Menu

وسط تقليص الكميات ونقص الإمدادات..

تقريرأزمة الخبز في غزة تتعمّق.. طوابير طويلة وسوق سوداء تضاعف معاناة الأسر

أحمد زقوت

خاص بوابة الهدف الإخبارية - قطاع غزة

يعاني سكان قطاع غزة من أزمة خبز حادة تتفاقم يومًا بعد يوم، مع تكدس كبير أمام نقاط البيع وطوابير طويلة تبدأ منذ ساعات الفجر الأولى، في ظل ارتفاع حاد في تكاليف الإنتاج ونقص المواد الأساسية.

وتفاقمت الأزمة مع تراجع كميات الدقيق والوقود اللازم لتشغيل المخابز، ما أدى إلى تقليص الإنتاج أو توقف عدد منها عن العمل، وبين ضغط الطلب وندرة المعروض بات الحصول على رغيف الخبز يوميًا تحديًا مرهقًا يثقل كاهل العائلات ويعمّق معاناتها المعيشية.

ومع استمرار هذا الخلل في السوق، تنشط السوق السوداء بشكل ملحوظ، حيث تُباع ربطة الخبز المدعومة من برنامج الأغذية العالمي بنحو (3 شواكل)، بينما ترتفع في السوق إلى نحو (7 و15 شيكلًا)، ما يزيد العبء على الأسر.

كما شهدت أسعار الطحين ارتفاعًا حادًا، إذ قفز سعر الكيس من نحو (25 شيكلًا) إلى قرابة (100 شيكل)، ما جعل الخبز، بوصفه سلعة أساسية مرتبطة بالأمن الغذائي، عبئًا يوميًا متصاعدًا على آلاف العائلات في القطاع.

انتظار طويل ومعاناة يومية متكررة

غرب مدينة غزة، يقف المواطن قصي المقوسي في أحد الطوابير لساعات طويلة أمام نقطة بيع الخبز المدعوم، في مشهد يتكرر يوميًا وسط أزمة خبز خانقة تضرب القطاع. يقول لـ "بوابة الهدف": "منذ ساعات الفجر الأولى وأنا هنا، أنتظر دوري فقط للحصول على ربطة خبز تسد حاجة أطفالي، وربما أحصل عليها ووربما لا أحصل بسبب قلة الكمية وكثرة الاحتياج".

ويضيف المقوسي أنّ الأزمة لا تقتصر على طوابير الخبز فقط، بل تمتد إلى ما وصفه بـ“أزمة الفكة”، موضحًا أن نقاط بيع الخبز المدعوم تشترط توفر مبالغ نقدية صغيرة للدفع، في وقت يعاني فيه السكان من شح السيولة وصعوبة توفير النقد اليومي، خاصة مع استمرار إغلاق البنوك وتفاقم أزمة السيولة في القطاع.

ويبين أنّ هذا الواقع يضاعف من معاناة المواطنين، إذ يجد كثيرون أنفسهم عاجزين حتى عن إتمام عملية الشراء رغم الوقوف لساعات طويلة في الطوابير.

ويتابع المقوسي بقلق: "هذا المشهد يذكرني بأيام المجاعة، أشعر أننا نقترب من مرحلة خطيرة، ولا نعرف إن كانت هذه بداية مجاعة أم مجرد أزمة ستنتهي"، مؤكدًا أنّ "الاحتلال ما زال يحاربنا في لقمة عيشنا، ولا يلتزم بالبرتوكول الإنساني المتفق عليه"، في إشارة إلى تدهور الأوضاع المعيشية في القطاع.

تراجع الكميات وضغط متزايد

أما المواطنة فاتن اللبان، فتؤكد أنّ الحصول على ربطة خبز بات يتطلب جهدًا يوميًا مرهقًا، في ظل الأزمة الحادة التي تشهدها نقاط البيع في قطاع غزة، موضحةً أنّ المواطنين يضطرون للوقوف في الطوابير منذ ساعات الصباح الباكر، خشية نفاد الكميات المحدودة قبل وصول دورهم، ما يجعل التأخير لدقائق فقط كفيلًا بإضاعة فرصة الحصول على الخبز.

وتضيف اللبان لـ "الهدف" أنّ هذا الواقع يفرض ضغطًا نفسيًا وجسديًا كبيرًا على العائلات، خاصة النساء وكبار السن، الذين يجدون أنفسهم مضطرين لتحمل ساعات الانتظار في ظروف صعبة، وسط تزايد أعداد المتوجهين يوميًا إلى نقاط التوزيع، مشيرةً إلى أنّ إعداد الخبز في المنازل أصبح بدوره خيارًا صعبًا، إذ يتطلب مستلزمات أساسية باتت شحيحة، وفي مقدمتها غاز الطهي أو البدائل مثل الحطب، ما يزيد من أعباء الأسر في ظل الظروف المعيشية القاسية.

وتلفت إلى أنّ برنامج الأغذية العالمي قلّص منذ شهر رمضان الماضي كميات الخبز المخصصة للمواطنين، ما فاقم من حدة الأزمة، حيث انعكس ذلك بشكل مباشر على حجم الكميات المتاحة يوميًا، الأمر الذي جعل الحصول على ربطة خبز مهمة أكثر صعوبة وتنافسًا بين المواطنين، في ظل تزايد أعداد المحتاجين وتراجع البدائل المتاحة للأسر.

توزيع محدود وسط نقص الإمدادات

بدوره، يقول البائع حامد العكلوك، صاحب نقطة خبز مرخصة من برنامج الأغذية العالمي، إنّ الكميات التي تصلهم لم تعد تكفي احتياجات السكان، موضحًا أنّ البرنامج خفّض التوزيع من نحو ألف ربطة يوميًا قبل رمضان إلى 750 ربطة فقط خلال الشهر.

ويلفت العكلوك في حديثه مع "الهدف" إلى أنّ هذا التراجع وضع نقاط التوزيع تحت ضغط كبير، في ظل ارتفاع أعداد المستفيدين واعتماد العديد من الأسر على هذه المساعدات، ما يخلق حالة من الازدحام والتوتر اليومي.

ويبين البائع أنّهم يضطرون لتوزيع ربطة واحدة لكل عائلة بغضّ النظر عن حجمها لضمان وصول الخبز لأكبر عدد ممكن، رغم عدم كفايتها لبعض الأسر، معتبرًا أنّ إنهاء الأزمة يتطلب زيادة الكميات وتوفير الطحين والوقود وإعادة تشغيل المخابز بشكل كامل.

فجوة إنتاجية وأزمات التشغيل

وحول أسباب أزمة الخبز في قطاع غزة، يؤكد رئيس جمعية أصحاب المخابز عبد الناصر العجرمي، أنّ المشكلة الأساسية تكمن في اختلال كبير بين العرض والطلب، ما أدى إلى عجز واضح في تلبية احتياجات السكان اليومية.

ويبين العجرمي في حديثه إلى "الهدف" أنّ القطاع ينتج نحو 200 طن من الطحين يوميًا عبر برنامج الغذاء العالمي، في حين يحتاج إلى ما لا يقل عن 400 طن لتغطية الحد الأدنى من الاستهلاك، ما يترك فجوة كبيرة تنعكس مباشرة على توفر الخبز في الأسواق ونقاط التوزيع.

ويعزو هذا العجز إلى عدة عوامل، أبرزها تقليص كميات الطحين التي تدخل إلى القطاع، وتوقف بعض المبادرات الإنسانية التي كانت تساهم في دعم الأهالي، إضافة إلى أزمات تشغيلية متفاقمة، مثل نقص الزيوت والوقود اللازم لتشغيل المخابز والمولدات.

وفيما يتعلق بالأسعار، يكشف العجرمي أنّ سعر كيس الطحين ارتفع من نحو (25 شيكلًا إلى قرابة 100 شيكل)، نتيجة تعقيدات النقل وارتفاع تكاليف ما يسمى بـ "التنسيقات"، وهو ما انعكس بشكل مباشر على أسعار الخبز، التي وصلت في بعض الحالات من (8 – 15 شيكل) وأكثر في السوق السوداء.

ويوضح العجرمي أنّ من أبرز التحديات التي تواجه المخابز أيضًا نقص الزيوت وقطع الغيار اللازمة لتشغيل الآلات، ما يعيق عملها بشكل طبيعي ويجعل استمرار الإنتاج مرتبطًا بتوفير مستلزمات التشغيل الأساسية إلى جانب انتظام الإمدادات والدعم اللوجستي.

ويحذر من مرحلة مقبلة قد تشهد ما وصفه بـ"نظام سعرين" للخبز، في ظل توجه برنامج الأغذية العالمي لتقليص دعمه تدريجيًا والانتقال نحو النظام التجاري، ما قد يزيد من تعقيد الأزمة ويرفع الأعباء على المواطنين.

ورغم الحديث عن إمكانية تشغيل ستة مخابز تجارية إضافية قد ترفع الإنتاج بنحو 60 إلى 70 طنًا يوميًا، يؤكد العجرمي أنّ هذه الخطوة تبقى "حلًا مؤقتًا ومسكنًا للأزمة"، ما لم يتم ضمان إدخال الطحين بشكل منتظم وبكميات كافية وخفض تكاليفه.

ويؤكد العجرمي أنّ الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة تزداد صعوبة، مع تأثر المواطنين بشكل مباشر بهذه الأزمة، خاصة أن شريحة واسعة تعتمد على الخبز المدعوم، داعيًا المؤسسات الدولية والجهات المعنية إلى التدخل العاجل لضمان استمرار عمل المخابز وتأمين احتياجات السكان الأساسية.

دعوات لإنقاذ منظومة الخبز وضبط السوق

وفيما يتعلق بالانعكاسات الاقتصادية، يوضح المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر أنّ أزمة الخبز في قطاع غزة تعكس اختلالًا واضحًا في السوق الغذائي، نتيجة تراجع الإنتاج بنحو 30% مقابل استمرار ارتفاع الطلب، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وظهور السوق السوداء.

ويشير أبو قمر في حديثه مع "الهدف" إلى أنّ جذور الأزمة لا تتعلق بالأسعار فقط، بل تمتد إلى ضعف منظومة التوريد والإنتاج، بسبب تقليص المساعدات، ونقص الوقود، وتعطل المخابز، إضافة إلى غياب الزيوت وقطع الغيار اللازمة للتشغيل.

ويؤكد أبو قمر أنّ الخبز بات سلعة أساسية تتحول تدريجيًا إلى عبء يومي على الأسر، في ظل اعتماد غالبية السكان على المساعدات الإنسانية، مشددًا على أنّ معالجة الأزمة تتطلب إعادة تشغيل المخابز، وضمان تدفق الطحين والوقود، والحد من نشاط السوق السوداء.

وبين هذا المشهد المعقد، يبرز دور برنامج الأغذية العالمي في دعم المخابز كنقطة محورية في إدارة أزمة الخبز في قطاع غزة، إلا أنّ هذا التدخل يواجه جملة من الملاحظات المرتبطة بآليات التوزيع، وتفاوت الكميات، والجودة أحيانًا، إلى جانب تحديات إدارية ولوجستية تعكس حجم الضغط على منظومة الإمداد ككل.

وفي المحصلة، تتقاطع العوامل الاقتصادية والإنسانية والتشغيلية لتشكّل أزمة مركبة تمسّ الأمن الغذائي للسكان بشكل مباشر، وسط تحذيرات متزايدة من تفاقم الوضع إذا استمرت القيود ونقص الإمدادات.