بعد وفاة الروائي والكاتب خالد خليفة في ايلول في عام 2023، صدرت روايته الأخيرة في أيلول في عام 2024،"سمك ميت يتنفس قشور الليمون " عن (نوفل دمغة الناشر هاشيت انطوان)، ويجعل العنوان الى السمك في البحر السوري في المدن الساحلية، وأهم المدن الساحلية السورية هي مدينة اللاذقية التي تشكل فضاء الرواية، بينما كلمتي "سمك ميت "هم شخصيات فرقة المسوخ الغنائية المتواجدة في مدينة في ثمانينيات القرن الفائت، وكلمة "يتنفس"، أي يأخذ ((شهيق، زفير،"من خلال قشور الليمون " عبر شخصية ماريانا التي في بينهما شجرة لليمون لكن الفرقة تمنت وعزفت أغنية ((لا تتركني وحيدة بين أشجار الليمون ))
والروائي والكاتب والدرامي خالد خليفة كتب العديد في الروايات هي" الموت عمل شاق، مديح الكراهية، لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة، لم يصل عليهم أحد، دفاتر القرباط، حارس المذيعة، ونسر على الطاولة المجاورة)) وكتب العديد في الأعمال الدرامية فيها "سيرة آل الجلالي، قوس قزح، حروف يكتبها المطر، أهل المدينة، الوردة الأخيرة، ظل امرأة، زمن الخوف، هدوء نسبي، المفتاح، والجزء الثاني في ( العراب، نادي الشرق)"
شخصيات وملامح سياسية:
يتدخل الاسترجاع السردي بين الماضي والحاضر في كل فصل في فصول رواية "سمك ميت يتنفس قشور الليمون " من خلال شخصيات الرواية ، يبدأ "سام" لينتقل إلى ماريانا، وبعدها موسى في الفصل الثالث، والرابع والأخير منال.
ينطلق سام من محل موسى للأحذية في شارع هنانو باللاذقية الذي تختار منه ميسون حذاء وعدها به موسى، ويسرد قصته انس مأمون ومها العنبري طبيبة الأسنان، اللذان تزوجا وتظهر حياتهما عسل في عسل، لكن انس بعد ستة أشهر يظهر قرب دكان والد سام مخموراً حيث تجتمع فرقة المسوخ ويخبرهم.
أن (مروة، حبيبه السابقة) لا تتركهما يمارسان الجنس، ومها حملت بعد سنة من زواجهما، بينما ازداد طيف مروة حضوراً حتى وصل إلى درجة هروب أنس الدائم من المنزل، ويتطلقا وتحتفظ مها بالطفل.
وينفتح سرد سام نحو علاقته بماريانا ومدينة اللاذقية التي هجرتها إلى الولايات المتحدة الأمريكية عبر زواجها بجورج في التاسع من أيار عام ١٩٩٠.
وينتقل للحديث عن لميس ابنة جيرانه التي كانت تدرس في جامعة تشرين في العام١٩٨٧, وعملت مخبرة، انخرطت وسط مجموعات طلابية معارضين يساريين، وخلال شهور قليلة أوقعت بمجموعة طلاب من سلمية كانوا ينتمون لحزب العمل الشيوعي، تقربت منهم، لبت دعوتهم للعيش في إحدى كوموناتهم المرتجلة، شاركتهم حياتهم ورحلاتهم.
كتبت تقارير يومية عن حياتهم وأفكارهم الهدامة، وسلمتهم باليد إلى موظف الشؤون الإدارية في المدينة الجامعية، المخبر الوسيط بينهما وبين الضابط المسؤول عنها.
تقيم لميس علاقة غير مكتملة مع منذر الحمصي عضو الحزب، وتعتقل المخابرات أكثر من أربعين شابا وشابة من كل أنحاء سوريا من بينهم"غسان حسون" ابن عمت سام فاطمة، بينما يهرب منذر عبر جاره الصياد الفلسطيني الذي أخفاه في حديقة منزله، و قادة في القارب إلى منزل بعيد عن المخيم، ذهب إلى دمشق. وتخفى. ويفرج عم غسان بعد (١٥)عاماً من السجن.
ويذكر موسى ذلك في سرده عن تحولاته من محل الأحذية إلى الاهتمام بالموسيقا والفرقة نحو تحولاته السياسية، واللقاءات في مكتبة الشاعر منذر المصري"فكر وفن".
أما في الفصل التي تسرده منال يأخذ أفراد أسرته حيزاً كبيراً "الأب والأم" و" ريما ومنعم" الذي يتطوع في المخابرات، وتتحول شخصيته من إنسان بسيط عادي إلى شخصيته جلاد متوحش لا يشبع من الجلد والتعذيب والقتل حيث تمرس في التعذيب خارج أوقات التحقيق، ويستمتع بالتعذيب حتى يصبح مكون من مكونات شخصيته في أقبية الفرع الذي خدم به في دمشق قبل الانتقال إلى اللاذقية بعد أن تزوج أخت زميله غدير الذي يعمل معه في ذات الفرع.
ويدفع الروائي الراحل خليفة شخصيته منعم نحو الجنون والمرض بسبب الهوس
والهلوسة والتضخيم الذي تعيش به الشخصية في حب القائد الدكتاتور الذي كان يحكم سوريا في عقد التسعينات من القرن الفائت، هذه المغالات اجتاحت العديد من الشخصيات التي عملت بالأجهزة الأمنية ومع الأجهزة الأمنية، وصولاً إلى حالة فقدان الوعي تماماً، والتحول إلى شخصية مريضة خارج إطار المكان والزمان والوعي الإنساني والحياتي.
النساء في الرواية:
يمكن تقسيم حضور النساء في الرواية إلى جيلين السيدات الكبار في السن اللواتي شكلن ظاهرة خاصة بهن، وهن جيل الأمهات والجدات، وجيل نساء فرقة المسوخ وغيرهن.
يتكون جيل الجدات في الرواية، من مريم جدة ماريانا التي ربتها بعد وفاة زوجها جورجي الذي تزور قبره مع العمة جورجيت ووالد ماريانا، وكانتا منال ويارا تقضيان أوقات في بيت الجدة مع مارينا.
والجدة الثانية في الرواية هي جدة موسى ذات الشخصية القوية حيث أجبرت زوجها جد موسى على السفر للعشاء في فندق صغير بمدينة نائية، وهما عاشا زمن جميل، وهي غادرت البيت إلى كسب لان الزوج تخلى عن وعوده لها، بان يعيشا حكاية مختلفة عن الجميع. لكنها عادت إلى بيت العائلة بعد وفاة الجد.
ومن الأمهات اللواتي لعبنا أدواراً في الرواية السيدة( أمل، عمة سام) التي تحولت إلى سلطة حقيقية انتقلت لفيلا في منطقة يعفور، تبيع وتشتري كل شيء لصالح ابن أخيها اللواء مضر، كانت مفتاحاً أمناً مطيعاً، لا تطعن في الظهر، وتتحمل نزق ابن أخيها، وكل فترة حيث يمثلان دور المرأة التي تستغل نفوذ ابن أخيها دون علمه.
أما الخالة جورجيت( أم رورني) ساعدت في صعود فرقة المسوخ إلى منصة مسرح الكنيسة في أول أسبوع في نيسان من العام١٩٨٩، لأول مرة، وهي كانت تدلل سام كابنها روني، وتدلل الصبايا اقل من كلبها روكي الذي تتحدث عن سلالته ومزاياه كأحد أفراد العائلة، وتشتم الأديان والطوائف ببساطة وتكرهها، وتجاهر بأفكارها الملحدة.
والدكتورة شهناز الرشيدي صديقة جورجيت، وهن اللتان تعتبران تدمير الكورنيش الغربي وتوسيع المرفأ في اللاذقية تدمير للذكريات وانتقام مؤجل من عدو، وهي أم موسى تخرجت من الجامعة الأمريكية في بيروت في العام١٩٦١، وتخصصت في طب الأطفال في الجامعة ذاتها، تداوم في المشفى الوطني في اللاذقية، وعيادتها في ساحة الشيخ طاهر، وشهناز وجورجيت مخترعتا غرفة البصاق التي تتيح للنساء البصاق على كل ما هو غير راضيين عنه، هذه الغرفة عند انتشار أخبارها في المدينة استدعيتا إلى فرع الأمن بسبب غرفة البصاق والمظاهرة التي حاولتا الإعداد لها في دمشق.
ومن جيل الشابات ماريانا ابنة أخيها لجورجيت، وربتها جدتها وعمتها كابنة وحيدة لهما، كانت على علاقة مع سام، وتزوجت جورج هاجرت معه إلى الولايات المتحدة الأمريكية، أنجبت طفل وطفلة، حاولت عند عودتها إلى اللاذقية إعادة فرقه المسوخ إلى الحياة لكنها فشلت بسبب عدم رغبة روني، وموسى في إعادة وأحياء الفرقة، وبقيت تطمئن على يارا التي هاجرت إلى كندا وأصيبت بمرض عضال، ويارا درست الأدب الانكليزي، وأحبت روني.
ومنال كاتبة قصائد الفرقة أحبت وتزوجت من موسى الذي كان يذهب إليها في بيروت عندما غادرت مدينة اللاذقية وعملت في الترجمة من الإنكليزية، بعد تخرجها أدب انكليزي، في الرواية نجد( فراغ لقصيدة كان سيكتبها الروائي خليفة لشخصية منال)، لكنه رحل عن الحياة قبل كتابة القصيدة.
وكتبت منال قصائد عن الحب المعطوب والقلوب اليابسة والمدن المهزومة وأوراق الشجر الصفراء في الشوارع، وأنجبت منال ولداً، أطلقت عليه اسم ماري تيمنا ببوب مارلي. وفي بيت عائلة منال أختها ريما التي تعلمت الخياطة عند جارتهم الحلبية أم تحسين، تزوجت عدة مرات أولها في ٦ شباط من العام ١٩٨٣, من زوج حلبي وطلقها لاحقاً، بعدها عادت إلى اللاذقية وعاشت مع صديقاتها اللواتي كانا يحجزان طاولة في مقهى شارع الأمريكان الجديدة، كبنات العائلات الغنية، وتزوجت من أدهم الجبيلي العراقي وعاشت معه وتطلقت منه، وعادت إلى اللاذقية.
إن نساء رواية سمك ميت يتنفس قشور الليمون متنوعات جداً وذوات حضور استثنائي، فمن المخبرة في بداية الرواية إلى نمو شخصيتها لتصبح مذيعة في التلفزيون إلى الجدات اللواتي لم يكن حضورهن تزيني، وإنما أساسي وفاعل في سطور الرواية حيث لعبن دوراً في إعادة تركيب البناء الروائي وفق مواقفهن.
بينما السيدات في جيل الأمهات كن ذوات حضور نوعي وفاعل يعيد بناء خطوط روائية على أساس القناعة والحرية الفردية التي تمتعن بها، والمواجهة الجماعية. والخاصة الفردية في مدينة اللاذقية وفروعها وشخصياتها الأمنية.
أما جيل الشابات من النساء ذو الحضور الكبير والفاعل في سطور وصفحات الرواية لم يبدين اهتماماً سياسياً في الرواية كما جيل الأمهات، بل محاصراً بهمومه الذاتية الشخصية والأسرية، وحتى يارا التي هاجرت بقية مرضية في أوهام البلد.
أخيراً رواية سمك ميت يتنفس قشور الليمون للروائي الراحل خالد خليفة فضائها السوري الخاص في اللاذقية يعيد الاعتبار لأهم مدن الساحل السوري.

