Menu

أسئلة النكبة: دور الفكر في خلقها.. وهل يمكن تقصير عمرها؟

د. سعيد ذياب - رئيس حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني

إن النكبة ليست مجرد ذكرى عابرة أو حدثٍ غابر؛ بل هي جريمة اقتلاع جماعي لشعب من أرضه ووطنه، وتفكيك لمجتمع كامل وتحويل مئات الآلاف من أبنائه إلى لاجئين. إنها نكبة مستمرة تتجلى فصولها في الاستيطان، التهجير، وحرب الإبادة.

لذا، تظل "أسئلة النكبة" مطروحة وبقوة، وعلى رأسها: ما دور الفكر في خلق هذه المأساة؟

من المؤكد أن العامل العسكري كان له الدور الحاسم في فرض الوقائع على الأرض، إلا أن عوامل عديدة تداخلت لتشكيل المشهد. ومع ذلك، لعب "الفكر" دوراً أساسياً في تحديد الأرضية والمنطلقات التي تأسس عليها الكيان؛ فقد استند الفكر الصهيوني إلى استراتيجية الاستيطان وتفريغ الأرض من سكانها الأصليين.

لقد كانت "خطة دالت" التي رسمها "بن غوريون" قائمة بوضوح على التطهير العرقي، وتدمير القرى، وارتكاب المجازر لترويع الناس ودفعهم نحو الهجرة قسراً. وهي الخطة التي طالما أنكرتها الدعاية الصهيونية، مروجةً مقولة "الخروج الطوعي" للفلسطينيين، لكن البحث الهادئ والموضوعي —سواء كان بأقلام فلسطينية أو يهودية (المؤرخون الجدد)— كشف بالأدلة التاريخية زيف هذه الادعاءات وأثبت عملية التطهير الممنهج. فالصهاينة لا يترددون في تكرار مقولتهم: "لا دولة يهودية بدون إخلاء العرب".

لقد ارتكز المشروع الصهيوني على "إنكار" وجود الشعب الفلسطيني، مستفيداً من الدعم البريطاني إبان الانتداب، والذي ترجم "وعد بلفور" إلى واقع ملموس. هذا الوعد الذي تعامل مع الفلسطينيين كـ "طوائف" وليس كشعب له حق تقرير المصير. هذه الرؤية الفكرية تُرجمت مؤسساتياً من خلال السماح بتشكيل المنظمات الصهيونية لتكون أذرعاً للكيان لاحقاً، مقابل منع أي جهد عربي يسعى لتنظيم الصفوف أو التأسيس لفعل وطني مقاوم.

في مقابل هذا التنظيم الصهيوني، كان الفكر العربي يعيش حالة من التشتت وغياب القيادة الموحدة، مع ركون متكرر للوعود الخارجية (البريطانية والعربية)، مما أدى إلى إضعاف القدرة الفلسطينية على المواجهة. بل وصل الأمر أحياناً إلى حد الاستخفاف بالخطر الصهيوني؛ وأذكر هنا ما نقله لنا مدرس اللغة العربية حين كنا طلاباً، مشيراً بمرارة إلى أولئك الذين قللوا من حجم التهديد بقولهم: "إننا (بقباقب النساء) نستطيع طرد اليهود". هذه الذهنية القائمة على الاستهانة مهدت الطريق للإخفاق في مواجهة الاستعمار البريطاني والمشروع الاستيطاني الصهيوني.

ولأننا نؤمن بأن الفكر والثقافة هما روح الأمة وصمام أمان وعيها الاجتماعي والسياسي، فقد نهض العديد من المثقفين للقيام بدور بارز في الحفاظ على الهوية الوطنية واستنهاض الروح الكفاحية، مما ساهم في تماسك الرواية الفلسطينية وحمايتها من المحو.

يبقى السؤال الملح: كيف يمكن تقصير عمر النكبة؟ وكيف نوفر عوامل القوة للانتصار والتحرير؟

من نافل القول إن "الوحدة الوطنية" هي حجر الزاوية في هذا المسار؛ فتوحيد القوى والمؤسسات يضاعف من الفعالية والتأثير. كما أن بناء استراتيجية سياسية تجمع بين العمل الدبلوماسي والفعل المقاوم، استناداً إلى مشروع وطني واضح المعالم يرتكز على الحق التاريخي وحق العودة وتقرير المصير، هو مسألة تكتسب راهنية قصوى اليوم.

إن تعزيز صمود المواطنين عبر تحسين الواقع الاقتصادي والخدمات الصحية والتعليمية، وحماية النسيج المجتمعي من التفكك، يعد مطلباً لا غنى عنه لزيادة منعة الشعب.

ختاماً، إن عمر النكبة سيقصر حتماً حين يتحول حالنا من الشتات والضعف إلى "مشروع وطني منظم"، وحين ننجح في فرض قضيتنا كأولوية حاضرة في الوعي العالمي والإنساني.