Menu

الملامح السياسية للمنطقة العربية في ظل العدوان على إيران

د. عابد الزريعي

نشر في مجلة الهدف العدد (82) (1556)

شكل العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران لحظة مفصلية في تاريخ الشرق الوسط، هذه اللحظة تبدت ملامحها الأولية منذ تاريخ الرد الأول لإيران على الكيان الصهيوني في أكتوبر 2024، ذلك التاريخ الذي دشن لأول مواجهة عسكرية بين إسرائيل منذ اعلان تأسيسها عام 1948 وطرف إقليمي غير عربي، وان كان ضمن دول الشرق الأوسط المدرجة في الحساب الاستراتيجي الأمريكي والاسرائيلي منذ الخمسينات، وبات أكثر حضورا في هذا الحساب منذ اندلاع الثورة الإيرانية، وحسم توجهاتها نحو التفاعل مع الصراع العربي الصهيوني. العدوان الحالي قياسا لنقطة البداية ينطوي على ابعاد ومعطيات سياسية عديدة تجعل منه النقلة النوعية الحاسمة، التي ستلقي بظلالها على المنطقة العربية لعقود قادمة من الزمن الصاخب بالمعني السياسي، الأمر الذي يجعل من توقع تأثيره وانعكاساته على الأنظمة العربية نوعا من التقدير الأولي القابل للنقض ارتباطا بمسارات الاحداث ومتغيراتها.

هل كان العدوان حتميا؟ هو اول الأسئلة التي لابد من طرحها، لاسيما وان الإجابة الدقيقة عليه، ليست مرتبطة بتفسير لحظة زمنية قد مضت، وانما محاولة للامساك بتفاصيل لحظة زمنية قادمة أيضا. والاجابة تستدعي العودة الى وثيقة استراتيجية الامن القوي الأمريكي الصادرة بتاريخ 4 ديسمبر 2025، وتحديدا تلك الفقرة المتعلقة بالشرق الأوسط، ومفادها ان الولايات المتحدة ستخلي المنطقة للتمركز في أمريكا اللاتينية والكاريبي، ارتباطا بصياغة الياتها لإدارة الصراع مع الصين وروسيا. وقد ربطت عملية الاخلاء بشرط عدم سيطرة اية قوة معادية على تلك المنطقة، وضمان امن الممرات ومصادر الطاقة. هذه النقطة المفصلية تعني مسألتين مرتبطتين بالمعنى السياسي، ومتباعدتين بالمعنى الجغرافي. المسألة الأولى هي توضيب وتهيئة مكان التموضع الجديد، والثانية ترتيب مكان الاخلاء بشكل جيد ومضمون. بالنسبة للمسألة الأولى المتعلقة بموقع التموضع في أمريكا اللاتينية والكاريبي، فقد تبدت ملامحها بشكل جيد، وشبه مكتمل، من خلال العدوان الأمريكي على فنزويلا واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، واملاء الشروط على من خلفه، وفي دفع كولومبيا بالضغط السياسي والتلويح بالقوة الى الصمت والانزواء، وكذلك في المناوشات الجارية مع كوبا والتي لا تخلو من التهديد والوعيد. اما بالنسبة للمسالة الثانية والمتعلقة بالموقع الذي سيخلى (الشرق الأوسط)، فان الأمر يتعلق بشروط أمريكية أكثر وضوحا وتحديدا، يتمثل أولها في عدم السماح لأية قوة معادية للولايات المتحدة بالهيمنة على الإقليم، ويتمثل ثانيا في ضمان امن الممرات والنفط. تحقيق هذين الشرطين يستدعي تحقيق مسألتين متقابلتين، أولهما تحييد القوة التي يمكن ان يكون لها تأثير في الإقليم بحكم دورها ووزنها وموقفها المناهض لأمريكيا وإسرائيل، وثانيهما الدفع بإسرائيل كقوة مهيمنة ضامنة للمصالح الامريكية في المنطقة التي اخلتها. وفي هذا المفصل تحديدا كان قرار العدوان والتناسق بين الموقفين الأمريكي والإسرائيلي بعيدا عن مفردات التوريط والاستدراج. والمفارقة ان محاولة جني النتائج في موقع الاخلاء تمت بذات الالية التي سارت عليها الولايات المتحدة لترتيب موقع التموضع في فنزويلا، معتبرة ان التخلص من الامام الخامئني في طهران، يساوي الخلاص من نيكولاس مادورو في كراكاس، وانه سيتم الحصول على ذات النتائج في زمن صفري، الأمر الذي كان واضحا وجليا في كل التصريحات التي أطلقها ترامب بعد اغتيال الامام، ومازال يرددها حتى اللحظة. ما سبق يعني ان العدوان على إيران يأتي في سياق محاولة إعادة صياغة موازين القوى في المنطقة، واحتواء الدور الإقليمي الإيراني وإضعافه أو دفعه إلى حالة من التفكك الداخلي. بما يفضي إلى إعادة رسم النظام الإقليمي في الشرق الأوسط وبروز ترتيبات أمنية وسياسية جديدة. وهنا كان الخطأ والمأزق الذي فتح الباب لصراع أطول واعقد مما حسبت وتوقعت الولايات المتحدة الامريكية. فقد جاء الرد الإيراني على العدوان بمستويين قصف إسرائيل من ناحية، واستهداف القواعد الامريكية في الخليج من ناحية ثانية. الان وفي خضم المواجهة الجارية، يطرح السؤال حول انعكاساتها على المنطقة العربية، وفي قراءة هذه الانعكاسات من المهم الأخذ بعين الاعتبار ان المنطقة العربية، في وضعها الراهن مقادة من قبل أنظمة تبعية سلمت امرها للإرادة الامريكية سواء بشكل مباشر كالأنظمة الخليجية، او بالواسطة مثل البقية التي سلمت امرها للأنظمة الخليجية، لذلك يمكن تسجيل بعض ملامح تعاطيها مع مسار الاحداث في النقاط الاتية.

أولا: ان القراءة المدققة فيما تعرضت له القواعد الامريكية في دول الخليج يؤكد حقيقة أساسية ان هذه القواعد غير قادرة على حماية هذه الدول، وبالتالي فان كل ادعاءات ترامب بانه يوفر الامن لدول الخليج ويدافع عنها، وارتباطا بهذا الادعاء، يقوم بعملية سلب منظم لثرواتها، اكدت مجريات الحرب انها ادعاءات باطلة. والسؤال هنا هل ستعي دول الخليج هذه الحقيقة ام لا.؟ يبدو ان تلك الدول تمضي في اتجاه اخر، فعندما احتفت تلك الانظمة بالنصر الذي لم يتحقق على إيران الى جانب أمريكيا وإسرائيل، كانت ترسل إشارة ذات رمزية سياسية، تفيد بانها جزء من حلف معادي لإيران، أي انها تعيد انتاج ذات المشروع الذي اشتغل عليه ترامب منذ طرح صفقة القرن. وان وعيها السياسي مازال رهين ذلك المربع ولم يتجاوزه بعد، ويبقى امرها مرهونا بتطور الصراع والاتجاهات التي سيمضي نحوها.

ثانيا: شهدت المنطقة اصطفاف عربي رسمي اعمى خلف دول الخليج، بتوجيه الاتهام لإيران بانها تستهدف دولا عربية، دون الإشارة من بعيد او قريب للعدوان الأمريكي، ولطبيعة هذه القواعد التي يشكل وجودها رغما عدوانا حقيقيا، ذلك يطرح سؤالا حول حدود ونوعية فهم النظام الرسمي العربي للأمن القومي ومنطلقات التهديد الذي يتعرض له الإقليم. هذا الاصطفاف العربي خلف المحور الخليجي ودون ان يتقدم أحد لمحاولة شق طريق اخر، يعني ان المحور الخليجي يكرس دوره للهيمنة على قرار المنطقة لصالح أمريكيا وإسرائيل.

ثالثا: يشهد لبنان تركيزا إسرائيليا أمريكيا يهدف الى فصل الملف اللبناني عن الإيراني، وتحريك قوى داخلية إضافة للإطار الرسمي للضغط على المقاومة، وذلك في سياق السعي الوصول للهدف الأساس وهو نزع سلاح المقاومة وطي ملفها على الساحة اللبنانية ودفع الساحة نحو التطبيع مع الكيان. الامر الذي يزيد ثقل الضغط على المقاومة اللبنانية، خاصة وان النظام الرسمي بتوجهاته الواضحة يتم دفعه ودعمه من قبل المحور الخليجي في هذا الاتجاه. الذي سيشكل مدخلا ـــ في حال نجاحه ـــ الى محاولة تفكيك كل البنى المقاومة تحديدا في العراق والعمل على تهيئة وخلق الظروف للانقضاض على اليمن.

ويبقى السؤال الأهم.. وماذا عن فلسطين.؟ الإجابة على ذلك ان إسرائيل تحاول في اللحظة الراهنة وبالاستفادة من التركيز الإعلامي على الحرب الإقليمية الذي يغطي موضوعيا على ما يجري في الأراضي المحتلة، تعظيم مكاسبها، وبمعنى ادق اغلاق الملف الفلسطيني على هزيمة تاريخية، لأنها باتت على قناعة ان العقبة التي تحول دون هيمنتها الإقليمية هي الصراع الجاري في منطقة القلب، في بؤرة المواجهة، وليس إمكاناتها الاقتصادية والتكنولوجية التي روجت لها كثيرا، والوجه الأخر للمسألة ان انهيار مشروع الهيمنة او نجاحة مرهون بقدرة المقاومة الفلسطينية على الصمود، وعلى حدي هذا المفصل تتحدد ملامح المرحلة القادمة.

ان هذا صمود المقاومة الفلسطينية سيتعزز بالضرورة، بقدرة إيران على إدارة الصراع وقد باتت تمسك بمفاصله الرئيسة، وقدرة المقاومة اللبنانية على الصمود وتفكيك كل الفخاخ المنصوبة من حوله، ووعي قوى محور المقاومة في لبنان والعراق بتاريخية ومصيرية دورها الراهن. الامر هو الذي سيرسم الملامح الأولية لصورة المرحلة القادمة في المنطقة بشكل كبير وحاسم.