Menu

قانون إعدام الأسرى: حين يتحول الاحتجاج إلى قيد على النضال

خديجة مماد

بوابة الهدف

ليس النقاش الدائر حول ما يسمى بـ"قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين" نقاشا قانونيا بريئا، ولا هو مجرد خلاف حول نص تشريعي قابل للتعديل أو الإلغاء. إن اختزال المسألة في بعدها القانوني وحده يخفي الجوهر الحقيقي خلف هذا القانون: نحن أمام بنية استعمارية لا تحتاج إلى قانون كي تقتل، لكنها تحتاجه كي تشرعن القتل وتعيد تقديمه بوصفه إجراء "قضائيا".

في هذا السياق، يقول عبد الناصر فروانة، الأسير المحرر والمختص بشؤون الأسرى:

"دولة الاحتلال لا تنتظر قانونا يتيح لها إعدام الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، بقدر ما هي بحاجة إلى تحقيق ما تسعى له من ردع الأسير وما يمثله، وردع المجتمع بكامله عن طريقه، وشرعنة جرائم قتلهم بصورة رسمية ومنظمة تحت مظلة القانون، والإساءة إلى هويتهم النضالية وكفاحهم التحرري".

هذا القول لا يصف القانون، بل يفضح وظيفته. فالإعدام لم يكن يوما غائبا عن الممارسة: من الإعدامات الميدانية إلى القتل البطيء داخل السجون عبر الإهمال الطبي والتعذيب، كانت السياسات واضحة في استهداف الجسد الفلسطيني. الجديد اليوم ليس الفعل، بل لغته: تحويل الجريمة إلى "قانون"، والقتل إلى "حكم".

هنا تحديدا يبدأ الانزلاق. حين يختزل الرد في الاحتجاج على "قانون الإعدام"، نكون قد قبلنا ضمنيا بإطار المعركة الذي يرسمه الخصم. نحتج على الوسيلة ونغفل الغاية، نرفض النص ونصمت عن البنية، فيتحول الاحتجاج، من حيث لا ندري، إلى قيد على النضال، لأنه يحصره في أفق ضيق: أفق المطالبة بقانون "أقل قسوة" بدل تفكيك النظام الذي ينتج القسوة ذاتها.

إن الخطاب الحقوقي، رغم أهميته، يظل قاصرا حين يفصل عن أفق التحرر، فهو يدين الانتهاك، لكنه لا ينهي شروط إنتاجه، يطالب بالعدالة داخل منظومة لا تعترف أصلا بإنسانية الضحية. وهكذا، يعاد إنتاج الوهم: وكأن المشكلة تكمن في غياب التطبيق السليم للقانون، لا في طبيعة الكيان الذي يسن هذا القانون ويسخره.

الأخطر من ذلك أن هذا التركيز يعيد تشكيل صورة الأسير نفسه. من مناضل في سياق كفاح تحرري إلى "ضحية" في ملف حقوقي. تسحب منه دلالته السياسية، ويعاد تقديمه في قوالب إنسانية مجردة، قابلة للتعاطف، لكن منزوع منها بعدها النضالي، وهنا تتحقق إحدى وظائف القانون كما أشار إليها فروانة: الإساءة إلى الهوية النضالية للأسير.

إن معركة الأسرى ليست معركة قانون، بل معركة وجود. ليست معركة عقوبة، بل معركة معنى. لذلك، فإن الرد الحقيقي لا يكون فقط برفض القانون، بل برفض الإطار الذي يحاول اختزال الصراع فيه. فالمطلوب ليس تحسين شروط الأسر، بل إنهاء شروطه، وليس تعديل القوانين، بل تفكيك البنية التي تنتجها.

من هنا، يصبح من الضروري إعادة توجيه البوصلة:

ليس من موقع التقليل من أهمية الاحتجاج، بل من موقع إعادة وضعه في سياقه الصحيح. الاحتجاج خطوة، لكنه ليس الأفق. أما الأفق، فهو النضال من أجل التحرر، باعتباره الإطار الوحيد القادر على استيعاب كل هذه المعارك الجزئية دون أن يختزلها.

إن قانون إعدام الأسرى ليس حدثا استثنائيا، بل لحظة مكثفة تكشف ما هو قائم أصلا، ومن يقرأه كنص قانوني فقط، يفوت جوهره. أما من يقرأه كأداة ضمن مشروع أشمل، فإنه يدرك أن المواجهة لا تكون عند حدود القانون، بل عند حدود النظام الذي أنتجه.

وفي هذا الفهم تحديدا، يتحرر النضال من قيده.