بين ركام المنازل وذاكرة الحرب الثقيلة، يتواصل اتساع ملف المفقودين في قطاع غزة، ليشكّل واحدة من أكثر القضايا الإنسانية تعقيدًا منذ تصاعد الأحداث في السابع من أكتوبر 2023. فمئات العائلات فقدت أثر أبنائها، في ظل غياب المعلومات وصعوبة الوصول إلى مصير واضح، ما جعل الفقد يتحول إلى حالة يومية مستمرة لا تنتهي بمرور الوقت.
تشير التقديرات إلى وجود آلاف المفقودين في قطاع غزة، بينهم من يُعتقد أنهم تحت الأنقاض، وآخرون لا يزال مصيرهم مجهولًا في ظل ظروف الحرب المعقدة.
ويؤكد هذا الغموض أن ملف المفقودين لا يتعلق بإحصاءات ثابتة، بل بحالات إنسانية مفتوحة، تتغير مع استمرار العمليات العسكرية وصعوبة الوصول إلى مناطق الدمار.
بين الأمل المعلّق ووجع الانتظار
تعيش العائلات حالة انتظار مستمرة، بين أملٍ ضعيف في عودة أبنائها وخوفٍ من حقيقة قاسية لم تُحسم بعد. وفي هذا السياق، تقول أم أحمد النجار لـ"بوابة الهدف" إنها بحثت في المستشفيات والقوائم، وحتى بين الشهداء، دون أن تصل إلى أي نتيجة، مضيفة أنها تعيش حالة "انتظار دائم" لا تنتهي، إذ يتحول كل صوت أو خبر إلى احتمال بعودة ابنها أو إعلان نهائي لفقدانه.
وتشير إلى الخيمة من حولها وتضيف: "هنا كنا نُعدّ لحياته؛ كان لديه أحلام بسيطة أن يعمل ويساعدنا، فجأة اختفى وكأنه لم يكن، وأصعب شيء أن تبقى معلّقًا: لا تستطيع أن تبكيه ولا أن تفرح لأنه ربما ما زال حيًّا، حتى النوم أصبح صعبً، فكل صوتٍ أظنه عاد، وكل طرقٍ على الباب أخشى أن يكون خبرًا سيئًا، نحن لا نعيش، نحن ننتظر".
وتبقى قصة أم أحمد ليست استثناءً، بل واحدة من عشرات القصص التي تختصر معاناة عائلات تعيش على أمل خبرٍ قد يأتي أو لا يأتي، فالمفقود هنا ليس مجرد رقم، بل حكاية إنسانية معلّقة بين السماء والأرض.
أرقام غير مكتملة وحالات إنسانية مفتوحة
وفق بيانات صادرة عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، يُعد ملف المفقودين من أكثر الملفات تعقيدًا في النزاعات، خاصة في ظل استمرار العمليات العسكرية وصعوبة الوصول إلى أماكن الضحايا. إذ تشير إلى أنّ غياب المعلومات الموثوقة وتشتّت الجهات المسؤولة عن التوثيق يفاقمان معاناة العائلات، ويجعلان من تحديد مصير المفقودين عملية طويلة ومعقّدة.
ولا تتوقف التحديات عند حدود الميدان، بل تمتد إلى الجوانب التقنية واللوجستية، إذ يتطلب توثيق حالات الفقد قواعد بيانات دقيقة وآليات تنسيق فعّالة بين المؤسسات المحلية والدولية، إضافة إلى إمكانيات فنية متقدمة للتعرف على الضحايا، وهو ما يصعب تحقيقه في ظل الدمار الواسع ونقص الموارد.
كما تؤكد اللجنة أنّ آلاف الحالات في النزاعات حول العالم تبقى لسنوات دون حسم بسبب غياب الأدلة أو تعذّر الوصول إلى أماكن الدفن أو الاحتجاز، ما يترك العائلات في حالة انتظار مفتوح.
وفي قطاع غزة، يتضاعف هذا التعقيد نتيجة كثافة القصف وتداخل مواقع الاستهداف ووجود أعداد من الضحايا تحت الأنقاض لم يتم انتشالهم بعد.
وبينما تُسجَّل الأرقام وتُحدَّث القوائم بشكل مستمر، تبقى الحقيقة أن هذه الأرقام لا تعكس كامل القصة، إذ يقف خلف كل رقم إنسان له حياة وتفاصيل وعائلة تنتظر إجابة، وفي ظل هذا الغموض، تتحول الإحصاءات إلى عبء إضافي، لا يقدّم بقدر ما يؤخّر لحظة اليقين التي تسعى إليها العائلات منذ أشهر.
صعوبات الربط بين قوائم الشهداء والمفقودين
بدوره، يقول المدير العام في وزارة الصحة في غزة، د. منير البرش، خلال حديثه مع "الهدف": "نواجه تحديات كبيرة في توثيق أعداد المفقودين بدقة، بسبب الدمار الواسع وعدم القدرة على الوصول إلى العديد من المناطق، إضافة إلى وجود جثامين تحت الأنقاض لم يتم انتشالها حتى الآن".
ويضيف البرش: "في كثير من الحالات تصلنا بلاغات من عائلات فقدت الاتصال بأبنائها دون أي معلومات مؤكدة عن مصيرهم، ونحن نتعامل مع نقص حاد في البيانات، وأحيانًا مع أسماء غير مكتملة أو معلومات متضاربة، ما يجعل عملية التحقق أكثر صعوبة".
ويوضح أنّ هناك تحديًا إضافيًا في الربط بين قوائم الشهداء والمفقودين، خاصة في ظل الضغط الكبير على المستشفيات، والاكتظاظ، وصعوبة حفظ السجلات بشكل منتظم خلال فترات العدوان، مشيرًا إلى أنّ بعض الحالات قد تُسجّل كمفقودة، ثم يتبين لاحقًا أنها ضمن قوائم الضحايا، والعكس صحيح.
ويؤكد البرش أنّ الإمكانيات الفنية تبقى محدودة في مثل هذه الظروف، موضحًا أن عمليات التعرف على الجثامين، خصوصًا تلك التي تُنتشل بعد فترات طويلة أو من تحت الأنقاض، تحتاج إلى تقنيات وإجراءات دقيقة قد لا تتوفر بالشكل الكافي حاليًا، وهو ما ينعكس على دقة الأرقام وسرعة توثيقها.
الإخفاء القسري والجثامين مجهولة الهوية
تؤكد مديرة المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا، ندى نبيل، في حديثها مع "الهدف"، أنّ توثيق حالات الإخفاء القسري لا يقتصر على البعد الإنساني، بل يمثّل خطوة أولى نحو بناء ملف قانوني متكامل لكل حالة، يمكن تقديمه لاحقًا إلى الجهات الدولية المختصة، موضحة أنّ هذا التوثيق قد يتحول إلى مرجع أساسي في أي مسار قانوني مستقبلي، سواء أمام لجان أممية أو محاكم دولية.
وتشير نبيل إلى أنّ عمل المركز يستند بشكل رئيسي إلى قواعد القانون الدولي الإنساني، لا سيما اتفاقية جنيف الرابعة التي تنظم حماية المدنيين خلال النزاعات المسلحة وتُجرّم الإخفاء القسري باعتباره انتهاكًا جسيمًا، كما يتكامل هذا الإطار مع الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، التي تُلزم الدول بالكشف عن مصير المختفين، وتؤكد حق العائلات في معرفة ما جرى لأبنائها، إلى جانب حقها في التعويض.
وبشأن أعداد المفقودين في قطاع غزة، توضح نبيل أنّها تتراوح بين 7 و8 آلاف شخص، مشيرةً إلى أنّ هذا الرقم يشمل من هم تحت الأنقاض، إضافة إلى حالات يُشتبه بتعرضها للإخفاء القسري، لافتةً إلى أنّ القانون الدولي يُدرج حتى الأشخاص المعروف وجودهم تحت الأنقاض ضمن فئة المفقودين إلى حين التحقق من مصيرهم.
وتتابع في حديثها: "تمكّنا حتى الآن من توثيق نحو 400 حالة بشكل قانوني، بعد استكمال الإجراءات والبروتوكولات اللازمة"، مبينةً أنّ عملية التوثيق معقدة وتستغرق وقتًا طويلًا، خاصة في ظل الظروف الحالية.
أما عن أبرز التحديات، فتؤكد أنّ غياب التعاون من جانب الاحتلال يشكّل العائق الأكبر، إذ لا يتم تزويد أي معلومات حول المختفين، كما لا يجري التعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر رغم دورها الإنساني المحايد.
كما تشير إلى عرقلة إدخال المعدات الثقيلة اللازمة لانتشال الضحايا من تحت الأنقاض، إلى جانب السيطرة على مساحات واسعة من القطاع، ما يحدّ من الوصول إلى مواقع يُعتقد بوجود مفقودين فيها، ويُبقي مصيرهم مجهولًا.
وتوضح نبيل أنّ التحديات لا تقتصر على الجانب الميداني، بل تمتد إلى معاناة العائلات نفسها، إذ تخشى بعض الأسر الحديث عن حالات الفقد، أو تفتقر إلى الوسائل التقنية اللازمة لتقديم البلاغات ومتابعة الحالات.
وفي سياق متصل، تلفت إلى إشكالية أخرى تتمثل في وجود جثامين دُفنت بشكل عشوائي خلال فترات النزوح، أو أُعيدت إلى القطاع دون التعرف على هويات أصحابها، ما أدى إلى تسجيل حالات دفن لمجهولي الهوية، مشددة على أنّ غياب تقنيات متقدمة مثل فحوصات الحمض النووي (DNA) يزيد من تعقيد عمليات التعرف على الضحايا.
وتختم بالقول إنّ توثيق هذه الحالات، رغم كل التحديات، يبقى خطوة أساسية نحو كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا وعائلاتهم في المستقبل.
إنقاذ متعثر وسط نقص المعدات
من جهتها، تعمل طواقم الدفاع المدني في غزة بشكل مستمر على البحث عن المفقودين، رغم الإمكانيات المحدودة.
ويؤكد أحد المسؤولين في الدفاع المدني الفلسطيني في حديثه مع "الهدف"، أنّه "نتلقى يوميًا بلاغات عن مفقودين، ونحاول الوصول إلى المواقع المستهدفة، لكن نقص المعدات والظروف الأمنية يعوقان عمليات الإنقاذ"، مشيرًا إلى أنّ حجم الدمار وكثافة الحالات يفرضان تحديات كبيرة على عمل الطواقم، خاصة في ظل محدودية الموارد والإمكانات المتاحة.
وفي السياق ذاته، تبرز مبادرات محلية لتوثيق أسماء المفقودين، في محاولة للحفاظ على حقوقهم ومنع ضياع قصصهم وسط الأرقام.
ويتابع المسؤول: "نحاول التعامل مع كل بلاغ بأقصى سرعة ممكنة، لكن حجم الدمار وكثافة الحالات يفرضان تحديات كبيرة على عملنا".
وفي هذا السياق، تسعى المبادرات المحلية إلى سد جزء من هذه الفجوة من خلال جمع البيانات وتوثيق الشهادات، ما يسهم في بناء سجل أولي للمفقودين، ويُبقي قضيتهم حاضرة تمهيدًا لضمان حقوقهم وحقوق عائلاتهم في المستقبل."
ويشير إلى أن التنسيق مع الجهات ذات العلاقة يتم بشكل جزئي، ويواجه تحديات تتعلق بتشتت البيانات، ما يحد من إمكانية بناء قاعدة بيانات موحدة وشاملة لحالات المفقودين.
وفي ما يتعلق بالاستجابة الدولية، يؤكد أنّ الدعم لا يزال محدودًا مقارنة بحجم الأزمة، رغم بعض المبادرات الإنسانية والتقنية التي قُدمت في فترات سابقة، مشددًا على الحاجة إلى تدخل أوسع وأكثر انتظامًا، سواء في مجال الدعم اللوجستي أو التقني أو في تطوير آليات البحث والتعرف على الهوية، بما يساهم في تسريع كشف مصير المفقودين وإنهاء معاناة عائلاتهم.
معاناة نفسية تتجاوز الفقد
لا تقتصر معاناة عائلات المفقودين على الفقد ذاته، بل تمتد إلى حالة "اللايقين" التي يعيشونها يوميًا، إذ تشير تقارير نفسية إلى أنّ غياب الإجابة حول مصير الأحبة يُعد من أصعب أشكال الصدمات النفسية.
وفي حديثها مع "الهدف"، توضح أخصائية الدعم النفسي فاتن الأشقر أنّ العائلات تعيش حالة معقّدة بين الحداد والأمل، قائلة: "نحن أمام نوع خاص من الصدمات يُعرف بالحداد المعلّق، حيث لا تملك العائلة دليلًا على الوفاة ولا تأكيدًا على الحياة، وهذا يضعهم في دائرة نفسية مغلقة؛ فلا هم قادرون على المضي قدمًا، ولا يستطيعون التوقف عن الانتظار".
وتضيف أنّ كثيرًا من الأمهات والآباء يعيشون على تفاصيل صغيرة جدًا؛ فكل خبر أو إشاعة أو اسم يُتداول قد يعيد إشعال الأمل من جديد، قبل أن ينهار سريعًا، ما يخلق حالة من الاستنزاف النفسي المستمر.
مأساة إنسانية مفتوحة
يبقى ملف المفقودين في غزة واحدًا من أكثر القضايا إيلامًا وتعقيدًا في ظل الحرب. فخلف كل اسم مفقود قصة إنسان، وذاكرة بيت، وعائلة تعيش على حافة الانتظار، وأمل لا يزال قائمًا رغم كل شيء.
هذا الملف لا يُقاس بالأرقام فقط، بل بما يخلّفه من فراغ ثقيل في حياة المنتظرين، وبأسئلة لا تجد طريقها إلى إجابة، وبين الركام، لا يُبحث فقط عن أجساد، بل عن خيوط حقيقة مفقودة ودلائل قد تُنهي حالة الغموض التي تلتهم أيام العائلات ببطء.
فكل حجر يُرفع قد يكشف نهاية قصة، أو بداية ليقين طال انتظاره، وفي كل موقع دمار تختبئ حكايات لم تُروَ بعد.

