يعرف الروائيون أن قسم اللغة العربية في آداب ـ جامعة القاهرة ـ كان قلعة التنوير، بفضل أستاذية طه حسين وأحمد أمين وأمين الخولي وبنت الشاطيء وشكري عيّاد ، وغيرهم من الذين وضعوا أسس مدرسة نقدية وفكرية في سنوات القرن العشرين، والمعروف أن هذه المدرسة خرج منها جناح آخر، هو جناح الاهتمام بالثقافة الشعبية الوطنية المصرية ، وهو جناح الدكتور عبد الحميد يونس ، مؤسس ـ كرسي الأدب الشعبي ـ وتاريخ الرجل في هذا الميدان معروف ومسجل. ولكن هذا القسم لم يبق على حاله، كان آخر رموزه المستنيرة المدافعة عن الحرية العلمية : دكتور سيد البحراوى ، ودكتور نصر حامد أبوزيد ، وانطفأت شمعة قسم اللغة العربية الذى منحنا ـ سهير القلماوي ـ وهى نفسها كانت هدية عميد الأدب العربي للثقافة العربية، والمهم هنا هو الاقتراب من العلاقة بين النقد الأكاديمي والإبداع الروائي والسردي عموماً، فالقارىء العربي قرأ مقالات وبحوث دكتور سيد حامد النساج ودكتور شكري عياد ، ودكتور سيد البحراوي، ولكنه منذ تسعينيات القرن العشرين لم تخرج من هذ القسم دراسة تفيد المبدع المصري ، ولعل البعض يتساءل : لماذا نحاكم قسم اللغة العربية في آداب القاهرة على إهماله النقدي ولا نحاكم أكاديميين آخرين في أقسام أخرى في كليات أخرى ؟
وهذا السؤال مشروع ومهم، والإجابة عليه تفرض علينا العودة إلى التاريخ ، لنقرأ قصة تأسيس الجامعة المصرية ، ودور النخبة المثقفة وأصحاب الثروات من ملاّك الأراضي في بناء الجامعة على أرض مصرية، رغم رفض الاحتلال البريطاني ورغم إصرار كرومر ـ المعتمد البريطاني ـ على إبقاء المصريين جهلةً، والقصة معروفة ومدوّنة في كتب التاريخ، والخلاصة هي أن النخبة الوطنية المثقفة والطبقة الغنية في بدايات القرن العشرين أدركت أهمية الاستقلال المعرفي والاقتصادي والسياسي، وعرفت ـ من تجارب شعوب أوربا ـ أن بداية الاستقلال تكون من الجامعة القادرة على تخريج العناصر البشرية المؤهلة للعمل السياسي والثقافي والإقتصادي، فالجندي في المعركة هو العنصر الأكثر أهمية، ثم السلاح والخبرة العسكرية المتطورة ، وفى قصة دخول الفتيات المصريات مجال التعليم الجامعي ترجمة لصورة أخرى من صور المعركة بين الشعب المصري والاحتلال ، فالطالبة ـ سهير القلماوي ـ لم تجد مكاناً في كلية الطب، لأنها كانت ترغب في أن تكون طبيبة، وكانت لوائح الكلية ترفض قبول الفتيات، فلم تجد ـ سهيرـ غير كلية الآداب، والتحقت بها ، وتفوقت وحصلت على الدكتوراه في موضوع أدبى يتعلق بقصص وحكايات ـ ألف ليلة وليلة ـ و ما قصدته هنا هو أن قسم اللغة العربية في آداب القاهرة كان سباقاً في السعي نحو النهضة والتقدم، وكما كان القسم سبّاقاً في الدراسات النقدية كان سباقاً في دراسة تاريخ مصر، وانتشرت آثار هذا القسم في عقول الأكاديميين الذين تخرجوا فيه، وعملوا في الكليات التي أنشئت في الجامعات المصرية الأخرى.
ومنذ تسعينيات القرن العشرين جرت تحوّلات في الساحة السياسية والثقافية، جعلت الأكاديمي المتخصص في النقد الأدبي يتحوّل إلى "صنايعي " يعمل باليومية في جامعات لا تهتم بتطوير الوعى، لأنها عبارة عن مشروعات استثمارية، تمنح الوجاهة الاجتماعية، ولا تمنح الوعى ، ومع تدفق الأموال القادمة من الجوائز التي ظهرت في دول الخليج العربي ، تحوّل الأكاديميون إلى مشتاقين ـ من الشوق ـ للحصول على أموال هذه الجوائز، فكتبوا البحوث التي توافق هوى القائمين على هذه الجوائز، والمصيبة أنهم تحولوا ـ في مستوى آخرـ إلى عمال يعملون في خدمة دور النشر الكبرى، وهى دور تحمل روح الفكر الوهابي السلفي الرجعي، وتروّج لألوان من الأدب السطحي التافه الخالي من القيم النبيلة، الأدب الذى يرضي جماهير المسلسلات الهندية والتركية، فجماهير المسلسلات التليفزيونية الهندية والتركية يريدون روايات فيها مادة مسلّية، تخرجهم من حالة الملل التي يعيشونها، ولا يريدون روايات نجيب محفوظ وعبدالحكيم قاسم وعبدالوهاب الأسواني ويوسف إدريس، وكل هؤلاء الذين كتبوا الأدب الرفيع، وانخرط الأكاديميون الجدد في هذه المحرقة، فأصبح الأكاديمي ـ في كلية دار العلوم وكلية الآداب واللغة العربية بالجامعة الأزهرية ـ يسعى في بلاد الله باحثاً عن الرزق، ولم يعد قائداً ثقافياً ، وهذا جعل الروائيين الشبان يفتقدون التوجيه ويفقدون القيمة ،ففي زمن مضى كان الدكتور عبدالقادر القط ـ الناقد المعروف ـ يتولى مسئولية مجلة إبداع الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب ويقوم بتوجيه الشعراء والساردين الشبان وينشر التجارب الصالحة للنمو والتطور، وكان شكري عياد يكتب النقد على صفحات مجلة الهلال العريقة. وكان الأدباء الشبان يقرأون ويتعلمون ، ولكن في الوقت الراهن سقط النقد الأكاديمي من حسابات الروائيين الشبان ، لأن الجوائز التي تولى فيها الأكاديميون مسئولية التحكيم أسقطتهم ، وكشفت فقرهم الفكري والإبداعي، فالروايات التي فازت بالجوائز في مصر والدول العربية، كشفت ضحالة الوعى وفقر الذوق لدى الأكاديمي المصري، لأنه لا يقرأ، ولا يقوم بالبحث وفق المناهج العلمية المتطورة ، بل إن علاقة الأكاديميين المتخصصين في الأدب والنقد الأدبي بالبحث العلمي لم تتجاوز ما فهموه وعرفوه من المشرفين عليهم من أساتذة أثناء إعداد رسائل الماجستير والدكتوراه، وهذا يذكّرنا بصورة تلميذ المدرسة الذى يفرح بنهاية اليوم الدراسي ويفرح بنهاية الفصل الدراسي فرحة من تحرر من القيود، وهذا ما نجده في نفوس الأكاديميين المصريين ، يتخلصون من الالتزام بقواعد ومناهج البحث العلمي عقب حصولهم على الدكتوراه ـ جواز المرور إلى الوظيفة في الكلية وضمان الحصول على التقدير الإجتماعي ومفتاح الوصول إلى البنوك والخزائن الكريمة ـ
ولأن الرواية المصرية اعتمدت على الأكاديميين في تحديد مسارها، ثم فوجئت بضياع وهروب الأكاديميين المتخصصين في النقد ، بل وجدت من أكاديميّى الجوائز تحريضاً على الانخراط في طريق الرواية السطحية الاستهلاكية ، سقطت في بئر التفاهة ، ونشأ في ميدان الرواية المصرية صراع كبير، بين نقاد ومبدعين لا يحملون ـ درجة الدكتوراه ـ لكنهم يعرفون قيمة الأدب في بناء الوجدان الإنساني، ونقاد يحملون درجات الدكتوراه ومضاعفاتها، لكنهم تخلفوا عن الرّكب الإبداعي ، أو تحوّلوا إلى مروّجين لثقافة العولمة الأمريكية بقصد الحصول على فرص العمل في الجامعات الأمريكية أو المراكز الثقافية الغربية التي تروج لأجندة العولمة الثقافية الأمريكية التي تقوم على معاداة الثقافة الوطنية ،و محاربة الإبداع المهموم بقضايا المجتمع، مثل قضية الحرية وقضية التقدم وغيرها من القضايا التي خلقت القيمة العليا للرواية منذ ظهورها في أوربا في عصر الثورة الصناعية، والخلاصة هي أن ما تشهده الرواية المصرية من تعثر وارتباك هو نتيجة لجرائم ارتكبها نقاد الأدب من حَمَلَة الدكتوراه ومضاعفاتها ، فهم تخلّفوا عن الرّكب الإبداعي ، وروّجوا لمفاهيم ـ نقدية ـ قديمة ومتخلفة ومضلّلة ، ولعل المثقفين المصريين يذكرون المعركة المشهورة التي جرت وقائعها بين دكتور عبدالعزيز حمودة ودكتور جابر عصفور منذ سنوات ـ وهما من أساتذة قسم اللغة العربية في آداب القاهرة ـ وكان المفجر لهذه المعركة هو البحث عن الدور الضائع للناقد الأكاديمي المصري، فكتب الدكتور عبدالعزيز حمودة ضد المُعولَمين من النقاد، وكشف الدور التآمري لهؤلاء الذين انخرطوا في برنامج العولمة الثقافية الأمريكية، متجاهلين الدور الوطني والإنساني الذى تفرضه عليهم انتماءاتهم المصرية والعربية والإسلامية والإنسانية، ليكونوا نجوماً يقبضون بالدولار ويقضون السنوات في أمريكا و أوربا ، وهو ما نسميه ـ التبعية الثقافية ـ وهى تبعية يقوم فيها الباحث أو الناقد الأكاديمي المنتمي للدول الفقيرة بدور الخادم الذليل التابع للسيد المتحكم في المركز الغربي .
وفى النهاية أقول إن الدور الذى يقوم به المبدعون تجاه مبدعين آخرين ، وما يقوم به الصحافيون المتخصصون في الشأن الثقافي، استطاع تعويض النقص النقدي الناتج عن غياب النقاد الأكاديميين المصريين، وإن هذا التخبّط الذى يعيشه المشهد الروائي المصري سوف ينتهى عندما يؤمن المبدع الروائي أو القاص أنه ليس في حاجة إلى "ختم " الناقد الدكتور، لأن السيد الدكتور لم يعد قادراً على تقديم الدرس أو الخبرة بعد أن فقد صلاحيته الأكاديمية وارتضى أن يكون مأجوراً لمن يدفع أكثر.

