حسين نازك والذي سجل اسمه في صفحات المؤلفين الموسيقيين الخالدين عبر رحلة امتدت لأكثر من 55 عاماً أثرى فيها الذاكرة الفلسطينية من أغان وألحان وأناشيد وطنية وقومية يذكر منها :
يا شعبي يا عود الند – يا أغلى من روحي عندي
والله لازرعك بالدار يا عود اللوز الأخضر
هذا هو العرس الذي لا ينتهي – هذا هو العرس الفلسطيني
من سجن عكا وطلعت جنازة محمد جمجوم وفؤاد حجازي
أشهد يا عالم علينا وع بيروت، أشهد للحرب الثورية
ومئات أخرى من أغان وأناشيد لا يتسع المجال لذكرها هنا. عندما نذكرها يتبادر إلى الذهن مباشرة صاحبها الذي أبدعها وصاغ ألحانها العذبة والمؤثرة. إنه الملحن والمؤلف الموسيقي المقدسي حسين نازك والذي تمر ذكرى رحيله الثالثة في الخامس والعشرين من أيار.
و جسدت الكثير من اللوحات الفولكلورية تاريخ وعراقة وهوية الشعب العربي الفلسطيني. وأصبح اسم حسين نازك على كل شفة ولسان كصانع موسيقى وألحان عبرت عن نضال شعبنا الفلسطيني وأرّخت لكفاحه المستمر لأكثر من مئة عام. وله يعود الفضل الكبير في حفظ وإعادة نشر التراث الغنائي الفلسطيني وهو الذي ألف ولحن ووزع مئات الأغاني وألف الموسيقا للسينما والدراما والمسرح وبرامج الأطفال.
ولد الموسيقار الفنان حسين نازك في إحدى حواري مدينة القدس (باب حطة) في العام 1942، وفيها تلقى علومه الموسيقية الأولى على يد استاذه الملحن يوسف خاشو، وبعد انتقال حسين نازك بعد العام 1967 إلى الأردن تتلمذ وأخذ أصول الموسيقا الشرقية من أستاذه الموسيقي الشهير يحيى السعودي.
وحل الموسيقي الشاب حسين نازك في العام 1969 في دمشق، وفيها كانت انطلاقته الفنية حيث عمل بداية كعازف في العديد من الفرق الشرقية والغربية، ورغم انشغالاته تلك لم تكن هذه الموسيقى لتروي ظمأ الموسيقي الفلسطيني ولا لتحقق ما كان يصبو إليه. وكان دائب البحث عن عمل وأسلوب فني موسيقي يعبر عن شخصيته الفلسطينية ويحقق أحلامه في العمل في مجال التلحين من أجل فلسطين. وكانت البداية حين ألف الموسيقى والأغاني لمسرحية حملت عنوان (المؤسسة الوطنية للجنون) من تأليف الشاعر سميح القاسم وإخراج فواز الساجر لصالح دائرة الثقافة والاعلام في منظمة التحرير الفلسطينية. واشتهرت أغاني تلك المسرحية ولعل أبرزها: والله لازرعك بالدار يا عود اللوز الأخضر.
ولعل العام 1979 شكل نقلة نوعية في أعمال الفنان الشاب المنطلق بقوة في عالم التلحين والأغنية الفلسطينية، وذلك عندما أسندت إليه مهمة تلحين أغاني مسلسل (بأم عيني) والمأخوذ عن كتاب المحامية فاليسيا لانغر الذي صور لحياة الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في السجون الصهيونية. وكانت أغاني المسلسل من نظم الشعراء محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، أحمد دحبور، وأبو الصادق.
ومن أشهر تلك الأغاني: العرس الفلسطيني – يا دامي العينين والكفين.
وعلى أثر نجاح تلك الأغاني برزت فكرة تأليف فرقة غنائية فلسطينية ولتقع المهمة على حسين نازك الذي أسس فرقة أغاني العاشقين والتي شكلت علامة بارزة في مسيرة الغناء الوطني والشعبي الفلسطيني. وفي العام 1981 يتصدى حسين نازك لتلحين أغاني مسلسل (عز الدين القسام) وفيه قدم نازك عدداً كبيراً من الأغاني والأهازيج الشعبية الفلسطينية ذات النمط الشعبي من أشهرها: هدى البلبل ع الرمان، وجفرا.. أبو إبراهيم ودع عز الدين. ولعل أشهر ما قدم المسلسل الأغنية الذائعة الصيت (من سجن عكا) والتي صورت إعدام الأبطال الثلاثة عطا الزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي.
وقدم حسين نازك ومن خلال فرقة أغاني العاشقين عملاً آخر اسمه (ظريف الطول) صور فيه فنياً وموسيقياً العمليات الفدائية وانطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة. من أشهر أغاني ذلك العمل: دوس ما أنت دايس ع الزناد – قيدي يا نار الثورة.
وفي العام 1982 قدم الملحن والمؤلف الموسيقي حسين نازك عملاً جديداً أطلق عليه (الكلام المباح) وفيه وثق عبر الأغاني والألحان الاجتياح الصهيوني للبنان وصمود المقاومة الفلسطينية ومعارك بيروت والجنوب، وتعد أغنية (أشهد يا عالم علينا وع بيروت) من أشهر تلك الأغاني، بالإضافة إلى أغان مثل سجن أنصار، شوارع المخيم، وردة لجريح الثورة وغيرها...
ويواصل المؤلف والملحن الموسيقي حسين نازك إبحاره في عالم اللحن والموسيقا عندما أوكلت إليه وزارة الثقافة في سورية مهمة تشكيل (فرقة زنوبيا القومية الحديثة) وظل يديرها ويضع برامجها ويؤلف موسيقاها إلى العام 2002.
لم يتوقف نشاط حسين نازك عند تأسيس الفرق الفنية والموسيقية وتلحين الأغاني والأناشيد، بل عمل أيضاً في وضع وتأليف الموسيقى التصويرية للعديد من الأفلام السينمائية الروائية والوثائقية ومن الأفلام السينمائية التي وضع لها الموسيقى الأرجوحة اخراج هيثم حقي – الاتجاه المعاكس اخراج مروان حداد – بقايا صور للمخرج نبيل المالح – الرأس من اخراج فيصل الياسري.
وفي مجال الأفلام الوثائقية وضع نازك موسيقى فيلمي (اليوم الطويل) و (مذكرات وطن) من اخراج امين البني – الحرب الخامسة ويوم الأرض من اخراج غالب شعث.
أما في الدراما التلفزيونية فقد ألف ووزع حسين نازك موسيقا حوالي 32 مسلسلاً سورياً وأردنياً وفلسطينياً من أهمها: انتقام الزباء، طبول الحرية، هارون الرشيد، وحرب السنوات الأربع – المغنون. كما وضع الموسيقى التصويرية ولحن الأغاني في الكثير من المسلسلات والبرامج الخاصة بالأطفال، وفي مقدمتها برنامجي (افتح يا سمسم) و (المناهل). وفيلم عروس البحيرة.
لم يكن المسرح غائباً عن اهتمامات حسين نازك، إذ ألف ووزع موسيقى 26 مسرحية أشهرها: أوديب ملكا، الغرباء، الملك هو الملك، ليلة مقتل جيفارا، والكرسي.
واهتم نازك خلال مسيرته الفنية بالأناشيد الوطنية والقومية، فقد أعاد توزيع أشهر تلك الأناشيد ومنها: بلاد العرب أوطاني، موطني، في سبيل المجد، نحن الشباب. كما أعاد توزيع النشيد الوطني الفلسطيني فدائي.
وفي فترة الانتفاضة الفلسطينية الأولى قدم حسين نازك مجموعة أغاني المدن الفلسطينية وعددها 32 أغنية صاغها شعراً ناهض منير الريس. ومنها أغاني مدن: القدس، غزة، الخليل، يافا، بيسان، صفد، وغيرها.
وعام 2009 قدم حسين نازك عملين موسيقيين الأول (شموع مقدسية) وهو بانوراما لأشهر الأغاني الفلسطينية، والعمل الثاني فهو مسرحية موسيقية مغناة (واسطة العقد) بمناسبة دمشق عاصمة الثقافة العربية.
والجدير بالذكر أن نازك كان قد قدم عملاً غنائياً موسيقياً لفرقة فلسطينية في الشتات حملت اسم (ربيع العاشقين) وعملاً آخر لفرقة (الزبادنة) في الأرض المحتلة.
وفي العام 2015 كلف حسين نازك من قبل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بمهمة إحياء وجمع التراث الفلسطيني الغنائي والفلكلوري المكتوب والمسموع والمرئي والأرشيف الوطني.
وفي 25/5/2023، في العاصمة السورية دمشق، تفيض روح حسين نازك إلى بارئها، ويرحل نازك جسداً، ولكن أعماله وآثاره باقية في القلب والروح والذاكرة، تحفظها وتتناقلها الأجيال، لتبقى مؤرخة لنضال وكفاح الشعب الفلسطيني من خلال اللحن والأغنية والنشيد ولتبقى فلسطين حاضرة في الذاكرة والوجدان على مر العصور.

