Menu

الأرض في الإبداع الفلسطيني

د. ثائر يوسف عودة

نشر في مجلة الهدف العدد (82) (1556)

كُتب الكثير من المؤلفات والكتب النقدية والدراسات الجامعية (ماجستير– دكتوراه) التي تناولت موضوع الأرض في الإبداع الفلسطيني، وتفرّعت في جزئياته المتشعبة التي تغطي كل أماكن وجود الفلسطيني في الـ 48 و القدس والضفة والقطاع والمنافي القريبة والبعيدة في الشتات في قارات العالم الخمس، وإذا كان لكل مكان سماته الخاصة المميزة التي تجعله متمايزاً عما يُنتج في المكان الآخر، فإن جميع الكتابات تشترك في القاسم المشترك الأعظم (الأرض/ فلسطين) التي قد تحضر بصورة رئيسة في النص أو تكون خلفية (بانورامية) للنص الشعري أو النثري.

وأنا لا أفهم كيف يكون الأدب فلسطينياً ولا تحضر به فلسطين، فالحديث عن الشاعر أو الناثر الفلسطيني يجب أن يقود بالضرورة إلى محاورة نصه ومدى قربه أو بعده من فلسطين حتى وإن تناول ذلك النص الأدبي قضايا ذاتية أو محلية خاصة تتعلق ببيئة الكاتب وهمومه وانشغالاته في المكان الذي يعيش فيه، حتى وإن أراد أن يكتب نصاً عالمياً عن الإنسان والحب والحياة فإن الأرض أو علاقته بفلسطين إن غابت، غابت خصوصية ما يكتب، ومن الصعب التفكير بالأديب الفلسطيني دون التفكير مباشرة بفلسطين والمأساة الرهيبة التي حلت بشعبها المظلوم؛ لأن الكاتب الفلسطيني يكرّس علاقة حميمية بينه وبين الأرض تتعدى حدود الملكية إلى نوع من الإيمان الصوفي، ولعل ما قاله درويش (أنا الأرض والأرض أنت) يُلخّص العلاقة الإيمانية بين الفلسطيني وأرضه، لتغدو علاقة حب أبدي (حلولي)، كما عبّر عن ذلك الاتحاد الإلهي (الحلاج) شاعر الصوفية الكبير: (أنا من أهوى ومن أهوى أنا)، والتي قاربها كثير من أدباء فلسطين بصور متعددة ابتداء من إبراهيم طوقان في (موطني):

موطني الجلالُ والجمال

السناءُ والبهاءُ في رباك

والحياةُ والنجاة

والهناءُ والرجاءُ في هواك

إلى أبو سلمى الذي أعلن:

يا فلسطين ولا أغلى ولا أحلى ولا أطهر

كلما حاربت من أجلك أحببتك أكثر

الأرض قبل يوم الأرض

كان الأدب الفلسطيني ابن بيئته وواقعه، منذ أن عرف الاحتلال البريطاني ومن بعده الاحتلال الإحلالي الصهيوني، وكانت الأرض حاضرة بقوة في الأدب الفلسطيني، لا بوصفها عنصراً جغرافياً فحسب، بل جوهراً للهوية ومصدراً للشرعية الوطنية؛ ففي أشعار إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود، تتجلى الأرض باعتبارها إرثاً حضارياً ومجالاً للمقاومة. ومع النكبة، أصبحت الأرض تمثل الفردوس المفقود، وتحولت إلى حنين متّقد، كما في روايات غسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا، وقصائد فدوى طوقان ومحمود درويش وسميح القاسم وسالم جبران وشكيب جهشان وحنا أبو حنا وراشد الحسين وأبو سلمى ويوسف الخطيب وحسن البحيري وهارون هاشم رشيد والقائمة تطول.

أدب يوم الأرض

تحوّل يوم الأرض 1976 من حدث سياسي إلى رمز للهوية والصمود، واستقرّ عميقاً في الضمير الجمعي، ووجد صداه واسعاً في الأدب الفلسطيني شعراً ونثراً؛ لأنّ يوم الأرض كان حدثاً سياسياً ولحظة فاصلة في تشكّل الوعي الأدبي الفلسطيني، وخليطاً بين الوجدان الفرديّ والتاريخ الجماعيّ، بين المقاومة والانتماء، ففرض على الأدب مهمة مزدوجة: تخليد الذكرى، وتحفيز الفعل المقاوم. ومنذ ذلك اليوم، أصبح للأرض صوتٌ في القصيدة، وصدى في الرواية وفي الفنون الأخرى كافة، بل أصبح الأدب أحد أهم الحقول التي زُرعت فيها الأرض من جديد؛ فكلّ قصيدة، وكلّ رواية، وكلّ قصة، كانت بمنزلة قطعة أرض يُستعاد بها الوطن. مما خلق نوعاً جديداً من الأدب يمكن الاصطلاح على تسميته بـ (أدب يوم الأرض)، وقد أصبح له خصائصه وسماته التي تميّزه عن غيره مما سبقه من الكتابات الإبداعية.

 

الأرض في الشعر:

الشعر هو الجنس الأدبي الذي التقط بأسرع ما يمكن صدى يوم الأرض، ففي مساء الثلاثين من آذار، كُتبت القصائد، وأُلقيت في الميادين والمهرجانات، وبدأ الشعراء يخلّدون أسماء الشهداء، ويصوغون من دمائهم أغانيَ للكرام، وفي الاستجابة الأولى لذاك اليوم العظيم، كتب محمود درويش قصيدته (أنا الأرض)، وفيها أصبحت الأرض كائناً حيّاً، يشارك الإنسان الفلسطيني الألم والأمل: (وفي شهر آذار قالت لنا الأرضُ أسرارها...)

ربما لم يكتب درويش في قصائده التالية بعنوان مباشر عن يوم الأرض، لكنه كان من أوائل من التقطوا رمزية هذا الحدث وبنى عليه التالي من شعره، فكرّس علاقة حميمية مع الأرض، علاقة تعدّت مفهوم الملكية، حيث أصبحت كائناً هشّاً يجب حمايته.. (كأنّي أَخافُ على عِشْبةٍ مِن يديّ). واتخذت الأرض، في معظم نصوصه، صورة الأنثى، فهي الأم، والعشيقة، والمرأة التي يُقاتَل من أجلها: (على هذه الأرض… سيدةُ الأرض، أم البدايات… أم النهايات).

أما الشاعر سميح القاسم، ابن الجليل، فقد عايش يوم الأرض بكلّ تفاصيله، وكانت قصائده أكثر مباشرة واشتعالاً؛ فكتب واحدة من أجمل قصائده في حب الأرض: (يا أمنا أبشري واستبشري ... مازال يحرس عرضَك الأبناء...)، فتظهر الأرض مقاتلة، وأمّ شهيد، وفعل ثورة: (أنا الأرض... أنا من شراييني تنفجر الثورة... أنا من نزيفي ينبت الزعتر والبندقية..) فانتقلت الأرض لديه من كونها كائناً جغرافياً يُدافع عنه، إلى ذاتٍ فاعلة، تُقاوم، وتُفجّر الثورة، وهذا التحوّل الجذري في المعالجة الشعرية يُعدّ من أبرز نتائج يوم الأرض على النصّ الفلسطيني.

حين اندلعت أحداث يوم الأرض، كان الشاعر توفيق زيّاد رئيس بلدية الناصرة، فكتب أشهر قصائده التي تحوّلت إلى نشيد جماعي، وأصبحت مرادفاً ليوم الأرض، تعبّر عن التحدي والبقاء في وجه والاستيطان والإلغاء: (كأننا عشرون مستحيل... في اللد، والرملة، والجليل... هنا على صدوركم باقون كالجدار... وفي حلوقكم كقطعة الزجاج، كالصبار).

واختار الشاعر راشد الحسين الحديث عن يوم الأرض من زاوية السخرية من قوانين الاحتلال الصهيوني، فصوّر ذلك الوجع الفوّار الذي لا يعادله إلاّ الغدر المتواصل والمبرمج في إسناد أمر مصادرة الأرض إلى فعل القوانين المستلّة عند الطلب، وهذه المرة بأسلوب متطوّر يضفي على اختراع هذه القوانين الشرعية الشكلية المزيفة في كون السرقة قانوناً؛ يتجلى ذلك في قصيدته "الله لاجئ :"

الله أصــبـحَ غائباً يا ســـيّدي ... صادِرْ إذَنْ حتى بساطَ المسجدِ

وَبِعِ الكنيســةَ فهيَ من أملاكِهِ ... وَبِعِ المؤذّنَ في المزادِ الأسْودِ

وكتب معين بسيسو قصيدة يوم الأرض الملتهبة:

تفاجئني الأرضُ أنّ الشجر يخبّئ أسلحة.. والقمر يقوم بطبع المناشير

يا نجمةً في الجليل.. ويا تينةً في الخليل

تفاجئني الأرضُ.. أنّ أكفَّ الصبايا مرايا.. وكفَّ الشهيد بحجم السماء

في شعر فدوى طوقان، نقرأ الأرض بوصفها كائناً أنثوياً مجروحاً يُغتصَب ويقاوم، لكنه عصيّ على الانكسار بعد يوم الأرض، تكرّرت في قصائدها صور الأمهات المكلومات، الفلاحات المنتفضات، والقرى المحاصرة بالجرافات. وفي قصيدتها " تحية إلى يوم الأرض" يتحوّل الدم إلى قلم، والشهداء إلى خرائط، وكأن الشاعرة تقول إنّ الأرض لا تُرسَم بالحبر، بل بالدم: (على شرفات القرى المحروقة... وقفنا… ورفعنا بأيدينا دمَنا...

لنرسم خارطةَ الوطن...(

الأرض في الرواية:

بدأت الرواية الفلسطينية بعد يوم الأرض تعيد قراءة العلاقة بين الفلسطيني وأرضه من زاوية الحاضر والمواجهة وليس من منظور الماضي فحسب، فعلى الرغم من أنّ الأديب غسان كنفاني استُشهد قبل يوم الأرض، إلا أنّ رواياته مهّدت لتشكّل هذا الوعي. ففي "عائد إلى حيفا"، لا تعود الأرض مجرد قرية، بل تتحول إلى سؤال الهوية والانتماء، خاصة في مشهد اللقاء بين الأب الفلسطيني وابنه الذي تربّى في كنف الاحتلال. ويتحوّل في هذه الصورة الرجوع إلى الأرض إلى سؤال فلسفي عن الهوية والانتماء، الأرض هنا ليست بيتاً مهجوراً، بل مكاناً تُقاس فيه الخسارات الكبرى: فقدان الابن، وفقدان الماضي.

هذا التمهيد الكنفاني، جعل الروائيين من بعده، أمثال رشاد أبو شاور ويحيى يخلف وسحر خليفة وإبراهيم نصر الله وغيرهم كثير يستخدمون حدث يوم الأرض كمفصل درامي في رواياتهم. ومع تصاعد الانتفاضات الفلسطينية، من الأولى (1987) إلى الثانية (2000)، ظهر جيل جديد من الأدباء الذين تناولوا يوم الأرض في ضوء تجاربهم اليومية في المخيمات والحصار والمنفى. ففي روايات الكاتبة سحر خليفة، نجد نساءً يحملن همّ الأرض والبيت والعائلة، ويقاومنَ الاحتلال والذكورية والمجتمع الذكوري في آن. أما في روايات إبراهيم نصر الله فإنه يستعرض التحولات في حياة الفلاح الفلسطيني قبل النكبة وبعدها، ويُبرز في رواية "زمن الخيول البيضاء" كيف أصبحت الأرض مع الزمن رمزاً للهوية الجمعية، على الرغم من أن الرواية لا تدور حول يوم الأرض تحديداً، إلا أنّ الروح التي سكنتها هي ذاتها: روح التمسك بالجذور، والمقاومة اليومية ضد الاقتلاع.

الأرض في الإبداع الفلسطيني المعاصر

تتخذ الأرض لدى جيل الكتّاب التالي أبعاداً جديدة، تتجاوز التقديس المطلق إلى مساءلة العلاقة، فلم تعد الأرض مرادفاً للحق، بل أصبحت سؤالاً عن الواقع: كيف يمكن الحفاظ على الأرض في ظلّ التفتت، والانقسام، والتطبيع؟ وفي كتابات مثل روايات باسم خندقجي، أو قصائد تميم البرغوثي وغيرهما، نجد لغة أكثر تجريبية، تضع الأرض في سياق يومي معاصر، فالأرض لم تعد "تراباً"، بل بطاقة هوية، وثيقة ملكية، ومشروعاً إنمائياً مهدّداً. أمّا في أعمال عارف الحسيني أو عدنية شبلي وغيرهما، فتأخذ الأرض طابعاً فلسفياً، حيث تُطرح أسئلة: لمن الأرض؟ ما معنى أن نمتلكها ونحن تحت الاحتلال؟

إنّ الأرض في الأدب الفلسطيني بعد يوم الأرض أصبحت رمزاً أكبر من الجغرافيا، ولعلّ هذا هو جوهر العلاقة بين الأرض والأدب الفلسطيني: ليست علاقة مكان بسكّان، بل أصبحت جذراً لا يموت لأنها الهوية والانتماء، وأرض الشهداء، وأرض الذاكرة، وأرض الحق الذي لا يسقط بالتقادم، ليعلن الفلسطيني من خلال هذا الإبداع عن وجوده وحقه وكينونته لتبقى الأرض، ويبقى للغريب أن يأخذ ما يشاء من حصته من دمنا وينصرف.