يُسطّر الصحفي الفلسطيني حمزة خليل أبو الطرابيش وثائق مجازر الاحتلال الإسرائيلي في الكتاب الأول في سلسلة مبادرة "غزّة تبدع"، هذه المبادرة الثقافية المستقلة التي انطلقت لنشر "12" عملاً إبداعياً لكتّاب وكاتبات من غزّة.
حمزة خليل أبو الطرابيش، كاتب وصحفي فلسطيني، يعيش الداخل بكلّ ألمه ولحظات الموت الماطرة من أسلحة العنصرية الإسرائيلية التي لا تُميّز بين البشر والحجر.
رسمَ الشهداء بدم قلمه.. دوّنَ سجلّ تاريخ لم ولن يُمحى من ذاكرتنا..
ألمُ الجوع والحصار، ألمُ الموت، ألمُ فقدان العوائل والأُسَر، ألمُ التدمير والعراء الفاضح..
عزاؤنا: الشهادة لمن غادر، الرسوخ والنضال لمن بقي منا..
وأكثر من ذلك: فلسطين الولاّدة لم تفتر لحظة عن إنجاب حلم العودة.
يقول أحمد الشيخ في التصدير لهذه المجموعة القصصية: "ليتني ما كُتبت لي الحياة لأقرأ ما كتبه حمزة خليل أبو الطرابيش".. جميلة هذه النفحة الوجدانية الإنسانية التي تحمل بعداً واسعاً لإبادة تعرّضت لها غزّة في مقتلة تفوق التصوّر الإنساني..
أقابلها بلوعة وتصميم: "ليتني كُتبت لي حيوات تتسع لسرد مقتلة وإبادة تعرّضت لها غزّة وكلّ فلسطين، لعلّ ضمير العالم يصحو إن اعاد قراءة التاريخ بعيداً عن الانضواء تحت الخذلان".
يستشهد الكاتب بمقولة الشاعر أحمد بخيت وآية شعره المُقدّسة:
"ولدماء طفل في شوارع غزّة،
أَقِم الصلاة..
فكلّ طفل بغزة: قِبْلَة.."
يؤكد الكاتب والصحفي حمزة خليل أبو الطرابيش، أن "هذه النصوص عبارة عن قصص صحافية إنسانية، جرى توثيقها أثناء الإبادة على قطاع غزّة.. توثّق المجازر التي وقعت في اليوم التالي من "مذبحة السنايدة"، وتحديداً في الحيّ الملاصق لها، والذي يُعرف بـ "بلوك 7" الذي أُبيد عن بكرة أبيه على دفعتين"
تُرى هل بقي في المُقلة دمع يكفي لرثاء غزة؟
حمزة، لم تخذل دم الشهداء، ولم تتراخَ.. كان وقتاً لاستعادة أنفاس حياتك التي نَجت.. أعدت ترتيبها.. ولهول الفاجعة لم تخرج الكلمات من فوهة بركان غضب ذاتك المناضلة.. بشاعة المجازر، والإبادة.. لانعدام كل ما هو إنساني لدى المحتل الإسرائيلي، ذابت الكلمات تحت هذا الوقع، استعداداً للولادة.
يكفيك حمزة، شرف الكتابة أن تكون شاهداً وابن شهيد.
حيّ "السنايدة" أكبر مجزرة:
حيّ "السنايدة" الذي تقارب مساحته ملعب كرة قدم، يرتقي فيه أكثر من /600/ شهيد في لحظة لم تتعدّ الدقيقة.. طائرات الإسرائيليين الحربية حصدت أرواحهم بسلسلة أحزمة نارية.
حيّ "السنايدة"، مجتمع متكامل، فيه الرجال والنساء والشيوخ والأطفال، مختلف المهن والوظائف، راحوا ضحية إبادة همجية، أقاربهم ينتظرون زوال رائحة الجثث لينتشلوها من تحت الأنقاض.
يُوثّق حمزة أبو الطرابيش مجازر العدو الإسرائيلي البشعة التي يندى لها جبين العالم أجمع في ظلّ تخاذله وصمته، أو الشجب والاستنكار على استحياء.. يوثّق مجازر الإبادة الجماعية لتبقى شاهداً على همجية وجرائم العدو، ولتبقى ندبة في صميم ضمير العالم رغم الاحتجاجات والمظاهرات التي عمّت شوارعهم ممن قادهم ضميرهم للتعبير عن تضامنهم مع فلسطين وما عاناه شعبها.
نجت عائلته بأعجوبة، نصف الحيّ شهداء، والنصف الآخر قضت عليه إسرائيل، واستشهد من تبقى على قيد الحياة، ارتقوا ولم يبقَ منهم سوى الذكرى، وغصّة الألم، وتراكم الغضب.
حيّ "السنايدة" لا يختلف عن كافة أحياء غزّة..
بلوك /7/ على الضفة الثانية من شارع "الهوجا"، يقطنه خليط من الأسر من مناطق مختلفة من فلسطين، ارتكبت إسرائيل مجزرة فيه راح ضحيتها عوائل بأكملها ومُسحت من السجل المدني.. خمس وستون شهيداً في منزل واحد مكوّن من عدة طوابق.. نصف الحيّ شهداء، والنصف الآخر إما مصاب أو مصدوم بعد خروجهم أحياء من بين الأنقاض.
ولم تتوانَ إسرائيل عن تكرار مجازرها برعونة الإجرام، فقضت على الجزء الثاني من الحيّ، واستشهد من تبقى على قيد الحياة في المجزرة الأولى، مسحَ الجيش الإسرائيلي الحيّ على دفعتين.. عزاؤنا معك حمزة، صرخة الشهداء تصمّ آذان العالم، تقرع أذهانهم:
"ظلوا اكتبوا عنّا، ما تنسونا، إحنا مش أرقام، إحنا عشّاق حياة".
لا حاجة للتعريف بأبيك يا حمزة، نعم، هو الشهيد بضحكته، إصراره على البقاء في مخيّم "جباليا" وصية تتسلل لكل وجدان من لامس هول "المقتلة":
"حاول أن تتقي الله يا حمزة وين ما تكون، وحافظ على أمّك، وعلى أخوتك".
هو أول شهيد لعائلة حمزة التي ارتقى منها خمس وعشرون شهيداً لحملة إبادة استمرت أكثر من خمسمئة يوم على مخيّم "جباليا".. خليل أبو الطرابيش، مربي أجيال، مفكّر، أمضى عمره بين الكتب، يمتلك حس التحليل السياسي رغم أنه لم يُكمل المرحلة الابتدائية، ويُؤمن حتمياً بزوال إسرائيل.
مقولته "لا وقت للوقت" التصقت به، فهو الخطيب، والمفوّه، والمتحدث اللبق، يوصل المعلومة بكلمتين مختصرتين، يرى الاستعمار الصهيوني استعماراً فكرياً يتطلب وعياً وقيماً أخلاقية تتصدى له وتواجهه، هكذا تناول حمزة خليل أبو الطرابيش سيرة والده، الشخصية الفلسطينية بكل زخمها وتجذرها في الأرض في تنشئة عائلته.
ابنه حمزة، كان مشروعه الفلسطيني الخاص، ليشمل المشروع الفلسطيني العام بكل وجوده ورسوخه وتغلغله في تراب الوطن..
اهتم به في كل مراحله العمرية، ولكل مرحلة برنامجها الخاص وفقاً لخبرته ومفهومه..
اهتم به في الجوانب الثلاثة التي رسمها في مخيلته: "الجسد، النفس، الروح"..
علّمه أن يقرأ قصص الأنبياء بوصيته عميقة الرؤية في القراءة والاستنباط:
"يا حمزة، لا تتعامل مع قصص الأنبياء على أنها قصص تعامل على أن كل الأنبياء هم أنتَ، ويجب أن تتقمص شخصية كل نبي حتى تتعلم منه".
علّمه ممارسة الرياضة بكل صنوفها..
خصص له وقتاً لتحسين خطّه بالكتابة..
كان فلسطينياً متجذّراً في هويته وترابه، يحاول إيصال روحه الفلسطينية بكل أبعادها الفكرية والثقافية، والأهم بناء الجيل الفلسطيني الحق:
"لكي تنال فلسطين التحرير، يجب على كل فرد فيها أن يقدّم ما عنده، ويجتهد في مجاله، ويرفع من مستوى وعيه على كافة الأصعدة".
تدرّج في تربية ابنه حمزة منذ طفولته:
"الوعي، ثم تقويم الجسد والعلم، ثم مرحلة ضبط النفس، والتحكم بالمشاعر، وتعزيز الأخلاق، وصيته: انزع ذرّة الكِبْر وكن رحيماً مع من حولك".
نمت العلاقة بينهما، وامتدت وشائجها لتصل إلى لغة النظرات دون التفوّه بالكلمات:
"نجلس مع بعضنا ساعات متواصلة دون أن يتكلّم أحد فينا، كانت النظرة كافية لفهم مقصد والدي".
رحل الأب، رحل المعلّم الفلسطيني، بين دموع حمزة وألمه، وعينه التي تلتقط صور الإبادة الإجرامية، كان الفلسطيني خليل أبو الطرابيش يقرع ذهن ابنه حمزة في المنام:
"هناك ألف مقاتل في مخيم جباليا، وكاتب واحد".
استيقظ حمزة أبو الطرابيش، التقط الإشارة، ووُلد الكاتب، كانت فلسطين الولاّدة تبث وثائقها مخاضاً في أدبيات حمزة وقصصه الصحافية.
هذه ركيزة الصحفي حمزة أبو الطرابيش في مجموعته القصصية، ينطلق منها عبر المجازر والجرائم اللاإنسانية التي نفّذتها إسرائيل بحق شعبنا روحاً وجسداً وحجراً ومؤسسات، لم يسلم من تدميرها المشافي ولا المدارس.
يُسطّر حمزة أبو الطرابيش حقبة فلسطينية تكراراً لكل ما سبقها من حقب فاض فيها الدم الفلسطيني أنهاراً سيغسل أرواح الشهداء، ويسم عورة ضمائر ماتت ولم تحرّك ساكناً.
الإصرار على البقاء، الإمعان في التجذّر والنمو، الطلقة والكلمة، لا بديل، فالجميع قد رحل أو أوشك على الرحيل، وحده الرحم الفلسطيني ينجب وطناً لا مساومة عليه، ولا فيه، ولا عنه.
الأدب الفلسطيني توثيقاً هو حاجتنا لحفظ الهوية الفلسطينيةـ ذلك لكونه يتعامل مع الحقائق والأدلة والشهادات، ويكشف المعلومات ووجهات النظر، وهو في ذلك يتفاوت بين المراقبة دون تدخل، أو المقابلات للمقارنة مع الملاحظات، وفي ذلك لامس الكاتب حمزة أبو الطرابيش في مجموعته القصصية الموضوعية في معالجة قضية وطنه الفلسطيني بكل أبعادها الإنسانية والوجودية بطرق التوثيق المعهودة من تسجيل وكشف وحفظ وإقناع، وترويج وتحليل وتعبير، مستخدماً السرد الحكائي البسيط المُعبّر عن ألم الروح والجسد بما يتناسب مع هول المجازر والإبادات التي ترقى إلى جرائم إنسانية تُصرّ دولة الاحتلال على ارتكابها بحق شعبنا وسط الصمت المطبق من العالم.
هكذا تتوالى قصص حمزة أبو الطرابيش في وثائقيات فلسطينية وجدانية تزخر بروح الأدب وسلاسة المفردة، ومداعبة حبكتها وجدان القارئ الذي يعجّ بمختلف صنوف الألم والقهر دونما تخاذل ولا انكسار، بل إصرار على استعادة حقنا المغتصب مهما طال الزمن.
تمتد لغة الكاتب لتطال جذور العوائل الفلسطينية منذ الأجداد في إشارة واضحة للحق الفلسطيني في أرضه وترابه.
تتعدد المجازر، وتتواصل المقتلة خارج حدود الإنسانية، حقد دفين يحاول طمس الهوية والوجود الفلسطيني.. مجزرة عائلة الترمس، مجزرة عائلة الصيداوي، عبيد، حجازي، أبو الذيب، حميد، الصليبي.. تتوالى مجازر العوائل، ويتوالى الرحم الفلسطيني ينجب أجيالاً لا تعرف الرضوخ ولا الاستسلام، ولا يحيد عن درب نضاله، والأمل قادم، قادم لا مناص.

