لم تعد الأمراض المزمنة في غزة مجرد تشخيص طبي، بل أصبحت "حكماً بالإعدام" البطيء، وموت صامت يواجهه عشرات الآلاف من أصحاب هذه الأمراض، حيث مستقبل طبي مجهول، في ظل نقصٍ حاد في مخزون الأدوية الأساسية وتوقف شبه كامل لغرف العناية الطبية في مشافي متهالكة، ودمر أكثر من 90% منها بفعل العدوان.
لقد شكلت المنظومة الصحية في قطاع غزة هدفاً للعدوان على مدار أكثر من عامين ونصف، وترافق ذلك مع منع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية، ما تسبب في انهيار الخدمات الطبية المقدمة خاصة لأصحاب هذه الأمراض، الذين من بينهم أصحاب أمراض الفشل الكلوي الذين لا يتمكنون من الخضوع لجلسات الغسيل بانتظام بسبب عدم توفر الأدوية والأجهزة الطبية وعدم قدرتهم على الوصول إلى المستشفيات أو النقاط الطبية، يرافق ذلك تدهور في مكونات البيئة وارتفاع معدلات التلوث وانتشار الأوبئة، ونقص المياه الصالحة للاستخدام ومياه الشرب، ومنع من السفر لتلقي العلاج في الخارج.
تحذيرات مستمرة من تدهور الأوضاع
وزارة الصحة في قطاع غزة، والمراكز الطبية التابعة لها، حذرت باستمرار من تدهور خطير في الوضع الإنساني داخل القطاع، مع تراجع الظروف الصحية بوتيرة متسارعة في ظل استمرار النقص الحاد في الإمدادات الطبية، مشيرةً إلى أن المستشفيات تعمل بقدرات محدودة للغاية، ما ينعكس مباشرة على قدرة الطواقم الطبية على تقديم الرعاية اللازمة للمرضى.
وبحسب الوزارة، فإن مرضى الكلى يواجهون معاناة شديدة نتيجة نقص الأدوية والمستلزمات الأساسية الخاصة بجلسات الغسيل، إضافة إلى تراجع جاهزية الأجهزة الطبية بسبب غياب الصيانة وندرة القطع اللازمة لتشغيلها.
إنّ استمرار هذا النقص يضع مرضى الكلى أمام مخاطر صحية متصاعدة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المستشفيات التي تعمل في ظروف استثنائية، ما يجعل الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات الطبية تحديًا يوميًا للطواقم العاملة.
عدوان وحصار.. تفاقم للمعاناة
في هذا السياق قال مدير مجمع الشفاء الطبي الدكتور محمل أبو سلمية في حديثٍ مع "بوابة الهدف"، إنّ العدوان على غزة فاقم معاناة مرضى الكلى، مشيراً إلى أنهم كانوا يعانون الأمرين من قبل العدوان، وجاء ليفاقم حالتهم الصحية بشكل كبير، مضيفاً أن عددهم كان حوالي 1150 مريضا، وأصبح فقط 650، أي أن ما يقارب النصف منهم قد استشهد بفعل العدوان ونقص الإمدادات الطبية والأدوية.
وأوضح أبو سلمية أن المرضى كانوا مقسمين على ثلاثة مراكز في مدينة غزة؛ في مجمع الشفاء الطبي، وفي مستشفى شهداء الأقصى، وفي مستشفى الناصر، بعد أن كان هناك مستشفيات أبو يوسف النجار ومستشفى الأندونيسي "نور الكعبي" ومستشفى الرنتيسي التي خرجت عن الخدمة بفعل العدوان.
وبحسب أبو سلمية، فإن مرضى الكلى يعانون بشكل كبير من نقص في الأدوية والمستلزمات الطبية، ومن القساطر اللازمة لعمل "الفستولا" للشبك على أجهزة غسيل الكلى، بالإضافة إلى نقص في الهرمونات التي ترفع مستوى الحديد عندهم، ونقص في دواء الكالسيوم والـ (ألفا دي 3) والكثير من الأدوية اللازمة لرفع الهرمونات التي هم بحاجة إليها.
وحول أثر العدوان والحصار على آلية علاج المرضى، أشار إلى وجود مشكلة في عدد ساعات غسيل الكلى بسبب نقص في أجهزة غسيل الكلى؛ فالمفروض أن المريض يغسل 4 ساعات يومياً 3 مرات في الأسبوع، ولكن بسبب الأعطال الكثيرة في الأجهزة وعدم توفرها، تقوم الطواقم الطبية بتقليل عدد ساعات الجلسة إلى 3، الأمر الذي يؤثر على استجابتهم للعلاج.
أجهزة العلاج تحتاج الإنعاش
نجدد الإشارة في هذا التقرير إلى أن الاحتلال لم يسمح بدخول أي نوع من الأجهزة الطبية ولا قطع الغيار أو الصيانة في ظل الحصار الذي فرضه بالتزامن مع العدوان، هذا الأمر الذي أكده الدكتور أبو سلمية في حديثه لـ"الهدف"، قائلاً: "لم يدخل قطاع غزة أجهزة جديدة منذ العدوان، والأجهزة التي لدينا قديمة وتحتاج إلى قطع غيار، وقطع الغيار هذه غير متوفرة".
ولفت أبو سلمية إلى مشكلة تؤثر على عمل أجهزة العلاج، وهي محطات تحلية المياه التي تحتاجها، مشيراً في هذا السياق إلى أن مراكز غسيل الكلى أصبحت قديمة جداً ومتهالكة وتنقص منها الكثير، الأمر الذي يستمر في التأثير على غسيل الكلى والمرضى في آنٍ واحد."
وأكد مدير مجمع الشفاء الطبي إلى أن كثير من الأعطال التي تضرب أجهزة العلاج يتم صيانتها بطرق بدائية دون التمكن من استبدال القطع المتعطلة، الأمر الذي أدى لخروج عدد كبير من أجهزة الغسيل عن الخدمة.
وعن وجود البدائل لطريقة العلاج الصعبة، يشير أبو سلمية إلى أن الحل الأمثل هو زراعة الكلى، وهو الأمر الذي يحتاجه الكثير من المرضى بشكلٍ عاجل، لكن الحصار وإغلاق المعابر يحول دون تقديم العلاج الجذري لهذا مشيراً إلى أن وزارة الصحة أطلقت مشروعا لزراعة الكلى قبل العدوان داخل مجمع الشفاء الطبي، وكان يزرع سنوياً ما يقرب 35 مريضاً في السنة، مشيراً إلى أن هذا الواقع يفرض على المرضى البقاء على الغسيل الكلوي الدموي إلى يعني مدى الحياة.
وفي ختام حديثه مع "الهدف"، جدد الدكتور أبو سلمية المطالبة بإدخال المستلزمات الطبية والأدوية وأجهزة غسيل الكلى لهذه الفئة حتى يتمكنوا من علاجهم، وإلا "سنفقد واحداً تلو الآخر يوماً بعد يوم."
صرخات من مراكز العلاج
في ضوء هذا الواقع المؤلم والذي يعانيه مرضى الكلى على غرار كثير من الأمراض المنسية في قطاع غزة، وما أفرزه العدوان والحصار من واقع طبي شبه معطّل، فإن صرخات المرضى والمتألمين في مراكز العلاج تعلو يوماً بعد يوم، بحيث نسبة الضرر التي تلحق بهم تزيد، وهذا ما قاله المريض محمد اللداوي في حديث مع "بوابة الهدف".
يقول اللداوي ما أشار إليه في حديثه الدكتور أبو سلمية، إلى أنه كان من المفترض أن تجرى له عملية زراعة كلى، إلى أن بدء العدوان على القطاع حال دون إتمامها، ليتجمد وضعه الصحي منذ حينها، بل وآخذ بالتراجع.
ويضيف: حتى قبل أن أعرف أنه سيتم إجراء عملية لزراعة الكلى، إلى أن العلاج والأدوية والفيتمامينات كانت تؤتي ثمارها على جسدي، لكن بعد العدوان، ومع توقف كثير من مراكز الغسيل، الأمر الذي أدى لتقليص عدد ساعات الجلسة من 4 إلى 3، بالإضافة لغياب كثير من الأدوية والمسكنات اللازم لأجساد مرضى الكلى أصبحت جلسات الغسيل شبه عديمة الفائدة.
وبين اللداوي في حديثه المعاناة التي يتحملها قبل وبعد جلسة الغسيل، بسبب الدور والازدحام في مراكز الغسيل، وهو الأمر الذي كان مختلفا بشكل كامل قبل العدوان، ما يزيد المعاناة على أجساد المرضى.
السيد منتصر الدعمة من مدينة جباليا يروي معاناة ابنته رواء صاحبة الـ15 عاماً، مع مرض الكلى، الذي تكون لديها نتيجة مشاكل في القلب منذ ولادتها، والذي أنتج لديها ضموراً في الكلى أدى لحاجتها المستمرة للغسيل الذي كان يتم إجراؤه قبل الحرب في مستشفى الرنتيسي شمال القطاع.

يشير الدعمة في حديثه مع "الهدف" إلى أن العدوان والنزوح تسبب في توقف عن العلاج لابنته المريضة؛ الأمر الذي أدى لتفاقم وضعها الصحي، حيث ارتفعت نسبة وظائف الكلى، من 16، 17، لـ 20، وقد استأنفت غسيل الكلى في مستشفى الشفاء في آخر ستة أشهر، وأوضح أن ابنته حصلت على تحويلة علاجية في إحدى الدول الخارجية لإجراء عملية زراعة الكلى، بعد تطابق الفحوصات مع والدتها التي ستتبرع لها بكليتها.

"رحلة العلاج صعبة وتكلفنا مشقة كبيرة، منذ الخروج من الخيمة وحتى العودة لها"، بهذا الحديث يضيف والد المريضة رواء، حيث تجري 3 جلسات غسيل أسبوعيا لمدة 3 ساعات، عدا عن الذهاب للمشفى في أوقات مختلفة لظهور بعض الأعراض عليها كارتفاع نسبة الغازات وظهور ماء على الصدر، لافتاً إلى أن الحرب وسوء التغذية والسموم التي تنتشر في الهواء فاقمت من وضع المريضة التي كانت حالتها شبه مستقرة قبل العدوان، وتسببت في عودتها للغسيل بشكل مستمر لارتفاع وظائف الكلى للأسباب سالفة الذكر.
استغاثة في واقع معطّل
إن معركة غزة مع الأمراض ليست قدراً بيولوجياً، بل هي نتيجة هندسة متعمدة للإبادة فكل مريض يفتقد جرعة دوائه أو يُحرم من ساعة غسيل كاملة، يمثل صرخة تدين عجز المنظومة الدولية التي تراقب فصول "القتل البطيء" بصمت، فبعد أن أظهر الاحتلال أنه أوقف القصف والقتل بالصواريخ، وبينما ينظر العالم لتوقف القصف، يستمر في كتابة فصول "القتل البطيء" على أجساد المرضى وعليه؛ فإن إنقاذ غزة اليوم لا يتطلب وقف إطلاق النار فحسب، بل يتطلب فك الحصار الذي خلفّه العدوان قبل أن يتحول القطاع إلى مقبرة كبرى لمن نجا من الصواريخ وخذله الدواء.

