبها عليّ خارج قضبان السجون، هذا اليقين الذي عاشت به بأنني سأتحرر قد تحقق أمام عينيها، وهذا يكفيني لأصبر وأحتمل، نحن مناضلون، وقدرنا أن ندفع أثماناً باهظة من مشاعرنا وعلاقاتنا الأسرية لأجل قضيتنا الوطنية، وهذا هو صمودنا الحقيقي.

الأم الفلسطينية مدرسة.. زغاريد النساء تملأ جنائز الشهداء: نموذج يحتذى به في كل العالم
يؤكد في هذا الإطار على أنّ المرأة الفلسطينية ليست مجرد شريك في النضال، هي "المدرسة" التي نتعلم منها هذا الصمود الممتد منذ ثورة 1936؛ منذ ذلك الحين والنساء الفلسطينيات يسطرن أمثلة أذهلت العالم، فمشهد الزغاريد في جنازات الشهداء ليس مجرد انفعال، بل هو ثقافة كبرياء تناقلتها الأجيال، وأتذكر حكايات الأمهات اللواتي كنّ يذهبن لاستلام جثامين أبنائهن من الانتداب الإنجليزي بالحناء والزغاريد، ومن هناك بدأ كل شيء.
ويردف أبو حنيش في حديثه مع الهدف: نحن من نقف في صفوف الأم تلاميذ، فلقد أثبتت، خاصة عندما تكون أماً لمطارد أو أسير أو شهيد، أنها قوة نضالية لا تقل عن الرجل أبداً، بل هي من تصنع الرجال، فخلف كل مطارد وكل أسير، هناك امرأة مدرسة، وهنا أقول: رحل والدي وأنا سجين، ورحلت أمي وأنا مبعد، لكن القيم التي زرعتها تلك "المزارعة الصبورة" في نفسي هي التي جعلتني أتحمل 23 عاماً من التضحية، وهي التي ستبقى حية في كتاباتي وفي ذاكرة الأجيال القادمة.
ويختم الأسير المحرر وعضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية، الكاتب والمثقف المناضل كميل أبو حنيش حواره مع "الهدف": تبقى الحرية والفرحة بها منقوصة لأننا بعيدون عن الأهل، نحن في المنفى، ولكن عموماً نحن كمناضلين اخترنا هذا الطريق ونعرف أنها طريق وعرة وصعبة، ونعرف أن المناضل يجب عليه أن يحتمل، وسنواصل طريق النضال، وهذه المرة من المنفى نناضل بكل الأشكال؛ فقد حملنا الحجارة في زمن الانتفاضة الأولى، وحملنا السلاح في زمن الانتفاضة الثانية، وها نحن نناضل بالقلم وبالثقافة وفي كل شيء."
وهكذا تنتهي الكلمات، لكن الحكاية لا تنتهي… حكاية أسيرٍ خرج إلى الحرية حاملاً فرحاً منقوصاً، وذاكرةً مثقلةً بصورة أمٍ غابت قبل أن تكتمل لحظة اللقاء، بين الفقد والتحرر، تتشكل إنسانيته من جديد، كمن يتعلم كيف يبتسم وقلبه يحتفظ بندبةٍ لا تُرى، ربما لم يمنحه الزمن فرصة الوداع، لكنّه يمنحه اليوم فرصة أن يروي ويحكي، وأن يُبقي حضورها حيّاً في كل كلمة، في كل خطوة، وفي كل معنى للحياة بعد الغياب.
لم تكن رحلة أبو حنيش مجرد سنوات من المطاردة والأسر، بل كانت بحثاً مستمراً عن الفردوس المفقود بين زوايا الزنزانة وأزقة نابلس ومنافي الغربة، رحلت الوالدة الفلاحة التي زرعت في قلبه القمح والمقاومة، وبقي هو يحصد ثمار صبرها حريّةً، ولو نُزعت منها بهجة اللقاء، حريةً لم تكن مجرد خروج من بوابة السجن، بل هي ولادة ثانية عُمدت بدماء الشهداء وصبر الأمهات، وعلى الرغم من قسوة القدر الذي غيّب الأحبة قبل العناق الأخير، إلا أن اليقين الذي عاشت به والدته ظلَّ حياً في روحه، التي لن تنكسر، فمن حمل الحجر طفلاً، والبندقية شاباً، يحمل اليوم القلم مبعداً، ليثبت أن المنفى لا يلغي الهوية، وأن المسافات لا تمحو الوصايا.

