Menu

إيران ربحت معركة حافة الهاوية

راسم عبيدات

بوابة الهدف

التمديد بشكل مفتوح للهدنة من جانب ترامب يقول بشكل واضح بأن امريكا رغم كل " الجعجعات" الترامبية بتدمير كل شيء في ايران من جسور ومحطات طاقة وكهرباء وبنى تحتية، لم يجعل القيادة الإيرانية ترتجف وتهرول وتستجيب لتهديدات ترامب، بالذهاب الى المفاوضات مع إدارته في إسلام آباد بشروطه. أي قبول التفاوض تحت التهديد وحصار موانئها، وهذه الصفعة التي تلقاها ترامب برفض إيران التفاوض بالشروط الأمريكية، وضعته في مأزق كبير فهو لم يتعود على قيادة أي دولة في العالم لا تستجيب لتهديداته وترفض شروطه ومطالبه.

 

لكن القيادة الإيرانية المتماسكة عسكرياً وسياسياً ومجتمعياً، رفضت شروطه وإملاءاته وأصرت على شروطها للتفاوض. وهذا الرفض الإيراني وضع ترامب في مأزق كبير وتحديات كبرى أيضاً، فهذه الإدارة التي ورطها نتنياهو في حرب استنزافية طويلة، أقنعه مع صقور البيت الأبيض بأنها ستكون حرب سريعة وخاطفة. وباغتيال المرشد الأعلى على خامنئي، ستنهار الدولة الإيرانية من داخلها وستنهار منظومة القيادة والسيطرة والتحكم العسكرية والأمنية وستخرج الجماهير الإيرانية الى الشوارع ،لكي تستقبل " المحرر" للشعب الإيراني.

 

الشعب الإيراني عندما استهدف ويستهدف الوطن خرج بكل مكوناته للساحات العامة لكي يلتف حول النظام ويدافع عن الوطن لا ليخون الوطن ويفرح باحتلاله وتغيير النظام فيه. وبالتالي إ يران لم تحصن نفسها عسكرياً فقط بل حصنت نفسها مجتمعياً وليس أدل على ذلك أنه عندما هدد " الجعجاع" ترامب بإعادة غيران إلى العصر الحجري، وتدمير حضارة عمرها خمسة الآلاف عام، خرجت الجماهير الإيرانية بسلاسلها البشرية، لتحمي الجسور ومحطات سكك الحديد والطاقة الكهربائية ومحطات تحلية المياه بأجسادها، في خطوة تحمل رسائل إلى ترامب وكل دعاة الغطرسة والعدوان، بأن شعب ايران لن يدافع عن وطنه ومشروعية حقوقه بقوته العسكرية فقط بل بأجساد ولحم أبنائه وسيجعل من إيران مقبرة للغزاة في حرب استنزاف طويلة لن تتحمل أمريكا نتائجها وتداعياتها ليس فقط عسكرياً بل التداعيات الكبرى على أسواق الطاقة، وأسعار النفط والغاز وسلاسل التوريد والأسواق العالمية للطاقة وأسواق الأوراق المالية والتداعيات الكبرى على كل الإقتصاد العالمي.

لا الشعب الإيراني ولا دول العالم باتت تصدق "جعجعات" ترامب، ولا تأخذ تغريداته المتواترة والمتناقضة على قناته "تروث" محمل الجد ، ولذلك إيران المتسلحة بإرادة وقيادة صلبة ومتماسكة، وخلفها قدرات وخيارات عسكرية قادرة أن تلحق خسائر كبيرة بالقوات الأمريكية ،وكذلك القاعدة الأمريكية غير القابلة للسحب " اسرائيل" .

رفضت أن تذهب إلى المفاوضات مع أمريكا تحت التهديد والحصار ودون التخلي عن شروطها العشرة التي قبلتها الإدارة الأمريكية كأساس للتفاوض، معتقدة بأن تهديدات رئيسها الجديدة، ودفع الأمور نحو سياسة حافة الهاوية، ستجبر إيران على التراجع، ولن تغامر بالذهاب إلى الحرب وستقبل بالإشتراطات والإملاءات الأمريكية التي فشلوا في تحقيقها خلال حرب استمرت أربعين يوماً واستخدموا فيها أقصى قدراتهم العسكرية والتسليحية، وأحدث تقنيات أسلحتهم الجوية والصاروخية وما انتجته التكنولوجيا الأمريكية، والتي استخدموها، ليس فقط في تنفيذ سلسلة اغتيالات طالت عشرات القادة العسكريين والأمنيين الإيرانيين وحتى القيادات السياسية، وتدمر الكثير من البنى التحتية والمدنية في ايران، في ضغط كبير على الحاضنة الإجتماعية والشعبية لدفعها على التمرد على القيادة الإيرانية، ولتكن النتائج عكسية، فكلما زاد ضغطهم العسكري التدميري زاد التفاف الجماهير الإيرانية حول قيادتها والتمسك بها، ومحولة هذه الحرب الى حرب استنزافية طويلة ، لا تقوى امريكا على تحمل نتائجها لا بشريا ً ولا عسكرياً ولا اقتصادياً ولا سياسياً ،ولا على الصعيد الداخلي الأمريكي.

 

اضطرت أمريكا بعد أربعين يوماً للقبول بوقف هذه الحرب المجنونة، والذهاب لخيار التفاوض مجدداً في تمديدات مستمرة لوقف إطلاق النار يومان ثم خمسة أيام، ومن عشرة أيام، وهكذا دواليك، لكي تمارس أقصى الضغوط على ايران، لكي تستجيب لشروطها وإملاءاتها بوقف الحرب، وبالتالي تمنح ترامب ونتنياهو صورة نصر، ظلوا يبحثون عنها طوال الأربعين يوماً.

ولكن الواقع والميدان لم يطابق لا تصريحات ولا ببروغندا ترامب ونتنياهو، حول تحقيق النصر على إيران وتحقيق أهداف الحرب.

 

حيث ظهر بأن هناك فجوة كبيرة ما بين تصريحات ترامب ونتنياهو، والحديث عن انتصاراتهم، وما يقوله الميدان، هذا الميدان الذي قال بأن قدرتهم على تحقيق أهداف الحرب الكبرى لم تتحقق لا في إيران ولا في لبنان الذي قلب كل الموازين والتوقعات وغير المعادلات من خلال أداء حزب الله العسكري المبهر.

 

بصورة فاجأت العالم وضعت إيران شرط رفع الحصار للانضمام إلى مفاوضات إسلام آباد، وجاء الرد الأميركي بإلغاء سفر نائب الرئيس جي دي فانس إلى إسلام آباد، بما أوحى بقبول التحدي ورفع مستواه إلى حد التهديد بالعودة للحرب مع اقتراب موعد نهاية مهلة وقف إطلاق النار خلال ساعات قليلة، وحافظت إيران على رباطة جأشها ولم تتراجع رغم الضغوط والاتصالات والنصائح والتحذير من خطورة ما ينتظرها، لكنها اختارت الصمود.

وقبيل نهاية المهلة بثلاث ساعات تراجع الرئيس الأميركي عن إعلانه رفض تمديد مهلة وقف النار لخمسة أيام وفق المقترح الباكستاني، وأعلن تمديد وقف النار بلا مهلة ربطاً بانتظار مقترح إيراني للتفاوض، متذرعاً بأن الانقسام بين الإيرانيين يحول دون تقديم مقترح موحّد، لكن الجميع كان قد علم أن إيران ربحت الجولة، وأن ترامب تلمس تعامل الأسواق المالية مع الاحتباس وخطر تجدّد الحرب، حيث زاد سعر برميل النفط خمسة دولارات خلال ساعة وارتفع من 95$ إلى 100$، مع توقعات بأن تفتح الأسواق اليوم على سعر الـ 120$ للبرميل وبدء التداعيات الكارثية على أسواق الأسهم، وبينما تحدّث بعض المقربين من ترامب عن فرضية تعايش أميركي مديد مع وقف النار وبقاء الحصار على موانئ إيران، قال خبراء في أسواق الطاقة إن بقاء مضيق هرمز مقفلاً على صادرات النفط والغاز، لا يسمح بصمود الهدنة الهشّة مع بدء تسجيل اضطرابات في الأسواق، ويضع الأمور بين خياري العودة للتفاوض أو الذهاب إلى الحرب، خصوصاً مع تحذيرات إيرانية من فرض فك الحصار بالقوة بما يعني التلويح بحرب استنزاف ضد القوات الأميركية، تضع الرئيس ترامب بين خياري الحرب والتفاوض طلباً لتسوية، لكن الأهم هو أن ما جرى قال بنظر الكثير من المراقبين أن أميركا ليست جاهزة لخوض الحرب وإلا لفعلت في هذه اللحظة الخانقة بدلاً من إعطاء انطباع العجز والتراجع.

في طهران ثمّة من يتحسّب لمفاجأة أميركية بالحرب ويستعدّون لكل الاحتمالات، كما تقول مصادر إيرانية تتابع المشهد التفاوضي والحشود الأميركية التي تقول إنها لم تأتِ للضغط فقط بل هي جزء من خطة حرب يرغب ترامب بخوضها في ظل كلام مطمئن ليفاجئ إيران بالحرب.