Menu

من تجليات طوفان الأقصى في المسرح السوري

جوان جان

نشر في مجلة الهدف العدد (82) (1556)

ألقت ملحمةُ السابع من تشرين الأول 2023 بظلالها على الحياةِ الثقافية والفنية السورية عموماً، والمسرحية منها على وجه الخصوص، وقد تجلى ذلك من خلال مجموعةٍ من العروض المسرحية التي شهدتْها المسارح السورية والتي تطرق فيها المسرحيون السوريون لملحمة طوفان الأقصى بكثير من الإدراك والوعي لأهمية هذا الزلزالِ الوطني والقومي الذي ما زلنا نعيش تفاصيله حتى يومنا هذا.

قراءة لمونولوجات غزة

في مدينة طرطوس تنادتْ مجموعةٌ من الفنانين المسرحيين لتقديم قراءات مسرحية بعنوان "قراءة لمونولوجات غزة" كانت عبارة عن تداعيات وشهادات إنسانية واقعية لأطفال عاشوا زمن الحرب وذاقوا ويلاتها ولمسوا لمس اليد كيف تخلى الجميع عنهم وتركوهم تحت وطأة الاحتلال وإجرامه، وقد أتت هذه القراءات كجزء من مشروع دوليّ بدعوة من مسرح عشتار الفلسطيني وشمل عدداً من الدول العربية والأجنبية يتم تحديثه والإضافة عليه باستمرار.

شارك في القراءات المؤدون: إناس حسينة، براءة حسينة، رحاب عيسى، إيفان نابلسي، عماد محمد، أنور محمد، رهام أحمد.

وفي دمشق تكررت التجربة برعاية من دار أطلس للنشر ومشروع مراية المسرحي عبر مجموعة من المؤدين بلغت تسعة عشر مؤدياً ومؤدية من مختلف الأعمار، ورصدت القراءات الأهوال التي واجهها سكان غزة نتيجة العدوان الهمجي الدائم عليهم من قبل قوات الاحتلال الصهيوني، وجسّدت قصص التحدي في مواجهةِ القصف والتشريد والحصار، وركّزت على مشاعر الألم والخوف والأمل لتكون بمثابة سجلّ حيّ للحظاتٍ من الشجاعة والحب والفرح رغم فقدان الأحباب، ودعت القراءات إلى تحرك دوليّ عاجل لوقف الانتهاكات والإبادة الجماعية لأبناء الشعبِ الفلسطيني.

وعن أهميةِ هذه القراءات أوضحت أ. سمر حداد مديرة دار أطلس راعية المشروع في تصريحات إعلامية أن الهدف من القراءات هو التأكيد على أن غزة ستبقى حاضرة في الوجدان وتسليط الضوء على المآسي التي يعيشها سكان غزة، وأن ضحايا العدوان الهمجي ليسوا مجرد أرقام، وقصصهم ستبقى حاضرة في الأذهان.

وأرسلت أ. رولا سليمان مديرة غاليري زوايا التي استضافت القراءات رسالة من سوريا إلى غزة جاء فيها: "سنقول لمن قاتل: نزداد بك شرفاً، وسأقول لمن استشهد: أنتم أحياء في عقولنا وضمائرنا، وسأقول لمن بقي حياً: تستحقون الحياة يا أبناء الحياة".

أنا ليلى أهدي سلامي

وبعيداً عن مشروع قراءات غزة قدم المخرج المسرحي سامر ابراهيم أبو ليلى في مدينة حمص عرضاً مسرحياً بعنوان "أنا ليلى أهدي سلامي" اعتماداً على أربع قصص للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني هي: "الرجل الذي لم يمت، منتصف أيار، شيء لا يذهب، قصة العروس" وأشار الإعلامي محمد خير الكيلاني إلى أن الأزياء الفلسطينية المتقنة واللهجة الفلسطينية (لهجة منطقة الجليل) التي قدمها الممثلون بسلاسة وإتقان كانت من العوامل التي ساهمت في نجاح العمل، كذلك الأمر بالنسبة للموسيقا والأغاني بصوت الفنانة سناء موسى وقد لعبت الموسيقا والأغاني دوراً في صياغة اللوحة الدراميةِ للعرض.

يشير مخرج العرض إلى أن العمل استغرق من التحضير ثلاثة أشهر، وقد اعتمد فيه على الإيماءات الحركية والبصرية أكثر من الحوار بما يناسب طبيعة العرض الذي يحكي عن شخصية الخال حمدان المواطن الفلسطيني الذي يبحث عن عروسه، ويقصد بها البندقية ومعه برتقال يافا تأكيداً على الانتماء للقضية الفلسطينية، كما يحكي العمل عن فدائية تُسجَن دون أن تغادر يافا وتموت فيها في إشارة إلى المناضلين وإصرارهم على الاستمرار في نضالهم.

استعرض العمل تاريخَ القضية الفلسطينية منذ العام 1948 وصولاً إلى طوفان الأقصى وما حدث في قطاع غزة من مجازر، واختار المخرج عنوان المسرحية من عبارة كانت عنواناً لبرنامج إذاعي هي "صوت فلسطين من دمشق" وأشار بعض من حضروا العرض إلى أنه صرخة في وجه العدوان وقد حمل رسالة إلى العالم تذكّره بالقضيةِ الفلسطينية، مشيرين إلى أن العمل سلط الضوء على صمودِ أهلنا في الأرض المحتلة وعن تضحياتهم التي قدموها في سبيل أن تبقى الأرض.

يقول مخرجُ المسرحية سامر ابراهيم أبو ليلى معلّقاً على مسرحيته: "حاولتُ ربطَ قصص المسرحية من خلال شخصياتها وجعلتُ من أبطال القصص عائلة واحدة: السيدة مريم وخالها حمدان وأولادها ليلى وغسان، وجعلتُ الأحداث تجري وسط هذه العائلة باستخدام تقنية الخطف خلفاً عن طريق ذكر الحدث ثم تجسيده بالاعتماد على الحالة الطقسية والرمزية والتعبيرية عبر إيصال الفكرة دون الاعتماد على الواقعية الصريحة، وحاولتُ إيجاد حالةٍ من التعاطف مع القضية الفلسطينية بواسطة المحافظة على مقولات القصص: الأمل ليس كاذباً، وهذا الشيء موجود في فلسطين، وقد تجدد مع طوفان الأقصى، وحاولنا في هذه المسرحية التذكير بحقّ العودة والأمل والتفاؤل لدى الشعب الفلسطيني.. والمسرحية برمّتها تحية لفلسطين".

جسَّدت الشخصيات نخبةٌ من ممثلي المسرح العمالي في حمص هم: غانية الأبرش، أنس المؤذن، عمر المصري، سامر ابراهيم أبو ليلى، لجين شقوف، غسان جعفر المحمد، عبد الله العبد الله.

رجال في الشمس

وفي درعا قدم المخرج فراس المقبل مسرحية بعنوان "رجال في الشمس" عن رواية بنفس العنوان للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني.

تتحدث المسرحية عن ثلاثة رجال عانوا من الظلم والاضطهاد بعد احتلال الصهاينةِ لأرضهم وتهجيرهم منها، فيقررون الهجرة للتخلص من الظلمِ والموت، فيباشرون رحلة شرعية إنسانياً لكنها ليست كذلك قانونياً بهدف الوصولِ إلى بر الأمان، متطلعين إلى حياة جديدة هانئة، وتشير الناقدة مها داود إلى أن الكاتب كنفاني استقى أحداثَ روايته من معاناة الشعب الفلسطيني والأحلام التي تراود الفلسطينيين في النجاة والخلاص، وتضيف داود: "المشهد العامّ للمسرحية عبارة عن فضاء فارغ يتوسطه حاجز قماشيّ أبيض تظهر من خلفه خيالاتٌ لثلاثة رجال يتجهزون للسفر، وأمام هذا الحاجز ثلاث نساء، كلّ واحدة منهنّ مقابلة للرجال الثلاثة وهم على التوالي: الأم مقابل ابنها، والزوجة مقابل زوجها، والفتاة مقابل حبيبها، وتقوم كلّ منهنّ بتجهيز حاجيات من تقابله بحسرة وحزن، وقد ترافق ذلك مع الأغنية التي يقول مطلعها: "لوَّع الجمال قلبي" للشاعر محمود درويش والتي أخذت الجمهور إلى الغرق في حالة من الشجن وفيض في المشاعر".

اعتمد المخرج فراس المقبل في هذا العمل على المونولوجات والتجسيد الإيمائي لإيصال مقولة العمل بضرورة الاستمرار والتشبث بالوطن، كما اعتمد على تقنيات الإضاءة والظلال للإيحاء بحالات التوتر وفقدان الأمل.

جسّدت شخصيات العرض مجموعة من فناني المسرح الجامعي في مدينة درعا.