أصدر مركز عروبة للأبحاث والتفكير الاستراتيجية ورقة تقدير موقف بعنوان: "الصمت الانتخابي: حدود الاختيار الممكن في الانتخابات المحلية الفلسطينية 2026".
وفيما يلي نص الورقة:
لا يبدأ الصمت الانتخابي في يوم الاقتراع، وإنما حين يُعاد تعريف السياسة وحدودها. في الانتخابات المحلية الفلسطينية الخامسة، المقررة اليوم 25 نيسان 2026، يتقدم سؤال مركزي يتجاوز أسماء الفائزين: من سُمح له بالمنافسة، وتحت أي شروط، وفي أي مساحة من المجال العام.
في مقابل الخطاب الرسمي الذي يضع هذه الانتخابات ضمن إطار "عام الديمقراطية"، يتشكل مشهد انتخابي مختلف؛ تزكية في عدد من المجالس، غياب لقوى سياسية فاعلة، محدودية في التفاعل المجتمعي، وتراجع في النقاش السياسي. ومع اتساع نطاقها الجغرافي، تنحسر دلالاتها من حيث مستوى التنافس والمعنى السياسي.
في هذا السياق، يصعب قراءة ما يجري بوصفه تراجعًا عابرًا في الاهتمام أو المشاركة، إذ يتصل مباشرة بإعادة تشكيل شروط العملية الانتخابية نفسها. وعليه، تتجه هذه الورقة إلى مساءلة كيفية ضبط هذه الانتخابات مسبقًا، وما تعكسه من ملامح المجال السياسي في المرحلة الراهنة.
تنطلق هذه الورقة من مقاربة ترى أن الانتخابات المحلية لعام 2026 جرت ضمن شروط متداخلة: قانونية ترتبط بمتطلبات الترشح، وأمنية تؤثر في حدود الخطاب والحضور السياسي، وأخرى متصلة بطبيعة الدور الخدماتي للهيئات المحلية، حيث يتركز الخطاب على إدارة الخدمات اليومية ضمن أفق سياسي ضيق، مع تراجع النقاشات ذات الطابع العام.
التعديلات القانونية وإعادة تعريف الترشح:
يشكل التعديل على قانون الانتخابات المحلية الإطار الذي سبق العملية الانتخابية وحدد ملامحها. فبموجب القرار بقانون رقم (23) لسنة 2025، أُدخل شرط يلزم المرشحين بتقديم إقرار بالالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، وبرنامجها السياسي وقرارات الشرعية الدولية، ما أضاف بعداً سياسياً مباشراً إلى عملية يُفترض أنها محلية وخدمية.
هذا الشرط كان محور الطعن الدستوري رقم (3/2026)، الذي تقدمت به مجموعة "محامون من أجل العدالة" أمام المحكمة الدستورية العليا بتاريخ 22 شباط 2026، واستهدف النصوص التي تجعل هذا الإقرار جزءً إلزامياً من إجراءات تسجيل المرشحين، بما في ذلك المواد ذات الصلة بعملية الترشح والنماذج المعتمدة من لجنة الانتخابات. وبحسب ما وضح المحامي مهند كراجة، فإن الإشكالية لا تتعلق بإجراء إداري شكلي، بل بتحويل حق الترشح إلى حق مشروط بموقف سياسي مسبق، وهو ما يقيد إمكانية المشاركة ويضع سقفاً سياسياً إلزامياً لدخول العملية الانتخابية.
وقد تقدمت بالطعن قوى سياسية شملت حزب الشعب، والجبهة الديمقراطية، والمبادرة الوطنية، وحزب "فدا"، في حين يشير كراجة إلى أن الجبهة الشعبية لم تتقدم بطعن، في ظل غياب تمثيل تنظيمي رسمي لها في الضفة الغربية، واكتفائها بالتموضع ضمن الخط العام للقوى السياسية المعارضة للتعديل، دون الانخراط في المسار القانوني للطعن.
ولم تتجه حركة حماس إلى المسار القانوني، وأعلنت رفضها للتعديل من حيث المبدأ، معتبرة أن شرط الالتزام السياسي يعيد تعريف الترشح على أساس سياسي مسبق ويحد من إمكانات التنافس. وفي تصريحات لاحقة، شددت الحركة على أهمية العملية الانتخابية كجزء من المسار السياسي الفلسطيني، لكنها ربطت فاعليتها بوجود بيئة شاملة تتيح إعادة بناء النظام السياسي عبر انتخابات عامة، وليس الاقتصار على الانتخابات المحلية ضمن شروط مقيدة.
ويُفهم هذا التباين في المواقف، بحسب ما يشير إليه كراجة، في سياق أوسع يرتبط بطبيعة البيئة السياسية والأمنية في الضفة الغربية، وغياب القدرة التنظيمية لبعض هذه القوى على العمل العلني أو القانوني. ويرى كراجة أن التعديلات التي أُدخلت لاحقاً على القانون بعد تقديم الطعن لم تمس جوهر الإشكالية، بل جاءت في إطار إعادة صياغة شكلية، فيما بقي مضمون الشرط السياسي قائماً كما هو، بما يجعله قيداً إقصائياً فعلياً يربط المشاركة الانتخابية بموقف سياسي محدد سلفاً.
وعليه، لا يقتصر أثر القانون على تنظيم العملية الانتخابية، بل يمتد إلى إعادة تعريف من يحق له الدخول إليها، وتحت أي شروط. وهو ما ينعكس مباشرة على طبيعة المشاركة، وشكل القوائم، وحدود التنافس داخل الانتخابات.
الأمن كإطار ناظم للمشاركة السياسية:
إذا كان التعديل القانوني قد وضع شروط الدخول إلى العملية الانتخابية، فإن البيئة الأمنية التي جرت فيها الانتخابات أسهمت في إعادة تشكيل الفعل السياسي داخلها.
تأتي هذه الانتخابات في ظل تصاعد غير مسبوق في الملاحقة الأمنية في الضفة الغربية، خاصة منذ بدء الحرب على قطاع غزة في تشرين الأول2023، حيث طالت حملات الاعتقال والاستهداف الإسرائيلي البنى التنظيمية للفصائل، وأضعفت قدرتها على العمل العلني أو إعادة إنتاج حضورها السياسي. لذلك لا يمكن فصل غياب قوى رئيسية مثل حركتي حماس والجبهة الشعبية، عن هذا الواقع، سواء من حيث المقاطعة أو غياب القدرة التنظيمية على خوض الانتخابات.
هذا الواقع انعكس مباشرة على شكل الترشح، حيث برزت القوائم الفردية أو المستقلة كصيغة بديلة عن التمثيل التنظيمي العلني، في ظل بيئة تُحد من العمل الحزبي المباشر، وتدفع نحو إعادة تموضع الفاعلين السياسيين ضمن أطر أقل وضوحاً سياسياً وأكثر قابلية للحركة.
بالتوازي، تشير معطيات ميدانية إلى تعرض مرشحين لاستدعاءات من قبل الأجهزة الأمنية خلال مرحلتي الترشح والدعاية، تركزت حول خلفياتهم السياسية وطبيعة القوائم التي ينتمون إليها. وفي بعض الحالات، ارتبطت هذه الإجراءات بطلب تعهدات تتعلق بضبط الخطاب خلال الحملة الانتخابية، أو بمراجعة مواقف سابقة للمرشحين، في إطار تقييم توجهاتهم أو الحد من حضور شخصيات محسوبة على تيارات معارضة.
هذا التداخل بين الملاحقة الإسرائيلية والقيود الداخلية يخلق بيئة انتخابية لا تُحدد فيها حدود المشاركة عبر القانون فقط، بل أيضاً عبر الواقع الأمني الذي يعيد رسم المجال السياسي وحدوده. وهو ما تحدث عنه المحامي مهند كراجة، الذي يرى أن العملية الانتخابية لا يمكن فصلها عن هذا السياق، حيث تتقاطع الضغوط الأمنية مع الشروط القانونية لتحديد من يشارك، وكيف يشارك، وتحت أي سقف سياسي.
ويمتد هذا الأثر إلى مضمون الخطاب الانتخابي نفسه، إذ يلفت كراجة إلى أن التركيز خلال هذه الانتخابات انصب على الحفاظ على ما هو متاح من خدمات يومية أساسية، دون التوسع في طرح برامج أو رؤى سياسية أوسع. ولا يبدو هذا التوجه خياراً انتخابياً بحتاً، بقدر ما يعكس حدود الممكن في ظل ضيق الأفق السياسي وتصاعد القيود الأمنية، حيث يُعاد توجيه الخطاب نحو إدارة الواقع القائم.
لذا، لا يظهر غياب بعض القوى، ولا طبيعة القوائم المشاركة، كخيار سياسي بحت، بل كنتيجة مباشرة لبيئة أمنية مركبة أعادت تشكيل الفعل السياسي نفسه، ودفعت الانتخابات نحو نموذج محدود التمثيل ومضبوط الشروط قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع.
الخريطة الانتخابية وتفاوت التنافس:
ضمن هذا الإطار القانوني والأمني، لا يمكن قراءة الخريطة الانتخابية بوصفها نتيجة لاحقة ليوم الاقتراع، بل باعتبارها امتداداً مباشراً لشروط المشاركة التي سبقت العملية الانتخابية وحددت مسارها.
فعلى مستوى الهيئات المحلية، تشمل العملية الانتخابية 420 هيئة محلية. ومع ذلك، سيجري الاقتراع فعلياً في 183 هيئة فقط، بواقع 90 مجلساً بلدياً و93 مجلساً قروياً. وفي المقابل، حُسمت 42 هيئة بلدية و155 مجلساً قروياً بالتزكية.
وتشير هذه الأرقام إلى محدودية التنافس، إذ حُسم عدد كبير من الهيئات بالتزكية، واقتصر الاقتراع على جزء من المجالس، ما يعكس تقلص إمكانات تشكيل قوائم منافسة.
وفي البلديات التي تشهد اقتراعاً، تتنافس 321 قائمة انتخابية تضم 3773 مرشحًا ومرشحة، إلا أن الطابع الحزبي المباشر يبقى محدوداً، إذ لا تتجاوز القوائم ذات الصبغة الحزبية 12%، مقابل 88% من القوائم المستقلة أو المحلية. ويعكس هذا التوزيع تراجع الحضور التنظيمي العلني، وتحول الترشح نحو صيغ أقل ارتباطاً بالأحزاب.
أما في المجالس القروية، التي تعتمد نظام الترشح الفردي، فيخوض الانتخابات 1358 مرشحاً ضمن بيئة يغلب عليها الامتداد العائلي والاجتماعي، ما يعكس أنماط تمثيل محلية في ظل محدودية التنافس السياسي المنظم.
غير أن البعد الأهم يتجاوز الأرقام، إلى الكيفية التي توزع وفقها هذه الأنماط جغرافياً. فمدن المركز السياسي والإداري، مثل رام الله، والمدن ذات الثقل التاريخي في العمل العام مثل نابلس، شهدت غياباً للتنافسية سواء عبر التزكية أو محدودية القوائم المتنافسة، وهو ما يشير إلى تراجع الفعل السياسي في مراكز ارتبطت تقليدياً بمستويات عالية من الفاعلية. وفي حالة أخرى، يغيب التنافس بشكل كامل، كما في قلقيلية التي لم تُسجل فيها أي قوائم أو مرشحين، ما أدى إلى خروجها من العملية الانتخابية واستمرار إدارتها عبر لجنة مُعينة.
في المقابل، تظهر في مدن كبرى أخرى مثل الخليل وطولكرم وجنين أشكال من التنافس، لكنها لا تعبر بالضرورة عن تعددية سياسية واضحة، بقدر ما تعكس اختلافاً في أنماط التنافس داخل الإطار العام نفسه.
أما في الأطراف والبلدات الأصغر، وخاصة في المجالس القروية، فيأخذ التنافس طابعاً اجتماعياً وعائلياً، حيث يبرز دور الروابط المحلية في تشكيل القوائم والنتائج، أكثر من البرامج أو الاصطفافات الحزبية.
ويظهر ذلك أيضاً في دير البلح، حيث تجري الانتخابات في ظل حرب إبادة، ما يجعلها أقرب إلى إدارة الخدمات منها إلى ساحة تنافس سياسي.
بناءً على ذلك، بقدر ما تعكس الخريطة الانتخابية تفاوت في مستويات التنافس، فإنها تشير أيضًا إلى عوامل بنيوية تسهم في هذا التباين. إذ يتركز التنافس في عدد محدود من البلديات، مقابل مساحات واسعة حُسمت نتائجها مسبقاً، في ظل شروط قانونية تحدد من يترشح، وبيئة أمنية تؤثر في شكل الحضور السياسي.
ضمن هذا الإطار، تبدو العملية الانتخابية امتداداً لمسار سبق صناديق الاقتراع، حيث أُعيد تشكيل المشاركة السياسية قبل مراحل الترشح والدعاية والاقتراع.
الخاتمة:
مع دخول يوم الاقتراع في 25 نيسان، يكون الفلسطينيون قد دخلوا فعلياً مرحلة "الصمت الانتخابي" منذ اليوم السابق، وفق ما أعلنته لجنة الانتخابات، بوصفها الفترة التي تتوقف فيها الدعاية ويُفترض أن يُترك المجال للناخب كي يختار بحرية. غير أن هذا الصمت، في سياق الانتخابات المحلية 2026، لا يبدأ عند هذا الحد الزمني.
فما تكشفه هذه الانتخابات أن الصمت سبق هذه المرحلة الإجرائية. إذ جرى، قبل يومي 24 و25 نيسان، إعادة تشكيل المجال السياسي نفسه: عبر تحديد شروط الترشح، وضبط الخطاب، وإعادة تعريف الفاعلين وحدود حضورهم. وبذلك، لا يأتي الصمت الانتخابي كتوقف مؤقت للدعاية، بل كامتداد لمسار جرى فيه تضييق ما يمكن قوله ومن يمكنه قوله.
وعليه، لا يبدو يوم الاقتراع لحظة توسيع للاختيار، بقدر ما يكشف حدوده. فالصمت هنا لا يعبر فقط عن غياب الحملات، بل عن شكل المجال العام كما أُعيد تنظيمه مسبقاً. ليس صمتاً طارئاً، بل نتيجة لمسار سبق الصناديق وحدد، إلى حد كبير، ما يمكن أن يحدث داخلها.
لذا، لا تبدو الانتخابات لحظة حسم، بل لحظة كشف: لا لما سيقوله الناخب، بل لحدود ما أصبح ممكناً قوله، ومن بقي قادراً على الحضور في المجال العام.

