Menu

بعد الإعلان عن خطة إعلان النوايا: ترامب في ورطة وإيران حافظت على ثوابتها الإستراتيجية

عليان عليان

بوابة الهدف

منذ أن سلم قائد الجيش الباكستاني المشير "عاصم منير" مشروع خطة "إعلان النوايا" للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إثر وساطة باكستانية قام بها وزير الداخلية الباكستانية أثناء زيارته لطهران عدة أيام، وشارك فيها وفد قطر ي بات المراقبون يتعاملون مع تسريبات فوكس نيوز الصهيو أمريكية، وصحيفة نيويو تايمز، وتسريبات وكالات أنباء خليجية، ومع ما صدر ويصدر عن وكالة فارس وتسنيم الإيرانيتين، ليخرجوا بالتحليلات حول المخرجات الحقيقية لهذه الخطة وأبعادها، ومن هو الرابح والخاسر فيها.

وبعد التمحيص والتدقيق، تبين للعديد من المحللين – وأنا واحد منهم -أن ما صدر عن الوكالتين الإيرانيتين هو أقرب للدقة، بحكم استنادهما المباشر لتصريحات ركني التفاوض غير المباشر وهما وزير الخارجية الإيراني " عباس عراقجي و رئيس البرلمان الإيراني قاليباف" .

فمشروع إعلان النوايا الذي تضمن (14) نقطة اشتمل على مرحلتين ولكل مرحلة تفاصيلها.

المرحلة الأولى تضمنت ما يلي:

  1. الجانب الأمني والعسكري

ويتضمن ما يلي:

أ-قف شامل للحرب وإطلاق النار على جميع الجبهات، بما فيها جبهة جنوب لبنان، مع تقديم ضمانات متبادلة بعدم استئناف الحرب من قبل الطرفين الأمريكي والإيراني.

ب-انسحاب القوات الأمريكية من مختلف المناطق المحيطة ب إيران في بحر العرب توطئة لانسحابها الشامل من المنطقة برمتها

ج-وقف الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية.

  1. مضيق هرمز :

ويتضمن ما يلي :

- رفع القيود الأمريكية عن مضيق هرمز ووقف محاصرته.

- إيران تحتفظ بحقها في إدارة مضيق هرمز وفق آليات تنظيمية متفق عليها مع سلطنة عمان

- تسمح إيران بعبور أعداد السفن التي كانت تمر في السابق قبل الحرب، وفق اشتراطات محددة ما ينهي أزمة الطاقة العالمية الناجمة عن إغلاق المضيق

- الإفراج عن جزء كبير من الأموال الإيرانية المجمدة من ضمنها (16) مليار دولار موجودة في البنوك القطرية .

- تجري مفاوضات بشأن رفع العقوبات على إيران ، وإلغاء تجميد الأموال الإيرانية في الفترة التي قد تمتد من 30 إلى 60 يوماً.

- تمكن إيران من تصدير نفطها إلى الخارج بدون معوقات أو اعتراضات من قبل البحرية الأمريكية.

- تمتد الهدنة لمدة 30 يوماُ وقد تصل إلى (60) يوماً

- المرحلة الثانية

بعد (30) يوما من تنفيذ المرحلة الأولى واستحقاقاتها، تبدأ المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني .

الحذر من التسريبات المغرضة

ما يجب الإشارة إليه ابتداءً ، أن موضوع النووي الإيراني بات موضوعاً مغلقا من قبل الجانب الإيرانيً ، ولن يفتح إلا بعد (30) يوما رغم التسريبات المغرضة، بأن المفاوض الإيراني قدم مسبقاً ، وسيقدم في المرحلة الأولى عناويناً لتنازلات كبرى في النووي الإيراني ، مثل : أن تلتزم إيران بإزالة اليورانيوم عالي التخصيب ،وتسليمه للجانب الأمريكي مقابل 22 مليار دولار/ وقف عمليات التخصيب لمدة 20 عاماً وهو ما نفته إيران جملةً وتفصيلا ، وأن الأمر الوحيد الذي أعلتنه إيران ولا تزال تعلن عنه بأنها ليست بصدد انتاج سلاح نووي، ارتباطاً ببعد عقائدي وبالفتوى التي سبق وأن أعلنها مرشد الثورة آية الله علي خامنئي ،قبل اغتياله في 28 فبرار شباط الماضي.

الإدارة الأمريكية تتخبط في ردها على خطة النوايا

ما أن استلم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مشروع "إعلان النوايا" والذي هو في محصلته ردود إيران على المشروع الأمريكي، وسبق وأن وافق عليه من خلال التواصل اليومي مع الوسيط الباكستاني ، حتى دخل في دائرة التخبط والتغريدات المتناقضة.

فتارة يقول بأن الاتفاق شبه مكتمل ويحتاج إلى بعض التعديلات ، وتارة يقول أن موقفه منه بشأن الرفض والقبول للاتفاق ( 50) في المائة "قبول" و( 50 ) في المائة "رفض" وتارةً يطالب ايران بتسليمها كمية اليورانيوم المخصب( 450) كيلو غرام، وتارة يعود إلى المربع الأول بمطالبته بتفكيك البرنامج النووي الإيراني ، وتارةً يقول إنه يسمح بالإبقاء على منشأة نووية واحدة للأغراض السلمية، وتارةً يقول إنه لن يرفع العقوبات إلا بعد توقيع إيران على اشتراطاته بشأن البرنامج النووي ، وأنه لن يوقع على اتفاق سيء كالذي وقعه الرئيس أوباما عام 2015 الخ .

واللافت للنظر أن المفاوض الأمريكي المتطرف " ستيف ويتكوف"، حاول أن يقنع ترامب بقبول " إعلان النوايا " بعد أن صرح بوضوح أن إيران لن تستسلم للشروط الأمريكية سواء بشأن المشروع النووي الإيراني، أو بشأن تجريد إيران من صلاحياتها في مضيق هرمز.

كما أن العديد من المستشارين في الإدارة الأمريكية تبنوا موقف ويتكوف في ضوء عدة عوامل منها:

أن إيران لن تقبل بأي حال من الأحوال التنازل عن برنامجها النووي/ أن المشروع يحل أزمة الطاقة العالمية بعد فتح مضيق هرمز، ويساهم في حل الأزمة الإقتصادية الأمريكية وعنوانها "التضخم وارتفاع سعر جالون البنزين" الذي بات يؤرق المواطن الأمريكي بشكل كبير / إن موافقة الإدارة الأمريكية على الخطة يسهل مهمة الحزب الجمهوري في الفوز في انتخابات التجديد النصفي لأعضاء الكونجرس بعد بضعة شهور/ أنه ليس بوسع الإدارة الأمريكية استئناف الحرب، بعد أن فشلت في تحقيق أهدافها وبعد الخسائر الهائلة التي منيت بقواتها وقواعدها ومصالحها في الخليج/ أن الكونجرس صوت على عدم استئناف الحرب ، ناهيك أن 60 في المائة من الشعب الأمريكي – وفق استطلاعات الرأي – بات ضد الحرب على إيران.

دور نتنياهو في تخريب الاتفاق

وفي التقدير الموضوعي أن تردد ترامب وتخبطه بشأن الخطة المطروحة، يعود إلى تأثير الجانب الإسرائيلي على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد المكالمة الأخيرة له مع نتنياهو التي أوضح فيها ما يلي :

  1. أن الخطة لم تحقق أي هدف من الأهداف المشتركة للطرفين وخاصة تلك المتعلقة باليورانيوم المخصب، الذي بات على عتبة إنجاز سلاح نووي إيراني.
  2. أن وقف الحرب في جبهة جنوب لبنان يضرب في الصميم الهدف المشترك للطرفين الأمريكي والصهيوني، المتعلق بنزع سلاح حزب الله وإقامة منطقة عازلة في جنوب لبنان.

وحسب الأكاديمي الإيراني الدكتور حسن حميديان، فإن نتنياهو يعمل بشتى الوسائل على دفع الإدارة الأمريكية نحو التصعيد، وتخريب أي صيغة اتفاق تضمن استقراراً سياسياً في المنطقة، وأن نتنياهو يرفض القبول بأي شروط إيرانية تتضمن وقفاً للحرب أو تثبيت قواعد جديدة للملاحة في مضيق هرمز، مما يجعل سياسات نتنياهو حجر عثرة أمام جهود الوساطة القطرية والباكستانية.

ويضيف حميديان: أن تغير موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن مسودة "إعلان النوايا" مع إيران يعود بالفعل إلى تأثير وضغوط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ، بعد الاتصال الهاتفي الذي جرى بينهما بتاريخ 24 مايو / أيار الجاري ، والتي تضمنت ما يلي :

-1اعترض نتنياهو بشدة على مسودة "إعلان النوايا" التي كانت تعمل عليها واشنطن مع الوسطاء لإنهاء الحرب، معتبراً أنها تفتقر إلى القيود الصارمة على البرنامج النووي الإيراني.

2- تأكيد ترامب لنتنياهو أن أي اتفاق نهائي يجب أن يتضمن التفكيك الكامل للبرنامج النووي الإيراني، ونقل اليورانيوم المخصب خارج الأراضي الإيرانية.

فرئيس وزراء الكيان الصهيوني بات يوظف إدارة ترامب لمصلحة الكيان الصهيوني لا سيما أنه ضد وقف الحرب، ومع استمرارها لتفكيك البرنامج النووي الإيراني ولإسقاط النظام الإيراني وتفكيك الدولة الإيرانية.

شروط إيرانية

وفي مواجهة الضغوط الإسرائيلية على الإدارة الأمريكية، هنالك شروط تطرحها وتطرحها إيران من موقع المقتدر عسكريا، وهذه الشروط تتمثل فيما يلي:

أولاً: أنها لن تدخل في هذه الجولة في مفاوضات بشأن الملف النووي، وفقط في حال قام الطرف الآخر بتنفيذ شروط بناء الثقة، سيتمّ الحديث عن المسائل النووية في الجولة المقبلة.

ثانياً: الشرط الثاني والأساسي لدخول إيران في المفاوضات، هو أن يتمّ تحويل وإطلاق الأموال الإيرانية المجمّدة أولاً، ومن دون حدوث ذلك لن ندخل في المفاوضات أساساً.

ثالثاً: الخلاف الآخر يتمحور حول آلية عبور السفن في مضيق هرمز، حيث تشترط الولايات المتحدة ضرورة عودة المضيق بالكامل إلى الأوضاع السابقة، لكنّ إيران تقول إنها تلتزم فقط بإعادة عدد السفن إلى المستوى السابق، لكن وفق النموذج الإيراني الخاص بها بحيث تحدّد هي عدد السفن المسموح لها بالعبور.

التطور الخطير الذي ينبغي التوقف عنده، هو أن موافقة ترامب الأولية لوقف الحرب تقتضي من وجهة نظره، أن تدفع بعض الأنظمة العربية الاسلامية ثمن وقفها، إذ إنه في الاتصال الهاتفي الذي أجراه مع قادة السعودية والإمارات وقطر وباكستان وتركيا و مصر والأردن والبحرين، لمناقشة الاتفاق المرتقب مع إيران، أكد على ضرورة توسيع دائرة التطبيع الابراهيمي ، وأنه يستهدف بالدرجة الأولى، التوصل إلى اتفاق سلام تاريخي بين السعودية و(إسرائيل).

مكاسب إيرانية

خلاصةً: رغم أن الإعلان لم يوقع حتى كتابة هذا المقال، يمكن الجزم أن إيران من خلال هذا الإعلان حققت نسبياً معظم مطالبها على نحو :

  1. أن الاتفاق في حال تنفيذه أكد على أولوية وقف الحرب على جبهتها وعلى جبهة جنوب لبنان قبل الشروع في المفاوضات بشأن البرنامج النووي وبضمانات دولية.
  2. أن الاتفاق نص على انسحاب القوات الأمريكية من محيط مضيق هرمز وعلى وقف الحصار للموانئ الإيرانية.
  3. أن الاتفاق لم ينص على إلغاء الدور المركزي لإيران في إدارة مضيق هرمز وفق الشروط التي تضعها، ونص على حق إيران في تصدير نفطها إلى الأسواق العالمية دونما اعتراض من السفن الحربية الأمريكية.
  4. أن الاتفاق نص على التفاوض بشأن إلغاء العقوبات على إيران، وعلى إعادة أموالها المجمدة في البنوك الأمريكية.

وأخيراً فإن إيران من واقع تجربتها، لن ترضخ في مفاوضاتها بشأن البرنامج النووي للشروط الأمريكية، فهي في التقدير الموضوعي، ستؤكد على استمرار برنامجها النووي السلمي، وقد تقدم تنازلات تكتيكية لا تؤثر بالمطلق على استمرارية برنامجها النووي، كما سبق وأن تصرفت في مفاوضات مسقط وجنيف على نحو: تخفيض نسبة التخصيب، وتأكيدها على عدم توجهها لصناعة أسلحة نووية، لكنها لن تقبل بالمطلق تسليم كميات اليورانيوم المخصب للولايات المتحدة وقد تقبل بتسليم كميات قليلة كوديعة لدى روسيا.

وهذه المكاسب ما كان بإمكان لجمهورية إيران الإسلامية أن تحققها، لولا صمودها والانتصارات التي حققتها في حرب أل (39) يوماً، عبر تدميرها معظم القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة، وعبر الضربات الصاروخية الهائلة للكيان الصهيوني، ورفع الكلفة البشرية على صعيد القتلى والجرحى في صفوف القوات الأمريكية وقوات الاحتلال الإسرائيلية والمستوطنين.