Menu

إيران واليوم التالي للعدوان

حمزة البشتاوي

نشر في مجلة الهدف العدد (82) (1556)

لم يكن العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 شباط 2026 مجرد مواجهة عسكرية، بل تحول استراتيجي كبير يمكن أن يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط والعالم لسنوات قادمة، ويمهد لإنتقال واضح من نظام الأحادية القطبية إلى تعددية قطبية غير مستقرة في المرحلة الراهنة. ومنذ بداية العدوان على إيران إرتبط الفشل في تحقيق الأهداف بتراجع مشروع الهيمنة والسيطرة على دول وشعوب المنطقة مما سيؤدي إلى نهاية عصر القطب الواحد وظهور قوى دولية مهنية قادرة على قيادة نظام دولي متعدد الأقطاب وإنهاء مرحلة التدخلات الأمريكية التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، وبداية مرحلة جديدة تقوم على تعدد مراكز القوى وكسر عصر الهيمنة الأمريكية وغطرستها التي فشلت في إسقاط إيران أو إضعافها، إضافة للعجز عن الحسم العسكري بعد أن نجحت إيران في إمتصاص الضربة الأولى والرد السريع على العدوان باستهداف العمق الصهيوني والمصالح والقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، حيث نجحت إيران على المستوى الرسمي والشعبي في إدارة ساحات المواجهة التي تحولت من تحدي خطير إلى فرصة كبيرة بالنسبة لإيران كي تفرض واقع إقليمي جديد بحضور ومكانة جديدة ليس على المستوى الإقليمي وحسب بل على مستوى النظام الدولي الذي يعاد تشكيله بعد انتهاء العدوان، وفي ذلك إفشال لرؤية ترامب نتنياهو لتغيير وجه الشرق الأوسط لصالح ما يسمى مشروع إقامة (إسرائيل الكبرى) الذي بات أمر بالغ الصعوبة ومستحيل تحقيقه بعد أن أصبح ميزان القوى في المنطقة في غير صالح القوى المرتبطة بهذا المشروع، وبعد أن أثبتت إيران قدرتها على المواجهة والعمل كعنصر فاعل في إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية الإقليمية والدولية، وهذه القدرة جعلت الصعب على ترامب ونتنياهو إقناع قاعدتهم الشعبية بأن الحرب يمكن أن تكون الطريق نحو تحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي تحول إلى خطأ استراتيجي بعد أن أوصل ترامب الصراع إلى ذروته عندما تحدث عن تدمير الحضارة الإيرانية التي تعتبر من أكثر الحضارات البشرية تقدماً من حيث المجد والقدرة والتميز على صعيد الثقافة والتاريخ والجغرافية والديموغرافيا.

في البعد الثقافي والسياسي والعسكري أثبتت إيران قدرتها على امتصاص وتجاوز الضغوط العسكرية والإقتصادية وتحويلها لمضيق هرمز من ممر مائي إلى ورقة استراتيجية من ضمن مجموعة أوراق قوة عالية التأثير استطاعت من خلالها فرض وقف لإطلاق النار شمل أيضاً لبنان، وحولت إيران الهدنة إلى شكل من أشكال الصراع وليس حله الذي يحتاج إلى التوصل لإتفاق منصف وعادل، وهذا ما تعمل عليه إيران وتعرقل الوصول إليه إدارة ترامب التي تخشى في اليوم التالي للحرب أن تصل لإتفاق شبيه بإتفاق عام 2015. ويعود حضور إيران مجدداً باعتبارها قطب إقليمي ودولي فاعل بعد كل التحديات والتطورات التي نقلتها من حيز الدولة الإقليمية القوية إلى فضاء التأثير الفاعل في توازنات القوى الكبرى مع التأكيد على أن هذا التأثير لن تغيره تصريحات ترامت التي ساهمت بتحويل الحرب إلى مأزق استراتيجي حاد ستعاني منه الولايات المتحدة طويلاً بعد أن أثبتت إيران قدراتها العسكرية المدعومة بدبلوماسية تعمل باعتبارها جزء من ميدان المواجهة بنفس طويل يريد في اليوم التالي للحرب إعادة هندسة الأمن الإقليمي والدولي في بيئة إقليمية ودولية شديدة التقلب وصراع مفتوح مع قول الهيمنة والسيطرة والاحتلال، وتعمل إيران على أن يكون اليوم التالي للحرب فيه إنبلاج لفجر جديد لا تستجدى فيه الحقوق بل تنتزع بفعل الصمود والثبات والمقاومة.